كتب: نهال لاشين
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] على امتداد عامين من حرب غيرت ملامح غزة، نسجت تغطيات شبكة العلوم والتنمية SciDev.Net خيوطًا تجمع بين رصد واقع مؤلم يوثق مشاهد الدمار والمعاناة، وبين تجارب صمود ومبادرات تضيء بارقة أمل، ساعيةً إلى ترميم ما تهدَّم وبعث الحياة من قلب الأزمة.
منذ الثامن من أكتوبر 2023، حرصت النسخة العربية للشبكة على أن تتابع أدق تفاصيل العدوان على غزة وتداعياته على البيئة والصحة والتنمية، مستكشفةً كيف يمكن للعلم أن يكون جسرًا بين الألم والأمل.
بدأت أولى التغطيات بتقرير رصد المشهد الإنساني القاتم في قطاع غزة، حين قطعت إسرائيل إمدادات المياه والكهرباء والمحروقات عن القطاع، وأغلقت الحواجز أمام شاحنات الإغاثة، وغرق القطاع في الظلام، وثقت الشبكة شهاداتٍ حيةً لأسر تفترش الأرض في باحات المستشفيات بلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء، ولنازحين يقتاتون على المعلبات ويشحنون هواتفهم من ألواح شمسية متهالكة في بيوت الجيران، كان المشهد كاشفًا لانهيار شبه تام في الخدمات الأساسية، ولحجم المعاناة التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان حُرموا من أبسط مقومات الحياة.
لكن وسط هذا الظلام، ظلت شرارة الصمود مشتعلة؛ ففي أولى حلقات بودكاست ”شرارة.. الأمل من قلب الأزمة“، برزت حيل الغزاويين لمواجهة حياة بلا كهرباء؛ إذ حوَّل السكان الألواح الشمسية المتضررة من القصف إلى مصدر بديل للطاقة، وأعادوا استخدام البطاريات المنتهية لتشغيل الأجهزة وشحن الهواتف، ومع اشتداد الحصار ونفاد الوقود، عادت الشبكة في حلقة أخرى لتوثق اتساع تجربة قائمة لجأ فيها سكان غزة إلى تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود، لتوفير الحد الأدنى من احتياجات الكهرباء وتشغيل المركبات، رغم المخاطر البيئية والصحية الكبيرة، لتبقى الحياة ممكنةً ولو بأبسط الإمكانيات.
ومن الطاقة إلى الماء، لم تخل التغطيات من أمل ممتد؛ ففي حلقة أخرى من بودكاست “شرارة”، استعرضت الشبكة نماذج ملهمة من المنطقة لعلماء ومهندسين يعملون على ابتكارات مستدامة لمواجهة أزمة شح المياه، بينهم الغزي عدي الدغمة، الذي وثق معاناة مدينته ومساهمته في تنفيذ حلول ميدانية لتحلية المياه وتخفيف العطش في أكثر البيئات قسوة.
وفي واحدة من أكثر التغطيات تأثيرًا، وثقت الشبكة المشهد الزراعي في القطاع بعد أن غيرته الحرب إلى لوحة رمادية قاحلة، حيث أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أراضيَ كانت خضراء تحولت إلى اللون الرمادي أو الأصفر، وحقولًا اجتاحتها الجرافات العسكرية، وتجريفًا أزال الطبقة الخصبة للتربة، فيما عجز المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم أو حتى فحصها بعد أن دُمرت مختبرات وزارة الزراعة، صار الأمن الغذائي في مهب الريح، وفقد أكثر من خمسين ألف عامل ومزارع مصدر رزقهم، أما التربة فستحتاج ما بين خمس إلى سبع سنوات لتستعيد قدرتها على الإنتاج إن توافرت المساعدات الدولية.
في المقابل، خرج من بين الركام المهندس الشاب يوسف أبو ربيع بفكرة تعيد الزراعة إلى الحياة، جمع ما تبقى من البذور، واستفاد من النبتات التي أنبتها المطر، ليؤسس مع مجموعة من المزارعين مشتلًا بدائيًّا فوق أنقاض منزله، مستخدمًا تربةً صناعيةً من مخلفات الأشجار وحاوياتٍ بلاستيكيةً حاضناتٍ للشتلات، غير أن يد الاحتلال التي دمرت أرضه امتدت إليه، فاغتيل صاحب الفكرة، تاركًا خلفه شتلات تشهد على أن في غزة مَن يزرع حتى وهو يواجه الموت.
وفي مشهد آخر من مشاهد الأمل، أودع اتحاد لجان العمل الزراعي الفلسطيني عينات من البذور البلدية الفلسطينية في قبو سفالبارد العالمي بالنرويج، لحمايتها من أخطار الحرب والاندثار، في خطوة عملية لحماية الهوية الزراعية الفلسطينية للأجيال القادمة.
كانت المساحة الأكبر من تغطيات SciDev.Net لصالح التعليم، الذي عمَّه دمار واسع، عرضت الشبكة تقرير دولي مشترك بين جامعة كامبريدج ومركز الدراسات اللبنانية والأونروا، وثق وقتها انهيارًا شبه كامل للنظام التعليمي في غزة، إذ تضرر أكثر من 93% من المدارس، وتعطلت دراسة أكثر من 625 ألف طالب، وفي ظل خيام النزوح وصدمات الفقد والدمار، صار التعليم رفاهيةً مؤجلةً أمام الجوع والخوف والنزوح.
امتد العدوان أيضًا إلى الجامعات والعقول، رصدت الشبكة سلسلة هجمات ممنهجة استهدفت الأكاديميين والكفاءات التقنية، مع اغتيال ثلاثة من رؤساء الجامعات في القطاع، و95 عميدًا وأستاذًا، وتدمير عدد من الجامعات، كما خرجت ست حاضنات أعمال ومراكز تكنولوجية عن الخدمة، ما شل القطاع التقني الذي يسهم بنحو 4% من الناتج المحلي، وأكد الخبراء أن الاحتلال يسعى لطمس القدرات الرقمية والعلمية لوقف التطور الذاتي لغزة، وضمان بقائها رهينةً للدمار والحصار.
وفي سياق أوسع، كشف تحقيق معمق أن استهداف العلماء ظاهرة عالمية آخذة في الاتساع، إذ تتحول المعرفة إلى خطر، وتتشابه القصص الآتية من قارات مختلفة، وتتوحد المآسي حين يصبح العقل هدفًا في مرمى النار.
وعمّق مقال رأي لاحق هذا الإدراك، موضحًا أن استهداف العلماء ليس عرَضًا جانبيًّا للحرب، بل هو جزء من بنية الصراع نفسه، إذ تتقاطع الأبحاث المدنية والعسكرية وتستغل المعرفة سلاحًا، وانتهى المقال إلى ضرورة حماية المؤسسات العلمية والباحثين بوصفهم خط الدفاع الأخير عن بقاء المعرفة في مواجهة العنف والخراب.
وبينما تكافح المؤسسات التعليمية للبقاء، كان العلم نفسه يُستخدم في الجانب الآخر من المعادلة أداةً للدمار، إذ تحولت خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات للقتل الجماعي، تدار دون رقابة بشرية، وثقت تغطيات الشبكة كيف استخدم الاحتلال أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف آليًّا، ما أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين، لتغدو التكنولوجيا –التي وُجدت لخدمة الإنسان– جزءًا من مأساة إفنائه.
ورغم الانهيار شبه التام في منظومة التعليم، لم تتوقف غزة عن التعلم، رغم محدودية الموارد وهدير الحرب المستمر، ففي قلب الخيام والملاجئ، واصل الطلبة مناقشة رسائلهم العلمية، متحدين انقطاع الكهرباء وغياب القاعات والمختبرات، رصدت تغطيات الشبكة في بودكاست ’شرارة‘ إصرار الطلبة على استكمال أبحاثهم والتواصل مع مشرفيهم عبر وسائل بديلة، وإقامة المناقشات الأكاديمية في مساحات ضيقة أو عبر الإنترنت، في مشهد يختصر جوهر المقاومة بالعلم.
ومن خارج القطاع، امتد هذا التصميم في مبادرات تضامنية تربط الأكاديميين الفلسطينيين بزملائهم حول العالم، في بريطانيا، أسست الأكاديمية الفلسطينية عبير فرعون مبادرة ’أمهات هند‘ لتكون شبكة دعم للطلبة في غزة، وإعادة وصل الجامعات المدمرة بالعالم الأكاديمي.
وفي مشهد أوسع من مشاهد الأمل، فتح بودكاست ’شرارة‘ نافذةً على قصص العلماء العرب في المهجر، الذين لم تمحُ الغربة انتماءهم، بل زادتهم إصرارًا على أن يكونوا جسورًا للمعرفة بين الداخل والخارج، يساندون زملاءهم في الداخل لاستكمال مسيرتهم العلمية رغم التحديات، قصصهم تؤكد أن العلم -أينما وُجد- قادرٌ على إعادة وصل ما مزقته الحروب.
لم تغب الصحة عن مشهد الحرب، إذ انهارت المستشفيات تحت القصف، وطفحت مياه الصرف بين خيام النازحين، وغابت المياه النظيفة والأدوية، وثقت تغطيات الشبكة تفشي أمراض الجهاز التنفسي والإسهال والتهاب الكبد الفيروسي، وسط عجز عن التشخيص ونقص حاد في المضادات الحيوية، تحولت الرعاية الصحية في غزة إلى صراع يومي للبقاء.
ثم جاءت المجاعة لتكمل دائرة الموت البطيء، أطفال يفقدون وزنهم كل يوم، وأمهات يعددن حليب الرضع بمياه ملوثة، تقارير الأمم المتحدة حذرت من وصول القطاع إلى الدرجة الرابعة من الجوع، لكن الأوضاع تفاقمت لتصل إلى المرحلة الخامسة -المجاعة- حيث يواجه أكثر من نصف مليون إنسان خطر الموت جوعًا، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.
ولم يتوقف الألم عند الجسد؛ فالحرب تركت ندوبًا أعمق في النفس، عرضت الشبكة دراسةً تكشف كيف تنتقل آثار الصدمات النفسية من جيل إلى آخر عبر تغيرات فوق جينية، لتتحول المعاناة إلى إرث بيولوجي متوارث.
ثم هذه المرة يولد الأمل من البحر، فمع اشتداد المجاعة برزت مبادرات فردية لإيصال الغذاء عبر البحر بوسائل بسيطة، قوارب مصنوعة من البراميل، وبالونات وقوارير تحمل مؤنًا خفيفةً تعبر الأمواج نحو شواطئ غزة، بدت أفكارًا رمزية، لكنها تمثل مقاومةً إنسانيةً ضد الجوع وخطوةً في طريق الصمود.
ومن البحر إلى المأوى، يواصل بودكاست ’شرارة‘ توثيق قصص الأمل بحثًا عن مأوى بديل أكثر أمانًا من الخيام، في ظل استمرار الصراعات بالمنطقة.
والنفس كان لها نصيبٌ من الترميم، ففي حلقة خاصة عن الدعم النفسي لضحايا العنف الجنسي في السودان، وثق البودكاست مبادرات مثل ’شَمْلة‘، لتقديم الدعم النفسي للمتأثرين بتجارب الحرب والنزوح من أهالي غزة والسودان المقيمين في مصر.
وبينما لا تزال مفاوضات وقف إطلاق النار دون تقدم يُذكر، تبقى غزة عالقةً بين الركام والأمل، وتواصل شبكة SciDev.Net رصد آثار الحرب على بيئتها وتنميتها، واستكشاف سبل التعافي؛ فبعد حرب وُصفت بأنها إبادة بيئية لاستدامة الفناء، يبقى الرهان على أن يتحول العلم إلى أداة لاستدامة البقاء.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا