كتب: عمرو راجح
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
”الحرب في غزة إبادة جماعية متعددة الأبعاد تُرتكب ضد السكان الفلسطينيين المقيمين بغزة، والأمور البيئية في صميم هذه العملية“.
إلى هذا خلص تقرير ’المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات‘ بالدوحة، وصدر تحت عنوان: ”الإبادة البيئية وسيلة للإبادة الجماعية“، وبحسبانها سبيلًا إلى ’الإفناء الكلي‘، متجاوزًا ’سردية القتل‘ وحصر آثار الحرب في إزهاق أرواح أعداد مهولة، إلى سبر حقيقة العدوان من حيث إنه يستهدف محو أسباب الحياة.
وتفصيل هذه الخلاصة يؤكد أن اعتداءات الاحتلال تضمنت إبادة البشر والحضر والتعليم والتطبيب والثقافة والبيئة، وفق ما ذكرته فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، في تقريرها الصادر أول أكتوبر الماضي.
والنظر إلى الحرب من هذا المنظور يتسق كذلك بوضع العدوان في إطار أشمل وأوسع يجعله ”جزءًا من عملية تهجير قسري متعمدة ومنهجية وطويلة الأمد ومنظمة من قِبل الاحتلال لاستبدال الفلسطينيين“.
حتى اللحظة، تخطى عدد شهداء قطاع غزة المُعلَن عنهم من قِبَل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حاجز 45000 شهيد، كما شهد القطاع تدميرًا شاملًا لمختلِف النواحي الحيوية، وهو ما تسلط شبكة SciDev.Net عليه الضوء في هذا التحقيق، بغية الوقوف على آثاره البيئية المستدامة، ومدى التأثيرات المحتملة على الدول المجاورة.
يفسدون الهواء والماء
في الثامن عشر من يونيو الماضي، أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقييمًا أوليًّا حول الأضرار البيئية في قطاع غزة، وهو التقرير الذي عَلّقَت عليه إنجر أنديرسن، مدير البرنامج التنفيذي، قائلة: ”لا يعاني أهل غزة فجيعة الحرب الدائرة التي تجل عن الوصف فحسب، بل إن الضرر البيئي الكبير المستفحل ينذر بحبس الناس في معاناة مديدة ومؤلمة خلال فترة التعافي“.
كانت البيئة في غزة قد تعرضت لإفساد واسع النطاق قبل الحرب الأخيرة، بسبب إجراءات الاحتلال التعسفية، سياسية وأمنية، والنمو السكاني المتزايد، وسوء التخطيط العمراني، إلى جانب التغيرات المناخية.
هواء فاسد، كما يشي كلام أحمد، من أهل الشمال المُهَجَّرين، عن المناخ الذي أحاط به في مدينته بيت لاهيا.
يقول أحمد لشبكة SciDev.Net: ”كنت أشعر بمرارة دائمة في حلقي، وحينما أستبدل ملابسي أجد فيها رائحة الغبار والبارود، وإذا علّقتها في الشُّرفة لم تختفِ منها هذه الروائح، بل تزيد“.
الكثير وهم ينزحون اضطروا إلى ”حرق كل ما يمكن حرقه“ للحصول على التدفئة أو للطبخ بسبب نقص المواد الأساسية.
وخرائط ناسا وبياناتها عن الحرائق أظهرت اندلاع نحو 165 حريقًا داخل القطاع خلال المدة ما بين السابع من أكتوبر 2023 والثاني عشر من يناير 2024، وهو عدد ضخم مقارنةً بالسنوات السابقة، مما أسهم في تلوث الهواء بشكل كبير.
وأشارت المجموعة الاستشارية للألغام إلى أن إسرائيل ألقت بالفعل أكثر من 25 ألف طن من المتفجرات على غزة، بين أكتوبر2023 وفبراير 2024، وهو ما يعادل ”قنبلتين نوويتين“، إلى جانب استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض المحرم استخدامها ضد المدنيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

ومن إفساد الهواء إلى إفساد الماء يقول أحمد: ”أغلب ما كنا نحصل عليه من ماء للري مصدره الآبار التي كنا نحفرها، لكن الاحتلال حفر سابقًا عددًا من البرك للتخلص من مياه الصرف بجوارنا، ما أثر سلبًا على جودة مياه آبارنا، واستخدم خلال الاعتداءات صواريخَ دمرت آبارًا عدة، فكان الصاروخ يسقط مسببًا خروج الماء إلى سطح الأرض“.
انهار نظام المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، ووصلت قدرة إنتاج المياه في مارس 2024 إلى أقل من 5% من الناتج المعتاد، إذ أدت اعتداءات الاحتلال حتى تاريخ إصدار التقييم الأولي من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تدمير نحو 57% من بنية الماء التحتية في شمال غزة ووسطها تدميرًا كليًّا أو جزئيًّا، وقُدِّرَت الخسائر بنحو 503 ملايين دولار.
شمل الدمار منظومة الصرف الصحي، ما أدى إلى تلويث البيئة بالمياه غير المعالجة التي اجتاحت الشواطئ والتربة، وفي مارس الماضي قُدِّرَت كمية مياه الصرف التي تلوث البيئة يوميًّا بنحو 60 ألف مترٍ مُكَعَّب، ”في المقام الأول بالبحر المتوسط“.
في المستقبل ستواجه غزة ”أزمة مائية خانقة“ بسبب انهيار البنية التحتية الكامل من جرَّاء الاعتداءات، كما يتوقع أحمد أيوب، الباحث بالمعهد الزراعي المتوسطي في باري بإيطاليا.
يقول أيوب لشبكة SciDev.Net: ”لا يُمثل تلوث المياه العامل الرئيس في انعدام الأمن المائي في القطاع مستقبلًا، إنما تكمن المشكلة في عدم وجود قطاع من الأساس“.
ويستطرد: ”سابقًا كانت غزة تعاني مشكلة السحب الجائر للمياه الجوفية، ما أدى إلى تلوثها بالماء المالح، حيث تقع على ساحل البحر المتوسط“، وهو ما زاد سوءًا مع الهجمات الأخيرة.
ويستدعي إصلاح الآبار المتضررة جهودًا ضخمة، فإعادة بناء البنية التحتية المائية ستحتاج إلى سنوات عديدة لتلبية احتياجات السكان، وفق أيوب.
وثمة إشارة من ميسون الزعبي -الخبيرة الدولية في دبلوماسية المياه والمياه الدولية- إلى أن ”النزوح المستمر مثَّل ضغطًا كبيرًا على شبكة الصرف الصحي، ما أدى إلى طفحها في الشوارع، وتهديد الخزان الجوفي للقطاع“.
وتتوقع ميسون أن يستغرق إعادة تأهيل هذه الشبكات ”ما لا يقل عن عشرين عامًا“، مشيرةً إلى أن التأخير سيؤدي إلى مزيد من التدهور.
والأضرار البيئية الناجمة عن الحرب ”غير مسبوقة“ ، وربما صارت ”غير قابلة للإصلاح“، فممارسات الاحتلال تزيد الأمور سوءًا من خلال قطع إمدادات المياه ومنع دخول مواد البناء والإغاثة الإنسانية، وفق ميسون.
يسعون في الأرض فسادًا
عندما دخل سبتمبر الماضي، رصدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة دمار ما يقرب من 67.6 % من أراضي المحاصيل الزراعية في غزة، وقدّر ’التقييم المؤقت للأضرار‘ –الصادر نهاية مارس عن عدة جهات دولية- خسائر القطاع الزراعي بنحو 629 مليون دولار.
وإلى جانب الخسائر الجمة التي سيستمر في معاناتها أهل القطاع وما يتبعها من فقر وبطالة، يُعَرِّض دمار الأرض الزراعية المواطنين لانعدام الأمن الغذائي، وزيادة خطر مواجهة المجاعات.
ويكشف أن ”المنظمة رصدت أضرارًا بيئية عدة في غزة من خلال التقييمات المعتمدة على بيانات الأقمار الاصطناعية والتحليل الجغرافي المكاني“، وفق ما أدلى به لشبكة SciDev.Net وليد صالح، كبير المستشارين الفنيين لدى مكتب ’فاو‘ باليمن.
يقول صالح: ”تُظهر الدراسات تضرُّر ما يُقَدَّر بنحو 10183 هكتارًا أو ما يزيد على 25 ألف فدان، ما أثر سلبًا على البنية التحتية الزراعية الأساسية، التي تتضمن الآبار والدفيئات الزراعية، كما أبلغ المزارعون عن خسائر فادحة في الماشية والدواجن، ما يمثل تهديدًا كبيرًا للأمن الغذائي المحلي“.
هذا الضرر الزراعي واسع النطاق يتوقع صالح أن يخلق تأثيرًا طويل الأمد في إنتاج الغذاء داخل القطاع، خاصةً مع ”غياب المساعدات الكبيرة وانعدام تدابير التعافي“، ما قد يسبب آثارًا سلبية متتالية على احتياجات استيراد الغذاء الفلسطينية.
بالعودة إلى أحمد من بيت لاهيا، يشكو بثه: ”بعد النزوح صرت أشعر بأنني أعيش في سجن مفتوح، النازحون من الشمال يقيمون في عدد كبير من الخيام بجوار البحر مباشرة في منطقة دير البلح، وتقع خيمتي على بُعد 20 مترًا من البحر، ولا توجد مصادر للحصول على ماء نظيف للشرب أو الاغتسال، والقاذورات تنتشر بين الخيام“.

النازحون من شمال غزة يقيمون في خيام تبعد عن البحر أمتار قليلة
تسببت الأضرار البيئية في غزة -بما في ذلك تدمير مرافق الصرف الصحي وانتشار القمامة وغياب مياه الشرب النظيفة ونقص التطعيمات والعلاجات الطبية- في تفشي أمراض عديدة بين النازحين، مثل الجرب والقمل وجدري الماء وأمراض الإسهال والتهابات الصدر والالتهاب الكبدي وفيروس شلل الأطفال.
وللإجمال فإن مازن قمصية -مؤسس ومدير معهد فلسطين للتنوع الحيوي والاستدامة بجامعة بيت لحم في فلسطين- يلخص الأخطار التي ستعانيها فلسطين في ثلاثة رئيسة، وهي تدمير طبقة المياه الجوفية، وتلوث التربة وتدهور خصوبتها، إلى جانب عدم القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
يفاقمون تغير المناخ
يقول قمصية لشبكة SciDev.Net: ”خلال 2024، عدد الطلعات الجوية الهائل الذي نفذه سلاح الجو الخاص بالاحتلال لقصف غزة، أنتج انبعاثات من غازات الدفيئة نتيجة حرق وقود الطائرات تفوق ما تنتجه دولة أوروبية متوسطة المساحة -مثل بولندا أو إيطاليا- خلال عام كامل من مختلف المصادر التي تتضمن الصناعات والنقل وغيرها من المصادر“.
”هذا دون احتساب الانبعاثات الناتجة عن استخدام القنابل الحرارية مثلًا، أو انفجار الذخائر التي يفوق وزنها ألفي رطل“.
ومن أسف، ”تعاني فلسطين أصلًا -وخصوصًا قطاع غزة- ارتفاع درجات الحرارة“، وفق ابتسام أبو الهيجا، مدير دائرة التغير المناخي وإدارة الجفاف بوزارة الزراعة الفلسطينية.
تقول ابتسام لشبكة SciDev.Net: ”الحرارة تؤدي إلى جفاف التربة، وتغيُّر مواسم الزراعة، مما يسبب تراجُع إنتاج المحاصيل والإضرار بالوضع الاقتصادي، يعاني المزارعون كذلك انتشار الآفات الزراعية، وهي عوامل كلها مرتبط بالتغير المناخي“.
واعتداءات الاحتلال المستمرة غالبًا ما تترك الأراضي غير صالحة للزراعة، كما تشمل التحديات التي يواجهها المزارع الفلسطيني قيود الحركة المشددة التي تمنعه من الوصول إلى أرضه الزراعية، بالإضافة إلى التوسع الاستيطاني الذي يتضمن الاستيلاء على الأرض أو تجريفها لبناء المستوطنات، وفق ابتسام.
في هذا السياق، ثمة أضرار بيئية في غزة تنشأ من ”الانبعاثات الناجمة عن تكدس النفايات الصلبة وحرقها، بسبب عدم قدرة البلديات على تجميعها وإرسالها إلى المكبات“، كما يبين أيمن ربيع، المدير التنفيذي لمجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين.
يرى ربيع أن الاعتماد على الوقود الأحفوري صار لا غنى لسكان القطاع عنه، فقد دمر الاحتلال ”نحو 235 مصدرًا للطاقة الشمسية كانت تزوِّد مختلف المنشآت بالطاقة اللازمة“.
ومع ارتفاع حدة التغيرات المناخية عالميًّا، قد تواجه فلسطين مزيدًا من الظواهر المناخية المتطرفة، مثل ”زيادة مدد الجفاف والسيول وعدد الأيام الحارة“.
ولا يقف الأثر السيئ للحرب على مناخ فلسطين عند هذا الحد، بل قدَّرت دراسة نُشِرَت في يونيو الماضي أن الانبعاثات الكربونية المتوقعة بعد مرور 120 يومًا فقط من بدء الاعتداءات الإسرائيلية تفوق كمية الانبعاثات السنوية لستة وعشرين دولة ومنطقة كل على حدة، وتنبأت الدراسة بأن انبعاثات إعادة إعمار غزة قد تتخطى الانبعاثات الكربونية السنوية لأكثر من 135 دولة، ما يعادل تقريبًا انبعاثات السويد والبرتغال.
يشير الباحثون إلى أن الأنشطة التي صاحبت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزة وما قبلها سببت انبعاثًا كربونيًّا يكافئ حرق نحو 31 ألف كيلو طن من الفحم، وهي كمية قادرة على تشغيل نحو 16 محطة طاقة معتمدة على الفحم مدة عام كامل.
بيد أن تلك التقديرات يتحفظ عليها بنيامين نيمارك، الباحث الرئيس في الدراسة والمحاضر في معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة كوين ماري في لندن.
يقول نيمارك للشبكة: ”لا يمكن حساب قيمة الانبعاثات بدقة؛ لأن الأطراف المعنية في الحرب لا تشارك أي معلومات عن الانبعاثات الناتجة عن أنشطتها“، مشيرًا إلى وجود عدد ضخم من الطائرات والدبابات والصواريخ.
ويرى نيمارك أنه من الضروري ”زيادة الشفافية بشأن البيانات المتعلقة بالانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة العسكرية، وتضمينها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ“.

لكن يبدو أنه لا سبيل إلى هذا، على حد قول الخبير في علوم البيئة وتغير المناخ هشام السيد عيسى، المؤسس المشارك في شركة دي كاربون لاستشارات التنمية المستدامة والتغيرات المناخية.
يؤكد عيسى أن اتفاقيات المناخ ”تتعمد“ تجاهل دراسة تأثير الحروب على التغير المناخي.
ويستطرد: ”لا تتطرق مفاوضات تغير المناخ -على الإطلاق- إلى تأثير العمليات العسكرية وتدريبات الجيوش على الانبعاثات الكربونية، وتُصَنَّف المعلومات الخاصة بعدد المركبات الحربية ومعدلات سيرها وما تستهلكه من وقود بأنها ‘بيانات سرية’ خاصة بالدول“.
ويرى عيسى أن تأثير اعتداءات الاحتلال وما خلَّفه من دمار سيؤثر على قدرة الفلسطينيين على التكيف مُستقبلًا مع آثار التغير المناخي، ما قد يُسبب مشكلات عدة، أهمها انعدام الأمن الغذائي، وانتشار الأوبئة.
كان البرلمان الأوروبي قد أصدر في وقت سابق تقريرًا يوضح الضرر البيئي الجسيم الواقع على دولة أوكرانيا من جرَّاء الحرب مع روسيا الاتحادية، مشيرًا إلى أن الدول المجاورة لمنطقة النزاع قد تتأثر أيضًا بالتلوث الناجم عن الأنشطة الحربية.
وبالمثل يتوقع أن تؤثر الحرب الشرسة الدائرة في غزة -والتي تجاوزت العام- على دول المنطقة أيضًا.
إفساد بيئات الجوار
هنا برز الاختلاف بين خبراء وذوي تخصصات عدة، فقد أشارت ميسون إلى أن ”تلوث المياه يُعد أحد أهم المخاطر البيئية العابرة للحدود، ولا يؤدي إلى خفض جودة المياه الجوفية في فلسطين والدول المجاورة فحسب، بل يضر أيضًا بالصحة العامة“.
تدلل ميسون على ذلك بذكر حادثتين أعلنت عنهما حكومة الاحتلال، أولاهما وقعت في 2017 عندما أغلقت وزارة الصحة شاطئ ’مستوطنة زيكيم‘ بعسقلان المُحْتَلَّة بسبب تَسَرُّب مياه الصرف إلى مياهها، وهي مشكلة نتجت من تعطُّل محطة تحلية مياه الصرف الموجودة بالقطاع بسبب انقطاع الكهرباء، وتكرر الأمر بعد استهداف الاحتلال محطة التحلية خلال اعتداءات عام 2023.
قبل الحرب، كان نحو 13 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يتدفق إلى البحر من غزة يوميًّا، ولكن الآن، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذا الرقم ارتفع إلى 130 ألف متر مكعب يوميًّا، وبسبب انهيار مرافق معالجة مياه الصرف الصحي، يضطر الناس إلى استهلاك المياه قليلة الملوحة والملوثة واستخدامها لأغراض الطهي والتنظيف والنظافة الشخصية.
وتضيف ميسون: ”الرياح، وتسرُّب مياه الصرف الصحي إلى البحار، وغبار المباني المهدمة، تمثل أبرز العوامل المؤثرة في انتشار التلوث إلى الدول المجاورة“.
يتفق معها زهير دردونة، الباحث بمختبر التقنيات الحيوية الميكروبية والعلوم الزراعية والبيئة بكلية العلوم السملالية في جامعة القاضي عياض بمراكش في المغرب.
”إذا انتشرت أمراض مثل شلل الأطفال أو الكوليرا في غزة بسبب نقص التطعيمات، فمن السهل أن تنتقل من جديد إلى دول الجوار“.
ويضيف دردونة: ”مؤخرًا رُصِدَ الفيروس المسبب لشلل الأطفال في خمس عينات من مياه الصرف الصحي في غزة، ورغم وقوع غزة تحت حصار شديد يفرض قيودًا على الحركة منها وإليها، أشارت تقارير إلى أن سلالة شلل الأطفال الموجودة في مياه الصرف الصحي بغزة تتطابق مع سلالة تم تحديدها في مصر العام الماضي“، ما يشير إلى إمكانية انتقال الفيروس بين المناطق رغم القيود.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها منظمات مثل منظمة الصحة العالمية واليونيسف لتطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال، فقد باءت مبادراتها بالفشل إلى حدٍّ كبير، خاصةً في شمال غزة، على حد قول دردونة، الأمر الذي يعني استمرار تفشي المرض، ويزيد احتمالية انتقاله إلى دول الجوار.
يقول دردونة: ”انهيار القطاع الصحي في أي منطقة يخلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض المعدية التي يمكنها تجاوز الحدود بسهولة، والتي قد تتفاقم لتتحول إلى أوبئة عالمية، خاصةً تلك الأمراض التي تنتقل من مكان إلى آخر عبر مصادر المياه الملوثة، بما في ذلك المياه الجوفية والمياه الساحلية“.
ويعتقد دردونة أن مصر تمثل الدولة الأكثر تأثرًا بالكارثة البيئية في غزة؛ بسبب حدودهما البرية والبحرية المشتركة، ”انتقال الأمراض من غزة إلى مصر مجرد مسألة وقت، يليها لبنان الذي قد يصل إليه الماء الملوث عبر البحر المتوسط“.
مشكلة أخرى أشار إليها دردونة تكمن في ”تدفق اللاجئين“ المحتمل إلى أيٍّ من دول الجوار، الأمر الذي يجعل انتقال الأوبئة القادرة على التفشي أسهل.
من منظور وبائي، تظل احتمالية انتشار الأمراض عبر نطاق واسع ’ضعيفة‘ بسبب الحصار الصارم الذي تفرضه قوات الاحتلال على القطاع، ومع ذلك توجد نقطة ضعف حرجة قد تسهل انتقال الأمراض المعروفة والجديدة تتمثل في حركة عمال الإغاثة الأجانب وجنود الاحتلال في القطاع، وفق دردونة.
وقد وثقت حالات إصابة بعدوى فطرية بين جنود الاحتلال، بعضها كان قاتلًا، ورغم قلة عددهم، فإن احتمالية انتشار الأمراض خارج حدود غزة بسببهم تظل أمرًا واردًا ويستدعي اهتمامًا كبيرًا.
لكن أيوب مع هذا يستبعد وقوع مثل تلك الاحتمالات، موضحًا أن التلوث ”حادث تراكمي“، أي أنه يحتاج إلى سنوات عدة من أجل التسبُّب في ضرر ما، بعكس الاعتداءات والحروب التي إن طالت فهي لا تتخطى كونها حوادث عَرَضِية.
ويقول أيوب لشبكة SciDev.Net: ”تعتمد غزة في الأساس على المياه الجوفية الساحلية، ما يجعل تأثير تلوث مياهها ’الهيدرولوجي‘ في الدول المحيطة ضعيفًا، خاصةً أن المناطق المرتبطة بالقطاع مباشرة -مثل شبه جزيرة سيناء وصحراء النقب- مناطق ذات كثافة سكانية قليلة“.
ثم إن ”رصد التلوث أو توقع انتقاله من مكان إلى آخر يستدعي إجراء دراسات مكثفة، وهو أمر غير متاح حاليًّا“، وفق أيوب.
”إذا كان الخوف مبنيًّا على فرضية التخلص من الماء الملوث في البحر، فهو تخوف غير منطقي، لأن هذا الأمر يتطلب وجود نظام صرف من الأساس، وهو -في اعتقادي- منهار تمامًا داخل القطاع“.
لكن أيوب يسلِّم بمخاطر النزوح المستمر، إذ ”تكمن المشكلة الوحيدة المرتبطة بتلوث المياه -من وجهة نظري- في التهجير القسري، فالاعتداءات المستمرة قد تدفع المواطنين إلى الهجرة إلى مناطق آمنة، ما يعني تكثيف الضغط على موارد المياه الشحيحة في الأساس، ما يزيد من مخاطر انعدام الأمن المائي في هذه المناطق، مثل الأردن“.
أما عن تلوث الهواء والانبعاثات، فقد قُدِّرَت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية من الوقود الأحفوري والصناعة في عام 2023 بنحو 37 مليار طن متري، ومن المتوقع ارتفاعها بنسبة 1.08% في عام 2024.
ورغم أن الأنشطة المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية على غزة تسببت في انبعاثات كربونية تعادل حرق 31 ألف كيلو طن من الفحم، يقول عيسى: ”ستؤثر هذه الانبعاثات سلبًا في البيئة الداخلية الفلسطينية، وقد يمتد التأثير نسبيًّا إلى الدول المحيطة، فبالتأكيد سيتلوث الماء والهواء من جرَّاء الاعتداءات المستمرة“.
ويأمل نيمارك أن تسهم نتائج دراسته في ”لفت انتباه العالم إلى وجود انبعاثات غازات دفيئة مرتبطة بالصراعات، وهو نوع من البيانات لا يأخذه كثيرون في الحسبان عند وضع خطط لخفض الانبعاثات، ما يعني ضرورة إسراع تطبيق برامج التكيف مع التغيرات المناخية“.
يُقَدِّر خبراء من مرصد الصراع والبيئة ومنظمة علماء من أجل المسؤولية العالمية أن الأنشطة العسكرية اليومية بأنواعها المختلفة قد تكون مسؤولة عن نحو 5.5% من إجمالي الانبعاثات العالمية، ووفقًا لتقديرهم، إذا مثلت الأنشطة العسكرية دولة ما، فهذا يعني أنها ستكون رابع أكبر مصدر للانبعاثات في العالم.
ويشير تحليل سابق للمرصد إلى حقيقة مهمة تتمثل في أن ”قادة متتبعي العمل المناخي يتجاهلون تأثير العمليات العسكرية في تغير المناخ“.
ظهرت بعض النتائج عن تأثير الحرب الأوكرانية الروسية على المناخ، إذ أشارت دراسة إلى أن انبعاث الكربون خلال الأشهر الاثني عشر الأولى من الحرب قاربت 120 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وزادت كمية الانبعاثات بعد مرور 24 شهرًا لتصل إلى 175 مليون طن، وهو ”ما يتجاوز إجمالي الانبعاثات السنوية لدولة نشطة صناعيًّا، مثل هولندا“.
رغم تضارب الآراء حول مدى تأثر الشرق الأوسط والعالم بالاعتداءات المستمرة على قطاع غزة، يبقى الأمر المؤكد هو انهيار الوضع البيئي في القطاع، وصعوبة تكيُّف سكانه مستقبلًا مع التغيرات المناخية، هذا التدهور البيئي سيعني معاناة طويلة الأمد قد تمتد لعقود.
تحديات إصلاح البيئة
الوضع البيئي قُبيل بدء اعتداءات الاحتلال الأخيرة على غزة ”كان يتطلب استثمارات كبيرة طويلة الأجل لإعادة تأهيل عناصر النظام البيئي في القطاع، من ساحلها إلى أوديتها وحتى طبقتها الجوفية“، وفق أمير خزام، الباحث المستقل في العمل الإنساني وتغير المناخ والنزاع.
أما الوضع الحالي فيصفه خزام لشبكة SciDev.Net بأنه ”أسوأ بكثير“، ”وتبدو إعادة البناء صعبة المنال“.
ويؤكد خزام أن الأولوية الآن تكمن في وقف العنف وحماية السكان، لكن ”في مرحلة ما، سيكون من الضروري معالجة التدهور البيئي الشديد وضعف قدرة غزة على التكيف مع مخاطر المناخ، وكلما طال الانتظار زادت التكاليف“.
إعادة إعمار غزة لا تقتصر على البناء المادي فقط، بل تشمل أيضًا إعادة بناء النظام البيئي الذي تضرر على نحو كبير نتيجة الاعتداءات المستمرة، تدمير محطات تحلية المياه، وتدهور الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى تلوث المياه الجوفية والهواء، كل هذه عوامل تجعل من إعادة الإعمار البيئي مهمةً شاقة، وفق قمصية.
ويتطلب ذلك استثمارات طويلة الأمد لإعادة تأهيل ما دمرته الحروب، بدءًا من تحسين جودة المياه ووصولًا إلى استعادة الأراضي الزراعية، غياب الموارد والتمويل اللازمين لهذه العملية -في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها القطاع- يزيد من تعقيد المهمة ويطيل من فترة التعافي البيئي.
تلك الزيادة في التكاليف ستصاحبها معاناة اقتصادية شديدة، ففي تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا في أكتوبر الماضي، سيرتفع معدل الفقر في فلسطين إلى .374% في عام 2024، مما يؤثر على 4.1 ملايين فلسطيني.
كذلك أشار التقرير إلى أن اعتداءات كيان الاحتلال على قطاع غزة قد ”أخّرت التنمية في القطاع بما يوازي 69 سنة كاملة“.
ويرى خزام أن ”الطريقة الأكثر ملاءمةً لقياس العواقب المناخية لهذه الحرب ليست فقط في انبعاثاتها المباشرة، ولكن أيضًا في الدمار الذي يلحق ببيئة غزة وقدرتها على التكيف مع مخاطر المناخ، وبالإضافة إلى ذلك، تُهدر هذه الحرب الكثير من الوقت والطاقة والموارد التي يمكن توجيهها لحل أزمة المناخ أو مواجهتها“.
وحول معاقبة الاحتلال على جرائمه البيئية التي ارتكبها، يشك عيسى في قدرة المجتمع الدولي والمنظمات البيئية على فرض عقوبات بشأن ممارسات الاحتلال وتدميرها للبيئة الفلسطينية، ”الاحتلال لا يمتثل لقوانين مجلس الأمن الذي يمثل المنظمة الأقوى عالميًّا، فكيف ستستطيع المؤسسات البيئية تحقيق هذا الأمر؟“.
ويقدم عيسى مقترحين بهذا الصدد: الأول يكمن في اجتماع الدول قبيل بدء فعاليات مؤتمر المناخ لكتابة مذكرة تقترح إدراج الأنشطة العسكرية ضمن العوامل المؤثرة في التغير المناخي، ثم التصويت على هذا القرار، وهو غالبًا ”قرار سترفضه بعض الدول“.
أما الثاني -الذي يراه أكثر واقعية- فيتمثل في تحجيم العلاقات الثنائية المتعلقة بالتصدير والاستيراد بين كيان الاحتلال والدول الأخرى بسبب اعتداءاته المتكررة، وهو قرار تتخذه كل دولة منفردة.
ويؤكد قمصية أن الاحتلال ينتهك عددًا من الاتفاقيات والمعاهدات -بما فيها ميثاق الأمم المتحدة- من خلال استمرار ممارساته الهادفة إلى الإبادة الجماعية والبيئية.
إن إعادة إعمار البيئة في غزة لا يمكن أن تتم على نحو فعال إلا بتعاون دول الجوار، فمن الضروري أن تتعاون هذه الدول في تقييم الأضرار البيئية المشتركة، وتحديد أولويات العمل، وخاصةً فيما يتعلق بالمياه الجوفية، والتربة، والنظم البيئية الساحلية.
”هذا التعاون يمكن أن يشمل تبادل الخبرات والتقنيات الحديثة في مجال معالجة التلوث وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية المتضررة“، وفق قمصية.
يقول أحمد: ”بفضل الله نحن قادرون على إعادة استزراع أراضينا، ولنا في الشهيد يوسف صقر أبو ربيع خير نموذج نحتذي به“.
وينهي حديثه: ”لقد عملت طوال حياتي في مجال الزراعة، وإلى أن نعود صرت مسؤولًا مع بعض الأخوة عن مدرسة صغيرة أسسناها بالجهود الذاتية لتعليم الأطفال النازحين الذين لم يتلقوا تعليمًا منذ أكثر من عام، رغم الحرب، ما زلنا مفعمين بالأمل“.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا