نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

آفاق جديدة للزراعة العضوية بالمنطقة العربية
  • آفاق جديدة للزراعة العضوية بالمنطقة العربية

حقوق الصورة: SciDev.Net / Khaled Ghanem

نقاط للقراءة السريعة

  • اتساع مطرد لمساحات الزراعة العضوية بالعالم، لكنها لا تزال متعثرة بالمنطقة

  • المشكلات المثبطة لها متطابقة بين الدول، أهمها افتقاد التشريعات وغياب اقتناع الحكومات

  • الحلول التقليدية ستحقق دعمًا مباشرًا، لكن التفكير خارج الصندوق سيضمن قفزات

Shares
يستعرض خالد غانم أهم المشكلات التي تعرقل تمددها، ويفكر خارج الصندوق باحثًا عن حلول لدعمها.

الزراعة العضوية هي نظام للزراعة يعمل على إنتاج الغذاء بطرق آمنة وسليمة بيئيًّا، وفي نفس الوقت يحقق الجدوى الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.

بدأت فكرة الزراعة العضوية في وسط أوروبا والهند مع بداية القرن العشرين، ثم انتشرت عالميًّا انتشارًا كبيرًا في مختلف قارات العالم، وفقًا لإحصائيات الاتحاد الدولي لحركات الزراعة العضوية ’IFOAM، الصادرة في فبراير 2015 بلغت المساحات المنزرعة عضويا في العالم 43 مليون هكتار في عام 2013، وجنت مبيعاتها قرابة 68 مليار يورو عن نفس العام، ومن المتوقع أن تزداد المبيعات لتصل إلى 90- 100 مليار يورو خلال الأعوام القليلة القادمة.

وكانت مصر الدولة العربية الأولى التي تدخلها الزراعة العضوية، في عام 1977 عندما أسس الدكتور ’إبراهيم أبو العيش‘ مزرعة ’سيكم‘ للزراعة الحيوية على بعد 60 كيلو شمال شرق مدينة القاهرة وفي عمق الصحراء الشرقية على مساحة 140 فدانًا.

ولم تعرفها الدول العربية الأخرى إلا مع نهاية التسعينيات كما حدث في تونس، وبعضها بعد عام 2005 مثل السعودية والإمارات، وما زال هناك العديد من الدول العربية لم تدخلها الزراعة العضوية إلا عبر جهود فردية وفي مساحات محدودة، كسلطنة عمان مثلا فيها 40 هكتارًا، والعراق فيها 39 هكتارًا، أما في قطر والكويت فأرقام لا تكاد تذكر.

 في البلدان العربية الأفريقية تتركز الزراعة العضوية في منطقتي وادي النيل بمصر والسودان، ومنطقة المغرب العربي في تونس والجزائر والمغرب؛ حيث تُعرف الزراعة العضوية هناك باسم ’الفلاحة البيولوجية‘.

أما البلدان العربية الآسيوية ففي بلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وفي منطقة الخليج العربي تأتي المملكة العربية السعودية في صدارة المشهد، تليها الإمارات، ثم بفارق كبير تأتي العراق وسلطنة عمان، بالإضافة إلى بعض الزراعات المحدودة للغاية في كل من الكويت، وقطر، والبحرين.

مشكلات واحدة

نفس المشكلات تعوق اتساع الزراعة العضوية بكل البلدان العربية، وتعطل تطورها، والملفت أن هذه المشكلات تكاد تكون متطابقة.

ولعل عدم الاهتمام بالتشريعات والقوانين الوطنية المنظمة للزراعة العضوية، مع قلة الدعم الحكومي، وعدم اقتناع بعض المسؤولين في وزارات الزراعة العربية من أبرز هذه المشكلات، فنجد مسؤولاً مثل وزير الزراعة المصري الأسبق صلاح عبد المؤمن، يعلق في إحدى الندوات العلمية: ”أن المطالب التي تنادي بتطبيق نظام الزراعة العضوية في مصر غير موضوعية، وتعد نوعًا من الرفاهية“.

من جهة أخرى فالإمكانات المادية المحدودة للمزارعين، وارتفاع كلفة الانتقال إلى الزراعة العضوية، وما تتطلبه من مصاريف تسجيل واعتماد للمزارع والشركات، تعد عاملاً رئيسيًّا في عدم انتشارها.

فضلا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل عام؛ لعدم إنتاج المستلزمات محليا واللجوء إلى الخارج لاستيرادها، وخاصة التقاوي والشتلات ومواد المكافحة الحيوية والطبيعية للآفات، وفي المقابل غياب الأسواق المحلية في كثير من البلدان العربية، وعدم وجود رؤية واضحة للتسويق الخارجي، باستثناء بعض الجهود الفردية لبعض المنتجين.

وفوق ذلك كله، أدى عدم الاستقرار السياسي والحروب التي شهدتها المنطقة العربية على امتداد السنوات العشر الماضية إلى الحد من تطور الزراعة العضوية بدرجة كبيرة، فلم تشهد الدول العربية التي انطلقت منها ثورات الربيع العربي مطلع عام 2011 تقدمًا ملموسًا في الزراعة العضوية منذ اندلاع تلك الثورات.

يتطلب التغلب على جل هذه المشكلات المضي قدمًا في مسارين: أحدهما تقليدي يحاول تقديم الدعم اللازم للمشاكل القائمة، والآخر يتضمن أفكارًا جديدة يمكن أن تكون إضافة للمسار التقليدي وليست بديلا له.

حلول تقليدية

يتضمن المسار التقليدي في تطوير الزراعة العضوية بالمنطقة العربية، زيادة المساحات العضوية، سواء باستصلاح مساحات أراضٍ جديدة ثم زراعتها عضويًّا وتسجيلها كأراض عضوية، وهذا الحل قد يلائم بعض الدول التي تملك أرضًا تصلح للاستصلاح مثل مصر، التي أعلنت حكومتها عن استصلاح مليون فدان ضمن خطة طموحة لاستصلاح 4 ملايين فدان خلال السنوات المقبلة.

من جهة أخرى تملك بعض البلدان الأخرى -مثل السودان والمغرب- مساحات شاسعة من الأراضي المنزرعة بريا وطبيعيا دون استخدام أي مواد كيميائية، والتي تُعرف بالزراعات البلدية أو الطبيعية، ومن الممكن تسجيل مساحات من هذه الأراضي كأراض عضوية والاستفادة من بيع منتجاتها كمنتجات عضوية في الأسواق العالمية والمحلية.

يتضمن المسار التقليدي أيضًا وضع تشريعات منظمة للزراعة العضوية، أو إصلاح الموجود منها بالفعل في بعض الدول، فضلاً عن جعل التشريعات أكثر مرونة وأقل تشددًا لإمكانية إيجاد فرص للتسويق داخل الأسواق الإقليمية والدولية، بل وتجدر الإشارة إلى أهمية إصدار قانون عربي موحد للزراعة العضوية، يدعم التبادل التجاري الإقليمي لمنتجات تلك الزراعة.

كما تتضمن الحلول التقليدية الاستفادة من الإمكانات البحثية الكبيرة لبعض المراكز العلمية والجامعات، وتطويعها في خدمة الزراعة العضوية، مما يسهم -على سبيل المثال- في إنتاج كل مستلزماتها من تقاوٍ وشتلات وأسمدة ومبيدات طبيعية، محليًّا وإقليميًّا.

أيضًا دعم المزارعين العضويين في الفترة الانتقالية من الزراعة التقليدية إلى العضوية، يعد أمرًا ضروريًّا، جنبًا إلى جنب مع الاهتمام بتسويق المنتجات العضوية عبر فتح أسواق جديدة، وابتكار وسائل جديدة في الدعاية والإعلان عن المنتجات العضوية.

أفكار خارج الصندوق

أما التفكير بعيدًا عن الحلول النمطية والتقليدية فقد يكون المسار الأهم في تطوير الزراعة العضوية العربية، نظرًا لسهولة تنفيذ الكثير من تلك الأفكار، مع فوائد متعددة يمكن جنيها عند تطبيقها.

من هذه الأفكار التوسع في تربية الحيوانات العضوية، بأن يتم التركيز على حيوانات معينة سريعة العائد مثل الماعز والأغنام، وتشجيع تربيتها في أماكنها الطبيعية، والعمل على حل المشكلات التي تؤدي إلى عزوف السكان المحليين عن تربيتها، مثل مشكلات الجفاف وزيادة حدة التغيرات المناخية ونقص الأعلاف وهو العامل المحدد للتربية، وذلك عبر الاتجاه إلى الأعلاف غير التقليدية كاستنبات الحبوب وإنتاج علف أخضر في غرف مكيفة بالطاقة الشمسية.

التصنيع الزراعي العضوي أيضًا سبيل مهم للغاية، ومن خلاله يمكن تحويل المنتجات العضوية الأولية إلى منتجات عضوية مصنعة تعطي قيمة إضافية للزراعة العضوية من خلال بيع هذه المنتجات بأثمان مرتفعة، فضلاً عن توفير عدد كبير من فرص العمل في الإنتاج والنقل والتسويق.

وقد يتعدى الأمر تصنيع المنتجات العضوية إلى عدد آخر من الصناعات، مثل الصناعات المعتمدة على تدوير النفايات الزراعية: كصناعات الكمبوست، والأعلاف، وإنتاج البلاستيك العضوي، بالإضافة إلى صناعات المبيدات الطبيعية، والفحم الحيوي المستخدم في أغراض تحسين التربة الزراعية.

أيضًا الاتجاه إلى النباتات المهملة، والتي تجود زراعتها في الظروف القاحلة، والتي تمثل ظروف الكثير من الدول العربية، ويمكن أن يكون للكثير من تلك النباتات أدوار مهمة في مساحات الزراعة العضوية.

نبات التين الشوكي على سبيل المثال قد اعتمدت الفاو بعض أنواعه كمحاصيل علفية، وخاصة مع الأزمات، وهو يصلح للدخول ضمن برامج تغذية الحيوانات العضوية، كما يمكن أن يكون محصولاً غذائيًّا، وخاصة الأنواع ذات الألواح الملساء منه، فضلاً عن إنتاج زيوت منه تستخدم في بعض الأغراض الطبية، ويصل ثمن اللتر من بعضها إلى 1000 دولار.

ومن الآفاق غير التقليدية لتطوير الزراعة العضوية ما يُعرف بزراعة المدن، والتي تعرفها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بأنها أحد نظم الزراعة التي يتم فيها إنتاج المحاصيل، وتربية الحيوان من مساحات صغيرة، سواء قطع الأراضي الفارغة بالمدن، أو حدائق المنازل الخلفية، أو حتى أسطح العقارات، والشرفات، وهي تساعد سكان المدن وخاصة الفقراء في توفير بعض الغذاء الصحي لهم، إضافة لتحقيق بعض الأرباح القليلة من بيع منتجاتهم، كما تعزز هذه النظم من قدرة المدن على مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويعد دمج الزراعة العضوية في أنشطة السياحة البيئية أحد الاتجاهات الجديدة بالعالم اليوم، وهناك العديد من النماذج الناجحة في أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي، فضلا عن بعض التجارب الإقليمية.

تجربة قرية ’شيرالي‘ التركية مثلا، تحولت في الثمانينيات من القرن الماضي إلى السياحة التقليدية، فأثرت المرافق السياحية تأثيرًا خطيرًا على البيئة فيها، وارتفعت معدلات التلوث وشكلت تهديدًا كبيرًا للبيئة البحرية، مما دفع الصندوق العالمي لحماية الطبيعة، بالتعاون مع سكان القرية في تقديم نموذج فريد يجمع بين السياحة البيئية والأنشطة الزراعية العضوية المستدامة، وقد نالت القرية شهرة مدوية في السياحة البيئية، كما صارت منتجاتها العضوية تباع في عدد كبير من الأسواق العضوية المهمة بأوروبا.

مثال آخر بالمغرب أسسه الباحث الزراعي جليل بلكامل، حيث أنشأ مزرعة بيولوجية سياحية في منطقة ’تنين أوريكا‘ التي تبعد عن مراكش 35 كيلومترًا، وهي منطقة معروفة بالنباتات العطرية والطبية التي تنمو طبيعيا، كما تتمتع بطبيعة خلابة.

وقد زرع بلكامل النباتات الطبية والعطرية التي تجود بالمنطقة، وأقام في المزرعة وحدة صغيرة لتصنيع مستحضرات التجميل من خلاصات الأعشاب الطبيعية، كما ألحق بالمزرعة متجرًا صغيرًا يتم فيه بيع العديد من المنتجات المحلية مثل زيت الزيتون وزيت الأركان ومستحضرات التجميل العضوية للسياح من زوار المزرعة، فضلا عن قيام المزرعة بتصدير جزء من منتجاتها إلى فرنسا.
 
 
* خالد غانم: أستاذ الزراعة العضوية في جامعة الأزهر، بمصر، وهو مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ’وطن أخضر‘ التي تعمل في تنمية الزراعة والغذاء والبيئة.

** المقال مستخلص من دراسة للكاتب قيد النشر بعنوان ’حالة الزراعة العضوية بالبلدان العربية‘.
 
 هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
 



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.