Skip to content

24/06/25

حين يكون العلم على فوهة مدفع

resized_image_996x567
العلماء في قلب الصراعات، بين السعي للمعرفة ومخاطر الاستهداف والتوظيف لأغراض لا يختارونها. حقوق الصورة:Mizzou CAFNR/ Shannon Mulvania-Beck. CC license: (CC BY-NC 2.0 DEED).

نقاط للقراءة السريعة

  • من العسير الفصل القاطع بين الأبحاث العسكرية والمدنية
  • العلم ليس محايدًا في تركيب الدولة الحديثة، وتحكمه في توجيه الأبحاث وتطبيقاتها
  • على عاتق المجتمع الدولي توفير التشريعات والوسائل اللازمة لمنع استهداف العلم والعلماء

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة ,SciDev.Net] قد تدهشك معرفة أن قسطًا كبيرًا من تمويل العلوم يخصص بشكل مباشر أو غير مباشر لأغراض حربية، وكثيرًا ما لوحظ أن ما بين ربع إلى نصف العلماء والمهندسين في جميع أنحاء العالم ينخرطون في مشروعات عسكرية، فضلًا عن تسهيلات هائلة تُمنح لإنجازها.

ولك أن تعرف أن مجالات مثل دراسات المناخ لها توظيف عسكري أساسي؛ فتوقعات الطقس والتغيرات المناخية عامل حاسم في التخطيط للحروب، وهو ما يدفع إلى الإنفاق بسخاء على أبحاث نموذج الدوران العالمي الذي يدرس التيارات العاملة في الغلاف الجوي وحركتها على مستوى الكرة الأرضية برمتها.

والأبحاث في العلوم الأساسية قد تخدم تطبيقات عسكرية كذلك، مثل الأبحاث في الطاقة النووية والحوسبة الكمومية والهندسة الوراثية وغيرها.

وللبحث في المجالات الاجتماعية توظيف عسكري أيضًا، فهي مهمة من أجل فهم مجتمعات الأعداء والتنبؤ بردود أفعالهم، بل التأثير عليهم كذلك متى تطلب الأمر!

على ذلك قد يبدو من العسير الفصل القاطع بين الأبحاث العسكرية والمدنية، إلى جانب ذلك، لم يعد العلماء يتحركون في أغلب الأحيان بدوافع فردية صرفة، فالأبحاث العلمية صارت تُجريها جماعات بحثية ومؤسسات، توظف باحثين، كما أن العمل البحثي نفسه يُقَسَّم بحيث قد لا يدري الباحث الصورة العامة والكاملة لما ينجزه، ناهيك بأن الباحث في كثير من الأحيان يخضع لتوجه مؤسسي عام، ولا يعدو أن يكون ترسًا في آليته.

 استهداف العلماء ومراكز البحث

قديمة هي مسألة حرمان الخصوم من العلماء والمخترعين واستهداف دور العلم ومراكز البحث؛ لكونهم روافع التنمية والتقدم في السلم، وهي كذلك بدهية في زمن الحرب؛ لأنهم أنوية اختراع الأسلحة، وبذور تطوير الذخائر، ومنشأ امتلاك السبق على الأعداء، لكن الأمر أخد منحىً واضحًا، وصار غرضًا محددًا منذ الحرب العالمية الثانية.

مسألة لعل من أبرز حوادث بداياتها في القرن الماضي، لمَّا لم يتورع الحلفاء عن الإغارة جوًّا على معهد القيصر فيلهلم للكيمياء في برلين بغية قتل العلماء الألمان أو على الأقل دفعهم لترك مختبراتهم والانشغال بالذود عن حيواتهم.

ولا يقتصر استهداف العلماء على العمليات القتالية فحسب، بل كثيرًا ما كان الاغتيال هو الأقرب، على سبيل المثال، وُضِعت خطة لاغتيال فيرنر كارل هايزنبيرج، الذي قاد البرنامج النووي الألماني، والحائز جائزة نوبل في الفيزياء، ولم يَحُل دون تنفيذها إلا خيار ميداني اتخذه العميل المكلف بالعملية، لما أيقن أن ألمانيا بعيدة تمامًا عن الحصول على قنبلتها الذرية.

أما في منطقتنا فلم تنقطع عمليات اغتيال العلماء واستهدافهم طوال العقود القريبة الماضية، ثمة عمليات نادرًا ما تعلن جهة محددة مسؤوليتها عنها، خصوصًا حينما تكون الصراعات مكتومة، لا تجري ضمن أحداث عنف وحروب معلنة، وإن كانت الملابسات والبحث عن المستفيد عادةً ما توجه أصابع الاتهام نحو الجناة.

وهناك أخرى جرت في سياق حرب، خاطفةً كانت أم متطاولة؛ فمثلًا لم يكن أمام العلماء العراقيين خيارات كثيرة عقب الاحتلال الأمريكي للبلاد؛ فمصير عدد كبير منهم كان إما الاغتيال أو الاعتقال أو الهجرة، ولنا أن نتخيل مقدار استحالة تحقيق أي إنجاز علمي في أجواء لا تفتقر إلى التمويل فحسب، بل إلى الأمان أيضًا!

رصد العراق مئات من عمليات الاغتيال لعلماء وأساتذة جامعيين، كما جرى تشجيع هجرة علمائه عبر وسائل عدة، لم تقتصر على التضييق عليهم، بل صدرت قوانين تسمح باستجواب العلماء العراقيين وترحيلهم، كما أقر الكونجرس قانونًا يمنح مَن يدلي بمعلومات ذات مصداقية حول برامج التسلح العراقية تصريحًا بالإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فربما علينا أن نسترجع كذلك حادثة محاولة تفجير قلبي المفاعلين النوويين العراقيين ’تموز١‘ و’تموز ٢‘ قبل شحنهما من فرنسا، ثم اغتيال العالِم النووي المصري يحيى المشد في أثناء زيارته لفرنسا من أجل تسلُّم شحنات لليورانيوم وفرتها فرنسا للعراق بناءً على اتفاقات، إذ تعرَّض إما للضرب المفضي إلى الموت أو الطعن حتى فارقته الحياة في منتصف عام ١٩٨٠م.

وفي الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران اغتالت إسرائيل في عمليات مباشرة ما لا يقل عن ١٧ عالِمًا إيرانيًّا، وقد ردت إيران معنويًّا بقصف معهد وايزمان العلمي الإسرائيلي.

أما في غزة وفي خضم الاجتياح الإسرائيلي الحالي فقد قتلت إسرائيل ما يزيد على مئة عالِم وأكاديمي، هذا إلى جانب اغتيالات سابقة نفذتها ضد علماء ومهندسين ومخترعين ادعت أنهم على صلة بعمليات المقاومة الفلسطينية، مثل محمد الزواري وفادي البطش.

 الحركة العلمية في دائرة النار

قد لا يتصور البعض الآثار الفادحة الناجمة عن استهداف العلماء والمراكز البحثية، ولا بأس؛ لإدراك مداها، من اللجوء إلى ورقة بحثية تحاول أن تُقَدِّر الآثار السلبية للحرب الروسية الأوكرانية على الحركة العلمية.

لكن، لاحظ أن أوكرانيا تحصل على دعم واسع من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ذلك لنا أن نتخيل مقدار ما قد تعانيه الدول التي تتعرض لاستهداف منظم لعلمائها ومراكز أبحاثها في منطقتنا، إذ لا تحظى -بطبيعة الحال- بحجم ونوع الدعم نفسه.

يؤكد البحث أن عددًا كبيرًا من الباحثين الأوكران إما هاجر أو غَيَّر مهنته، أما مَن بقوا فقد قل إنتاجهم البحثي بشكل واضح بسبب تدمير البنى التحتية المدنية والضغوط النفسية والمعيشية، تطرح الورقة البحثية أنه بحلول خريف ٢٠٢٢ هرب ما يقرب من خُمس الباحثين من البلاد، أما مَن بقوا، فقد هجر ١٥٪ منهم الحياة البحثية وأُجبِر آخرون على تخصيص وقت أقل كثيرًا لعملهم البحثي.

لم تقف الأمور عند ذلك الحد؛ فكثير من الباحثين فقد القدرة على الوصول إلى المعلومات أو البيانات التي تخدم بحثه، والبعض تعذَّر عليه الوصول إلى مختبراته أو مؤسساته البحثية، علينا أن نأخذ في الاعتبار أيضًا أن أولئك الذين غادروا البلاد هم الأكثر نشاطًا على الصعيد العلمي، كما أن هذه الأرقام زادت على الأرجح بصورة كبيرة مع استمرار الحرب حتى يومنا هذا، وتصاعُد وتيرتها.

في الحقيقة لا يؤدي استهداف العلماء والباحثين إلى تقويض قدرات الدولة على المدى القصير فحسب، فآثاره تمتد لسنوات طويلة، وهي آثار لا تعني الهزيمة في ميادين القتال فقط؛ إذ تتسبب في تراجُع قدرات الدولة على تحقيق مشروعاتها التنموية والمدنية وخسارة خبرات متراكمة، تُهدَر بسبب القتل أو الهجرة أو التهجير أو الملاحقة، في الحقيقة لا يمكن أن نستبعد أن هذا مقصود أحيانًا في حد ذاته!

تساؤلات مشروعة ورؤى مستقبلية

يفضي بنا هذا إلى تساؤل، إلى أي مدى تُنتهك المعايير الأخلاقية حين يستهدف العلم والعلماء؟ هل يحق لنا أن نعدهم مدنيين يجب أن يسري عليهم ما تكفله الاتفاقات الدولية للمدنيين وقت الحروب، خصوصًا أن التمييز بين الأبحاث المدنية والعسكرية أمرٌ عسيرٌ إن لم يكن مستحيلًا، وخصوصًا أن العلماء في نهاية المطاف لم تتلوث أيديهم بدم صريح ولم يأمروا باستخدام السلاح، هذا لو افترضنا أنهم ساهموا في تطوير الأسلحة طواعية وبدوافع أيديولوجية وعن معرفة تامة بالعواقب والتداعيات.

أم هل نعدهم مثل السياسيين بالرغم من وجود بون شاسع بين الفريقين، ناهيك بأن القوانين تعد اغتيال السياسيين كذلك أمرًا مرفوضًا، خصوصًا إذا كانت بواعث ارتكاب هذا الفعل وقائية، فالقاتل ارتكب فعلته غيلةً لدفع ضرر لم يقع فعلًا!

للأسف استقر في خبرتنا أن الحروب في الأغلب الأعم لا تحترم المواثيق، وأن أغلب الجيوش المعتدية تنتهك كل العهود وتمارس في كثير من الأحيان القتل العمد للمدنيين، ولا تستهدف العلماء والمؤسسات البحثية فحسب، بل النساء والأطفال العُزَّل كذلك، وهو ما يطرح أسئلة عميقة بشأن جدوى المنظمات الدولية وفاعليتها في منع الجرائم بالرغم من الضغوط السياسية الشديدة التي تتعرض لها.

يكشف كل هذا عن ضرورة تعزيز حماية العلماء والمنشآت العلمية، وهذه الحماية تقع على عاتق الدول التي يُستهدَف علماؤها، إذ يجب أن تشتمل خططهم -أمنيًّا وإستراتيجيًّا- على الحفاظ على وقودهم المعرفي وتأمينه، كما تقع على عاتق المجتمع الدولي برمته لتوفير التشريعات والوسائل اللازمة لمنع استهداف العلم والعلماء.

ثمة ضرورة كبيرة كذلك لتوعية الناس بأهمية المنشآت البحثية والعاملين فيها، ودفع الرأي العام المحلي والعالمي إلى فهم أبعاد المسألة وحث وسائل الإعلام على تغطية مثل هذه الأحداث وفق رؤية تنحاز للعلم ودعمه.

علاوةً على ذلك، يجب أن تتضافر جهود المجتمع العلمي أجمعه لدعم الدول التي يتعرض علماؤها للعدوان عن طريق المساعدة في توفير التمويل أو المساهمة في إتمام الأبحاث أو تقديم البيانات أو تعزيز التعاون على مستوى التدريب والنشر.

من أجل إنقاذ الجميع

 مع ذلك يرى البعض أن الأمور أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك، فالعلم ليس نشاطًا معزولًا عن بنية الدولة الحديثة، بل هو جزء منها، وبالتالي فإنه غير محايد، خصوصًا مع تركيبها الحديث، وتحكمها في توجيه الأبحاث وتطبيقاتها.

وآخرون يرون أن العمل الحقيقي من أجل حماية العلم والعلماء والتنمية لن يتأتى من خلال محاولات استجداء الحكومات واستعطافها، لكن عن طريق التوجه إلى الشعوب وتثقيفها وتوعيتها ونزع أسباب الخلاف والبغضاء والرؤى القاصرة على المصالح الضيقة والأيديولوجيات المغرضة.

تبدو الطريق في هذه اللحظة طويلة ووعرة ومظلمة ومقفرة، لكننا في حاجة عاجلة إلى المضي قدمًا فيها، لا من أجل إنقاذ العلم والعلماء فقط من هوة الحروب، ولكن من أجل إنقاذ العالَم ورفاهتنا فيه.

** أحمد سمير سعد، مدرس التخدير والعناية المركزة بكلية طب قصر العيني – جامعة القاهرة. له عدد من المقالات والكتب المؤلفة والمترجمة في مجال تبسيط العلوم وتاريخ العلم وفلسفته.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا