كتب: لويزا ماساراني, علاء الدين دييجا, روث دوجلاس, أليدا رويدا and حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[مكسيكو سيتي/القاهرة/مانيلا] سنون من الترويع والتهديد عركت المكسيكية فاليريا سوزا سالديفار، حتى لقد وجدت نفسها في مواجهة مدافعين عن الأرض يشهرون المناجل، وكل هذا في سبيل العلم والسعي في طلبه.
وهي واحدة من عدد متزايد من علماء في جميع أنحاء العالم يتعرضون للخطر من قِبل حكومات أو شركات أو عصابات المخدرات أو قوات عسكرية، بسبب مباشر من الأبحاث التي يجرون.
هذه الأخطار تتصاعد على مستوى العالم، كما يكشف تحقيق لشبكة SciDev.Net، جمعت له الأدلة من شهادات علماء في مناطق عدة، لا سيما بالبلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة.
سوزا متخصصة في علم البيئة التطوري للبكتيريا وباحثة في معهد علوم البيئة بالجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك.
وقد باشرت عملها البحثي لأكثر من 25 عامًا من 300 بركة وتزيد، تلك التي تمثل حوض كواترو سيينيجاس، في صحراء كواهويلا، بشمال المكسيك، والمعروف بتنوعه الاستثنائي في الكائنات الحية الدقيقة، وفيه صخور الستروماتوليت، وهي تراكيب معدنية تُعد من أقدم أدلة الحياة على الأرض.
في عام 2002، تلقت سوزا خبرًا من شأنه أن يبدل حياتها؛ ففي وادي هونديدو، على مبعدة 275 كيلومترًا من كواترو سيينيجاس، سيجري حفر مئتي بئر وبناؤها لاستخراج المياه من الأرض، كل واحد منها يروي سبعين هكتارًا من البرسيم الحجازي الذي يمكن للمنتجين المحليين بيعه لشركات مثل شركة الألبان لالا لإطعام ماشيتهم.

تعرضت عالمة البيئة المكسيكية فاليريا سوزا سالديفار لسنوات من التهديدات والترهيب. حقوق الصورة: لويس إي. إجيارتي
تقول سوزا: ”في تلك اللحظة صرت من أنصار حماية البيئة، ذهبت لاستخراج الحمض النووي من مياه الآبار في إل هونديدو لمقارنتها بالحمض النووي في عدة مواقع داخل كواترو سيينيجاس… وتمكنت من إثبات أنهما كانا متصلين“.
كان الارتباط يعني أنهما من النظام البيئي نفسه، وأن حفر آبار كثر وبناءها سيكون له أثر ضار عليه وعلى صخور الستروماتوليت، وعلى غنى التنوع الحيوي بالموقع.
لذلك قررت سوزا استثمار كل طاقتها في إيقاف ذلك، وسرعان ما تمكنت من إقناع شركة لالا بالتوقف عن شراء البرسيم من المنطقة، لكن معركتها لحماية المياه في كواترو سيينيجاس استمرت.
تقول: ”لقد صرت عدو الشعب رقم واحد لدى كثير من الناس“، من شركات الماشية المحلية إلى ما يسمى ”المنتفعين“ -جماعة الذين لديهم حق في الأرض- وحتى الفنادق.
كان لدفاعها عن البيئة ثمن، لأكثر من عقد من الزمان، تلقت الباحثة تهديدات من وسائل الإعلام والمنتفعين، فضلًا عن محاولات الابتزاز من قِبل ممثلي الشركات المحلية والحكومة الذين أرادوا استخراج المياه.
تقول: ”كنت أدوس على بيزنس بكثير من ملايين الدولارات“.
من بين كل التهديدات التي تلقتها، كان هناك تهديد واحد أفزعها، ”أثرياء في كواترو سيينيجاس، أولئك الذين جمعوا ثرواتهم من برسيم الأبقار، دفعوا للصحف المحلية كي يأمروا الناس إذا رأوا شاحنتي أن يرموني بالحجارة“، كما أوضحت، مضيفةً أن هذا أدى إلى مظاهرة من قِبل المنتفعين الحاملين للحجارة، وهددوا بالاعتداء عليها.
في عام 2020، قررت سوزا إغلاق إحدى القنوات لمنع المزيد من استخراج المياه من كواترو سيينيجاس، حينها وصلت مجموعة من المنتفعين وهم يحملون المناجل في أيديهم وضربوا زملاءها، نجت سوزا لأنها اختبأت في شاحنتها.
”في ذلك الوقت كانت حياتي في خطر، لم يستخدموا المناجل ضد أصدقائي، لكنهم ضربوهم واستخدموا المناجل لتدمير العمل الذي قمنا به“.
ومع ذلك، تقول سوزا إن نشاطها البيئي -إلى جانب عملها العلمي- قد آتى ثماره، رغم استمرار زراعة البرسيم، اكتسبت كواترو سيينيجاس شهرة كبيرة، واستثمرت مؤسسات مثل ’لالا‘ و’كارلوس سليم‘، أغنى رجل في المكسيك، في حماية الموقع.
’بيئة مخيفة‘
تقول فيفي ستافرو، السكرتيرة التنفيذية للجنة الحريات والمسؤولية في العلوم، في المجلس الدولي للعلوم: ”[ثمة] تهديدات توجه للجرأة العلمية، لكن أيضًا التهديدات التي تواجه الممارسة المسؤولة في العلوم تتصاعد على مستوى العالم“.
وتتخذ هذه التهديدات أشكالًا مختلفة، وفق ستافرو، تتراوح من الرقابة إلى أن يصير الوسط ”أكثر رعبًا“، حتى يجمد العلماء من الخوف أن يعبروا عن أنفسهم وينشروا أبحاثهم.
وتضيف: ”قد تمتد إلى التهديدات الفعلية لحرية العلماء أنفسهم… عدم القدرة على الحصول على تأشيرة، وعدم القدرة على السفر… إلى إحالة العلماء إلى المحكمة بسبب أبحاثهم، إلى سجن الناس، ولدينا حالات وأمثلة أزهقت فيها أرواح“.
وتقول ستافرو إن التهديدات التي يتعرض لها العلماء الذين يُجرون أبحاثًا بيئية صارت شائعةً على نحو يتزايد، ”لا سيما حين يتعلق الأمر بتحول بيئي“.
وتضيف: ”أن تكون عالِمًا، فإن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي على وجه الخصوص مكان خطير للغاية“.
رودريجو ميديلين باحث في معهد البيئة في الجامعة الوطنية المستقلة بالمكسيك، يدرس الخفافيش، ويشتمل عمله الميداني على زيارة الكهوف، عادةً في الليل، لنصب الشباك ومراقبة نشاطها.
يقول ميديلين لشبكة SciDev.Net: إنه لأكثر من عقد من الزمان، منذ بدأ الرئيس المكسيكي السابق فيليبي كالديرون حربًا ضد الاتجار بالمخدرات في عام 2006، فإن عمله العلمي ”تأثر كثيرًا بالجريمة المنظمة“.
العديد من الكهوف التي يزورها موجود بالقرب من المواقع التي يُزرع فيها الخشخاش أو الماريجوانا، أو على طول السكك المسلوكة لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.
وعسس المتنزهات في محمية إل بيناكاتي في سونورا، في شمال البلاد، غالبًا ما يحذرون الباحث ليتجنب كهوفًا بعينها، وفي وقت سابق من هذا العام أوقف زيارةً خطط لها بعد تحذير من هذا القبيل.
”أمرني العسس: لا تأت، إنه شيء مروع، لقد قتلوا السياح… لقد هددوا الناس، وأثخنوا في المنتفعين بالأرض من السكان المحليين“.

يدرس عالم البيئة المكسيكي رودريجو ميديلين الخفافيش في منطقة تنتشر فيها الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات. حقوق الصورة: رودريجو ميديلين
ميديلين يأخذ هذه التحذيرات على محمل الجد لأنه يعلم أن كونه عالمًا لا يجعله محصنًا ضد العدوان.
في يوليو 2023، رحل جابرييل تروخيو، أخصائي النبات الشاب الذي يدرس للحصول على الدكتوراة في جامعة بيركلي بالولايات المتحدة، إذ قُتل على يد طغمة إجرامية في أثناء جمع النباتات الطبية في جبال سونورا، وهي منطقة متنازَع عليها بين عصابات المخدرات المختلفة.
وفي عام 2020، عندما كان ميديلين وطلابه يُجرون أعمالًا ميدانية في كهوف جيوكستلاهواكا في جيريرو، بجنوب غرب البلاد، وجدوا أنفسهم أيضًا في مواجهة رجال مسلحين، يطالبون بمعرفة ما يفعلونه.
لقد نجوا سالمين، ولم يصَب أيٌّ منهم بأذى، لكن ميديلين يقول: ”لقد أثرت الجريمة المنظمة علينا بالتأكيد“.
”نحن لسنا أحرارًا في التحرك كما كنا قبل 15 أو 20 عامًا، اليوم عليك أن تكون حذرًا للغاية“.
النساء في خطر
الباحثة الكولومبية إيفون جارزون أوردونيا هي أمينة المجموعة الوطنية للحشرات في معهد الأحياء التابع للجامعة المستقلة بالمكسيك، حيث تكرس وقتها لتوثيق تنوع فراش الليل في البلاد.
مثل ميديلين، تزور أوردونيا المحميات الطبيعية ليلًا، إذ يبدأ نشاط العث في الساعة 6 مساءً ويستمر حتى الفجر، في أغلب الأحيان، ترافقها طالبات أخريات، وهي تدرك تمامًا الأخطار التي تواجهها، في بلد يُقتَل فيه ما بين تسع وعشر نسوة كل يوم، وفق منظمة العفو الدولية.
تقول: ”إن الخروج إلى البرية في ظلام الليل يجعلني أشعر وكأنني في مخاطرة، أتصور دومًا أنه في أي لحظة قد يحدث لنا شيء، أحاول الذهاب بعربات الجامعة لجعل الأمر رسميًّا قدر الإمكان، لكن توجس الخطر دائم“.

الباحثة إيفون جارزون أوردونيا، أمينة المجموعة الوطنية للحشرات في الجامعة المستقلة بالمكسيك، تزور محمية طبيعية ليلاً لدراسة العث. حقوق الصورة: جاسبار مورينو
ذات مرة، عندما كانت تقوم بعمل ميداني في أخوسكو، وهي حديقة وطنية في مدينة مكسيكو، استجوبها غرباء عما كانت تفعله هناك، في منتصف الليل، في وسط اللامكان، يجعلك هذا النوع من الترويع تقول: ”لن أعود إلى هذا المكان“.
متوجسة من هذه التجارب، صارت أوردونيا مخططةً عظيمة، “أخطط كثيرًا للمكان الذي سنذهب إليه، والمكان الذي سنقيم فيه، والمكان الذي سنأكل فيه، أتواصل دائمًا مع شخص محلي من المكان، لا شيء يُترَك للصدفة”.
تهديدات بالقتل
في عام 2022، وقعت جريمة قتل خبير برازيلي من السكان الأصليين يدعى برونو أراوجو بيريرا، هو والصحفي البريطاني دوم فيليبس في أثناء رحلة إلى وادي جافاري، وهو من أكبر الأراضي الأصيلة بالبرازيل، في الأمازون، واكتسبت اهتمامًا إعلاميًّا عالميًّا.
كانت القضية دالة ومؤشرًا على العنف وعدم اليقين الذي يواجهه السكان الأصليون ومجتمعات ضفاف النهر وغيرهم، بما في ذلك الباحثون.
بيدرو خابوزو أستاذ في جامعة ولاية أمازوناس في تاباتينجا، على الحدود الثلاثية للبرازيل مع كولومبيا وبيرو وفنزويلا.
تعرض خابوزو للتهديد بالقتل أربع مرات، وأُطلِق عليه النار في عام 2019، لكنه نجا لأنه كان يرتدي سترةً واقيةً من الرصاص.
إن أبحاثه حول الصراعات الاجتماعية البيئية في الأراضي المحمية تضعه حقيقةً لا مجازًا في مرمى النيران، وهو يشارك كذلك في التدريس والتوعية بالمجتمعات الأصلية، كما أنه عضو في لجنة فنية معنية بالمجتمعات التقليدية بمكتب المدعي العام الاتحادي، تحلل القضايا التي تنطوي على الاختصام أو التقاضي والعنف ضد الشعوب الأصلية وانتهاك حقوقها.
هذه الأراضي المحمية مكروبة بالمجموعات المتورطة في إنتاج الكوكايين كما يقول خابوزو، ووفق المنتدى البرازيلي للأمن العام، فإن تاباتينجا هي واحدة من نقاط الدخول الرئيسة للكوكايين في البرازيل، وقد زاد التهريب كثيرًا -من 38.5 طنًّا سنويًّا بين عامي 2013 و2017 إلى 86.6 طنًّا سنويًّا من عام 2018 إلى عام 2023.
يقول خابوزو إن مهربي المخدرات وتجارها ليسوا مهتمين بالكوكايين فحسب، بل يستغلون أيضًا الموارد الطبيعية داخل هذه الأراضي.
يوضح خابوزو: ”ثمة تحرٍّ لتوسيع أرباحهم بالمنطقة عبر أنشطة مثل التعدين غير القانوني، والاتجار بالأسماك والسلاحف، والاستغلال غير القانوني للعمالة الأصلية، والأخشاب“.
ويضيف: ”ربما يكون التحدي الأكبر أنه في هذه المنطقة الحدودية الثلاثية توجد أجهزة الأمن الاتحادية والبلدية وأمن الدولة العام بالكامل، ولكن على مبعدة 100 كيلومتر من هذه الأراضي، لا شيء يخضع لأي مراقبة على الإطلاق، وهذا مصحوب بهشاشة وضعف اجتماعي واقتصادي مرتفعين“.
الحرية الأكاديمية في انحدار
القصص من هذا القبيل كثيرة في أمريكا اللاتينية، لكن الحرية الأكاديمية مهددة عالميًّا، وفقًا لتحليل مؤشر الحرية الأكاديمية لهذا العام.
تُظهر الدراسة التي أُجريت على 179 دولة أن الحرية الأكاديمية في انحدار في 23 دولة، وتزداد في 10 دول فقط، ووجدت أن 3.6 مليارات شخص يعيشون الآن في بلدان، الحرية الأكاديمية فيها مكبلة تمامًا.
وينظر المؤشر في الأخطار التي تتراوح من دس جهات غير أكاديمية أنفها في برامج الجامعات إلى الأجندات الشخصية أو السياسية الأخرى، إلى معوقات تحد قدرة العلماء على تناقل أبحاثهم بسبب القيود المفروضة على الحريات المدنية.
يقول أنجيلو فيتو بانارو، وهو باحث ما بعد الدكتوراة يعمل على المؤشر في معهد العلوم السياسية بجامعة إرلانجن نورمبرج جامعة فريدريش ألكساندر: ”تشير أحدث النتائج إلى أن الحرية الأكاديمية لا تزال منخفضةً للغاية، في المقام الأول ببلدان في شرق وجنوب شرق آسيا، وكذا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا“.
ومع ذلك، فإن الانحدار في الحرية الأكاديمية ”ليس أوضح كثيرًا في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة مقارنةً بالبلدان ذات الدخل المرتفع“، كما يؤكد بانارو.
”ومن المثير للاهتمام أن دراساتنا تُظهر وجود تماهٍ بين الاستقطاب المتزايد وتراجُع الحرية الأكاديمية“، كما يوضح، مستشهدًا بأمثلة على ذلك بالدول التي وصل فيها الزعماء الشعبويون إلى السلطة في السنوات الأخيرة، مثل الولايات المتحدة وإيطاليا والمجر.
ومع ذلك، فإن البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط مبتلاة بأزمات متعددة، مما قد يؤدي إلى استفحال التوترات القائمة ويصعِّد من الأخطار التي يتعرض لها العلماء.
وتضيف ستافرو من مجلس العلوم الدولي: ”نحن نعيش في عصر الأزمات المتعددة، حيث تتلاقى الأزمة البيئية، والتفاوت الشديد داخل البلدان وبينها، والحروب وحالات الطوارئ الإنسانية، والجوائح وعوامل أخرى مختلفة… وهذا وإن هدد العلماء أفرادًا لكنه يهدد أيضًا وجود المؤسسات والأنظمة العلمية“.
العدوان على غزة
ربما لا يوجد مكان أكثر وضوحًا من غزة، هناك، وضع العدوان حياة كل مواطن في خطر، ومع ذلك، يبدو أن عددًا من العلماء استُهدِفوا بسبب عملهم على وجه التحديد.
سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية السابق بغزة، لم يكن له أي نشاط سياسي، وفق مَن عرفوه، لكنه استشهد في الحرب الدائرة منذ أكتوبر 2023، لا لسبب سوى أنه عالِم فيزياء.

القوات الإسرائيلية تعتقل الأكاديمي الفلسطيني مازن قمصية عام 2011. حقوق الصورة: مازن قمصية
قُتل تايه وزوجته وبنوه في قصف صاروخي استهدف منزلهم، ودُمرت جميع مباني الجامعة التي كان يديرها، بذريعة استخدامها معسكرًا لإنتاج الأسلحة وتدريب عملاء استخبارات حماس، هذا هو التبرير الذي ورد في بيان أصدره جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكن استنكره ورفضه كل مَن تعامل مع تايه.
تايه أستاذ في الفيزياء النظرية والرياضيات التطبيقية، وحاصل على جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب، وتم تعيينه أوائل عام 2023 لرئاسة كرسي اليونسكو في الفيزياء والفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء في فلسطين.
محاضر الفيزياء بالجامعة، والذي كان مقربًا من تايه، أنس القانوع، يقول لشبكة SciDev.Net: ”لم يكن معروفًا بأي حزب أو انتماء سياسي، كان رجلًا مستقلًّا نذر حياته وكرس جهده للعلم، ومن داخل قطاع غزة المحاصر تمكن من تحقيق نجاحات علمية جعلته من أبرز العلماء في مجاله“.
القانوع نفسه، كافح كذلك لأداء عمله؛ لكونه عالمًا في غزة، كان يُعِد أطروحته للدكتوراة في الفيزياء بين الجامعة الإسلامية بغزة وجامعة العلوم والتكنولوجيا الماليزية، لكنه لم يتمكن من أداء الجانب العملي منها، بسبب افتقاره إلى المواد التي يحتاج إليها، فقد منعت قوات الاحتلال دخول المواد الكيميائية إلى غزة، إذا كان يمكن استخدامها في تصنيع الأسلحة.
ويقول القانوع إن نترات الفضة التي احتاجها لأطروحته حول تصنيع أسلاك الفضة النانوية كانت ضمن قائمة المواد المحظورة.
ويختتم قائلًا: ”الحرب تدور حاليًّا بالعلم، قوات الاحتلال لا تريد أن يظهر أحدٌ يستطيع مواجهتها بالعلم“.

تم استهداف الجامعة الإسلامية بغزة أكثر من مرة. حقوق الصورة: المركز الإعلامي الفلسطيني
والوضع بائس أيضًا بالنسبة للعلماء في العراق، وهم منكوبون بالاضطراب مبتلون بالقلق والارتياع منذ حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينيات القرن العشرين، المضايقات اللاحقة للباحثين العلميين، والقيود المفروضة على استيراد المواد اللازمة لعملهم، دفعت العديد منهم إلى الهجرة.
بدأ ناصر الراوي حياته المهنية في مركز أبحاث التصنيع العسكري، متخصصًا في تصنيع الليزر، ويقول لشبكة SciDev.Net: ”مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية [1980]، واغتيالات العلماء العاملين في البرنامج النووي العراقي التي رافقتها، لم يكن المناخ مناسبًا للبحث العلمي، لذلك، ارتحلت إلى ليبيا، وعملت هناك لمدة خمس سنوات، ثم انتقلت إلى ماليزيا“.
وعلى هذا النحو، نجا الراوي من حرب العراق التي قادتها الولايات المتحدة في عام 2003، والإرهاب الذي تلاها، ثم عاد إلى العراق في وقت سابق من هذا العام، وهو الآن رئيس قسم هندسة الليزر والإلكترونيات البصرية بجامعة دجلة في بغداد.
ومع ذلك، لا يزال أحد أقرانه يعيش بذكريات تجاربه في مدينة الموصل، عندما كانت تحت سيطرة التنظيم المعروف باسم داعش.
الباحث، الذي طلب عدم ذكر اسمه خوفًا من الانتقام: ”الأمور هادئة الآن نوعًا ما، لكن في الماضي استهدفت هذه المنظمة الإرهابية المثقفين عامة، والباحثين العلميين بالخصوص، وسعت إلى طمس كل ما يتعلق بالعلم والتعلم، باحتلال المدارس والجامعات وتحويلها إلى ثكنات“.
ويضيف: ”قبل هذا الغزو كان البحث العلمي يعاني بالفعل، بسبب الهجرة الجماعية للباحثين والأكاديميين خلال حقبة العقوبات في التسعينيات، والتي تكررت على نطاق أوسع وقت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003“.
”نحاول الآن أن نتعافى وأن نتخلص من ذكريات الماضي القريب المؤلمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه“.
ولا عجب في استهداف الباحثين في الماضي والحاضر، وفق مازن قمصية، مدير ومؤسس متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي ومعهد فلسطين للتنوع الحيوي والاستدامة بجامعة بيت لحم في فلسطين.
يقول قمصية لشبكة SciDev.Net: ”العلم والتعليم من أهم مكونات التنمية، وهدف أي قوى متصارعة -حتى لو كان الصراع مدنيًّا- هو حرمان الطرف الآخر من هذه الميزة، ومن ثم فإن الباحثين العلميين سيكونون دائمًا ضحايا لأي صراع“.
ومع ذلك، يعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في حماية العلماء، وتمكينهم من التواصل معًا والتعلم عن بُعد في أوقات الصراع.
توترات في البحر
في منطقة آسيا والمحيط الهادي، تؤدي النزاعات الإقليمية -لا الصراع الصريح- إلى زيادة الأخطار التي يتعرض لها العلماء.
تُعد منطقة المياه المعروفة باسم بحر الفلبين الغربي -الجزء الفلبيني من بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه- منطقةً حيويةً وبالغة الأهمية للبحث العلمي، لكنها مشتبكة ومتورطة أيضًا في التوترات الجيوسياسية، ما يخلق مشكلات ومخاطر كبيرة لأمن وسلامة أفراد الباحثين العاملين في المنطقة.
تقع المنطقة، الموسومة رسميًّا كجزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، والمعترف بها بموجب حكم تحكيم عام 2016 باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، داخل بحر الصين الجنوبي، وهو بحر شبه مغلق في غرب المحيط الهادي.
وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يُقدر أن بحر الصين الجنوبي نفسه يحتوي على 190 تريليون قدم مكعب (5.4 تريليونات متر مكعب) من الغاز الطبيعي و11 مليار برميل من النفط لم يُستخرج بعد.
وعلى وجوه مختلفة، فإن كلًّا من فيتنام وتايوان وبروناي وماليزيا وإندونيسيا والفلبين والصين يطالب بالجزر في البحر، ومع ذلك، فإن ما يسمى ’خط القطاعات التسعة‘، أو الترسيم تستخدمه الصين، وهو خط وهمي يغطي الجزر والمياه المجاورة في المنطقة البحرية بأكملها، يطالب أساسًا بأجزاء من المناطق الاقتصادية الخالصة لدول جنوب شرق آسيا.
إذا تُرِكَت الصين دون منازع، فلن تسيطر فقط على الموارد الطبيعية، ولكن أيضًا على المنطقة البحرية بأكملها، بين عامي 2013 و2015، بَنَت الصين جزرًا اصطناعية بالقرب من المناطق التي تطالب بها الفلبين.
في 28 سبتمبر، فإن القوات البحرية والجوية لأستراليا واليابان ونيوزيلندا والفلبين والولايات المتحدة أجرت مناورات بحرية، يشار إليها باسم النشاط التعاوني البحري، في بحر الفلبين الغربي، لإبداء التعاون الدولي في أحد أكثر الطرق البحرية ازدحامًا في العالم.
قبل أيام قليلة، أعلنت القوات المسلحة الفلبينية أن عدد السفن الصينية في أحد الحيود المغمورة بالمياه في المنطقة، وهي منطقة إسكودا شول، ارتفع إلى ”رقم قياسي“ بلغ 82 سفينة، يضم 11 سفينة حربية، وقالت إن سفن الأبحاث الصينية شوهدت بالقرب من ساحل بالاوان، وهي مقاطعة أرخبيلية تقع في أقصى غرب الفلبين، وهي غنية بالنباتات والحيوانات المتنوعة.
وفق جوناثان أنتيكامارا، أستاذ علم الأحياء في جامعة الفلبين-ديليمان، فإن العمل في بحر الفلبين الغربي يمثل خطرًا على الحياة، ذهبت مجموعته إلى منطقة إسكودا شول في يونيو لإجراء مسح لتقييم حالة الشعاب المرجانية.
يقول لشبكة SciDev.Net: ”تعقبتنا سفينة خفر سواحل صينية، تبعتها بدورها سفينة صينية كبيرة“، مضيفًا أنهم في البداية لم يتمكنوا من النزول إلى الماء لأداء عملهم حيث كان [قارب] خفر السواحل الصيني يحاول الارتطام بقاربهم.
وفي وقت لاحق، قام قارب خفر سواحل فلبيني باعتراض قارب خفر السواحل الصيني، مما أتاح لأنتيكامارا التسلل إلى الماء، ومع ذلك، يقول العالم إنه وفريقه لم يتمكنوا من الذهاب إلى البُعد الذي يحتاجون إليه، خوفًا ألا تدركهم حماية خفر السواحل الفلبيني في المياه العميقة.
ويلح أنتيكامارا: ”هناك حاجة إلى المزيد من سفن خفر السواحل الفلبينية لحماية العلماء الفلبينيين الذين يؤدون عملهم في المنطقة“.
وفقًا للباحث، ركز مسحهم على المياه الضحلة للشعاب المرجانية، التي يبلغ عمقها حوالي عشرة أمتار، حيث يبلغ تنوع أنواع الأسماك أقصى تركيز، وبعد 12 مترًا، ينخفض التنوع البحري كثيرًا.
يوضح أنتيكامارا أنه وفريقه قرروا إجراء المسح على الرغم من المخاطر، إذ لا يوجد حاليًّا تقرير عن التنوع في شعاب إسكودا، ويعتقد أن التقييم الكامل في بحر الفلبين الغربي أمر عاجل حيث تموت العديد من الأنواع البحرية هناك.
في وقت سابق، في مارس من هذا العام، مجموعة أخرى من العلماء الفلبينيين في جزيرة ثيتو، المعروفة أيضًا باسم جزيرة باج-اسا، تعرضت لمضايقات من قبل مروحية صينية، وفقًا لمكتب مصايد الأسماك والموارد المائية، وهي وكالة تابعة لوزارة الزراعة الفلبينية.
وفقًا للمكتب، حامت المروحية الصينية بارتفاع 50 قدمًا (15 مترًا) عن السطح، لمدة عشر دقائق تقريبًا، وأصيب بعض العلماء بإصابات طفيفة بسبب الرياح القوية والحطام من المروحية المحلقة.
بالنسبة لبعض الخبراء، فإن الدبلوماسية هي الخيار الأفضل في مواجهة مثل هذه التهديدات.
في يونيو، في ندوة نظمتها كلية لوس بانيوس للعلوم البيئية والإدارة بجامعة الفلبين، أكد بن مالايانج الثالث، الأستاذ الفخري بجامعة سيليمان، الحاجة الملحَّة إلى التعاون في حماية التراث البيئي المشترك لبحر الفلبين الغربي.
وأوضح مالايانج : في حين أن النزاعات الإقليمية غالبًا ما تخلق ديناميات ”الصديق والعدو“، يمكن تخفيف هذه التوترات من خلال التعاون بين أصحاب المصلحة الإقليميين، مع التركيز على المسؤولية المشتركة للحفاظ على النظام البيئي البحري الحيوي في المنطقة.
حماية العلماء
سواء اختار العلماء البقاء في بلادهم، على الرغم من المخاطر التي يواجهونها، أو احتاجوا إلى المساعدة للمغادرة، فإن الدعم الدولي متاح.
مبرة كارا بالمملكة المتحدة، أو مجلس الأكاديميين المعرضين للخطر، تصف نفسها بأنها ”مبعوث إنقاذ“ للأكاديميين الذين يحتاجون إلى مساعدة عاجلة للهروب من التمييز أو الاضطهاد أو العنف أو الصراع، كما تعمل على دعم أولئك الذين يختارون البقاء في بلدانهم الأصلية على الرغم من المخاطر.
والعلم في المنفى هي مبادرة عالمية تهدف أيضًا إلى مساعدة العلماء اللاجئين، من خلال الدعوة والدعم والتشبيك وأنشطة البحث.
وهناك العديد من المنظمات التي يمكنها دعم العلماء المعرضين للخطر، كما يقول بيتر ماك جراث، منسق شراكة إنترأكاديمي، إحدى المنظمات الشريكة في العلوم في المنفى، ولكن ”جميعهم يعانون نقص الموارد“.
ويُلقي الضوء على الحاجة إلى الوعي ”على أعلى مستوى“ من أجل إنشاء هياكل دعم فعالة ”قبل حدوث الأزمة التالية“.
يقول ماك جراث: إن المخاطر التي يتعرض لها العلماء كانت موجودة دائمًا، ولكن في المناخ الحالي ”هناك دائمًا أزمة أخرى يتعين علينا التعامل معها“.
يقوم المجلس الدولي للعلوم بعمل دبلوماسي ويوفر معلومات للقضايا القانونية للأعضاء المعرضين للخطر، وتقول ستافرو إن جل هذا العمل ليس علنيًّا، بناءً على طلب العلماء أنفسهم.
بالنسبة لستافرو، فإن المجتمع العلمي الدولي لديه مسؤولية تكثيف الجهود لمساعدة أولئك الذين هم على خطر.
وتقول: ”إنه مجتمعنا، لدينا التزام بالنظر في دعم المجتمع العلمي وحمايته وتعزيز مرونته“.
هذا الموضوع أُنتج عبر النسخة الدولية لشبكة SciDev.Net