25/05/25
المجاعة في غزة تُفني الجيل الحالي وتهدد القادم
كتب: عمرو راجح
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] عشرات من شاحنات المساعدات فحسب، تعرض عدد منها للنهب من قِبل المستوطنين، هي التي سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بدخولها مؤخرًا إلى غزة، لإغاثة مليوني فلسطيني.
بعد 19 شهرًا من عدوان المحتل على القطاع، وبعد تجويع فرضه وتجاوز أمده الشهرين على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؛ ليحصد الزمر من أرواح الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا إزاء حصار كامل يمنع انتقال كافة المساعدات الغذائية.
والخطر يهدد حياة المواليد الجدد والأطفال صغار السن، وسيزهق المزيد من أنفس الفلسطينيين، ما لم يُتدارك الوضع بدخول مئات الشاحنات يوميًّا، لا العدد الهزيل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ذلك الذي سمحت إسرائيل بإدخاله على مدار اليومين الماضيين.
غزة تنزلق في مجاعة، تعم كامل سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2,1 مليون نسمة، وهم الآن بالدركة الرابعة على مقياس للجوع وضعه تقرير ”التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي“.
التقرير الصادر في 12 مايو الجاري لتقييم الوضع الغذائي بالقطاع توقع أن يجوع نحو 470 ألف شخص إلى حد ”الكارثة” (الدركة الخامسة، السوأى والدنيا في سلم التصنيف)، خلال المدة من 11 مايو إلى نهاية سبتمبر 2025.
قدّم التقرير إشارةً إلى تصنيف آخر مهم لرصد وضع ”سوء التغذية الحاد”، وهو أيضًا من 5 مستويات، ومناطق القطاع المختلفة ضمن المستويين الثاني والثالث، إلا أن التوقعات تشير إلى احتمال وصول بعض المناطق مثل شمال غزة ورفح إلى المستوى الرابع نهاية سبتمبر القادم.
في رفح، مدير مستشفى الكويت التخصصي، صهيب الهمص، يشير إلى نفاد 85% من الأدوية به، ثم يتحدث عن عدم وجود أي طعام.
يقول الهمص لشبكة SciDev.Net: ”ليس لدينا ولو رغيف خبز واحد، سواء للمرضى أو للطاقم الطبي“.
ويستطرد: ”يستقبل المستشفى نحو 4000 مريض يوميًّا يتساقطون أرضًا بسبب الهزال والضعف، ولم نعد نجد متبرعين بالدم؛ لأن الغالبية العظمى تعاني فقر الدم“.
ولا يواجه الفريق الطبي نقص الدواء والجوع فقط، بل تتَعَرَّض خيام النازحين المجاورة للمستشفى للقصف على مدار الساعة، ما يسبب أضرارًا مختلفةً بمبناه، يسعى الفريق لإصلاحها بما يمتلكون من موارد محدودة.
يصف خبراء أمميون ومنظمات حقوقية ممارسات الاحتلال بأنها ”استخدام التجويع سلاحًا“.
أدت هذه الممارسات إلى توقف عمل الخمسة والعشرين مخبزًا المدعومة من قِبَل برنامج الأغذية العالمي في أواخر مارس الماضي، وفي 25 أبريل استُهلك آخر ما تبقى من مخزون الطعام المخصص لدعم المطابخ التي تقدم وجبات ساخنة للأسر المحتاجة، وفق بيان صادر عن منظمة اليونيسف في 12 مايو الجاري.
في حدود المتاح القليل جدًّا تواصل المنظمة تقديم المياه وخدمات التغذية، وفق جوناثان كريكس، مدير الاتصال في اليونيسف، فلسطين.
يقول كريكس لشبكة SciDev.Net: ”إلا أن مخزوننا من مستلزمات الوقاية من سوء التغذية قد نفد، والإمدادات المخصصة لعلاج حالات سوء التغذية الحاد أصبحت منخفضةً للغاية“.
ويتابع: ”في بداية عام 2025، قدّر خبراء أن نحو 60 ألف طفل بحاجة للعلاج، والآن تواجه الغالبية العظمى من الأطفال في غزة حرمانًا غذائيًّا شديدًا“.
يتخوف كريكس مغبة استمرار الحصار الكامل والنقص الحاد في الإمدادات الضرورية للبقاء؛ فهي أمور ”قد تدفع انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد ومعدلات الوفيات إلى ما يتجاوز عتبة المجاعة في الأشهر القادمة”، مُرجعًا ذلك أيضًا إلى “محدودية الوصول الشديدة إلى الخدمات الصحية، والنقص الحاد في المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي”.
معترضًا ممتعضًا يقول كريكس: ”يوجد أكثر من 116 ألف طن متري من المساعدات الغذائية بالفعل في ممرات الإغاثة جاهزة للإدخال، وهي كمية تكفي لإطعام مليون شخص لمدة أربعة أشهر“.
”المجاعة الحالية وسوء التغذية المزمن في غزة يمثلان تهديدًا خطيرًا ومباشرًا لصحة الأطفال، خصوصًا مَن هم دون سن الخامسة والمواليد الجدد“ وفق أستاذ التغذية، حازم أغا، عميد كلية الصحة العامة في جامعة القدس.
يعلل أغا بقوله: ”لأنهما يتركان آثارًا ممتدة، أبرزها تأخر النمو الجسدي والعقلي بسبب نقص العناصر الغذائية الأساسية، مثل البروتينات والحديد والزنك واليود، ما قد يؤدي إلى التقزُّم، إضافةً إلى تأخُّر التطوُّر العقلي واللُّغوي والحركي“.
كما يُضعف نقص التغذية في الأطفال الجهاز المناعي، فيكونون أكثر تعرضًا لخطر الإصابة بالأمراض المُعدية القاتلة، مثل الإسهال والالتهاب الرئوي، خاصةً في بيئة الحرب التي تعزز انتشارها، وفق أغا.
ويستطرد أغا: ”سوء تغذية الأمهات خلال فترة الحمل، وكذلك الأطفال في أثناء الأشهر الأولى بعد الولادة يؤثر في تكوين الدماغ وكفاءة وظائفه بصورة دائمة“.
كلام مفاده محل اتفاق من قِبل علاء الدين الفقي، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب بجامعة عين شمس في مصر، مقررًا أن عدم حصول الأم على تغذية جيدة يزيد احتمالية الولادة المبكرة، ويترك في الطفل آثارًا تستمر طوال عمره.
يقول الفقي للشبكة: ”تعود أسباب الولادة المبكرة إلى ضعف المشيمة الناتج من سوء تغذية الأم، ما يعني عدم قدرتها على تغذية الجنين وإمداده بالأكسجين اللازم لحياته“.
ويؤكد الفقي أن الأطفال المبتسرين أكثر تعرضًا للوفاة، ويحتاجون إلى حضّانات مجهزة من أجل الحفاظ على حياتهم، وقد رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش سابقًا وجود 5 أطفال في حضّانة واحدة بسبب تعطل أغلب الحضّانات داخل قطاع غزة أو تلفها.
وتشمل التأثيرات طويلة الأمد للمبتسرين -كما يوضح الفقي- ”مضاعفات عقلية وذهنية وحركية، ومشكلات ترتبط بالنمو الجسماني الطبيعي، فيصبح الطفل أصغر حجمًا وأضعف قوةً وأقصر، إضافةً إلى ضعف حواسه وقدراته الإدراكية“.
ويؤكد الفقي أن هذه الآثار ”لن تمحى بإدخال 5 إلى 6 شاحنات يوميًّا، وقد تستمر هذه الآثار لعقود تصل إلى 50 أو 60 عامًا، ما يجعل من الصعب إصلاح ما أفسده الاحتلال“.
ويقر أغا بخطورة الأضرار الحالية بسبب سوء التغذية المستمر والمجاعة، مؤكدًا صعوبة علاجها بالكامل، لكنه يرى بصيص أمل في حال توافر تدخُّل عاجل وفعال.
ويؤكد أغا ”ضرورة توفير المكملات الغذائية عالية الطاقة والغنية بالعناصر الأساسية لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، إضافةً إلى تقديم برامج التغذية المناسبة للحوامل، وخدمات صحية لما بعد الولادة“.
ويؤكد أغا أن بداية التعافي تتطلب ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإعادة بناء البنى التحتية الصحية والغذائية، والتخلص من مشكلة مياه الصرف الصحي، وهو ”ما لن يتحقق دون إيقاف الحرب، ويتطلب تعاونًا دوليًّا“.
يؤكد كريكس هذا الطرح: ”آلاف الأطفال المتأثرين بسوء التغذية الحاد في القطاع بحاجة عاجلة إلى أغذية علاجية، وحليب فوري، وأغذية تكميلية“.
ويوجه الهمص نداءً إلى جميع المسؤولين: ”القضية ليست مجرد مجاعة وسوء تغذية، المطلوب الآن وقف شلال الدم الفلسطيني، نحن نقيم الحجة عليكم أمام الله كي يتحمل كل فرد مسؤوليته“.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا