نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

النفط والغاز في الإعلام العربي
  • النفط والغاز في الإعلام العربي

حقوق الصورة: Panos/ Martin Roemers

نقاط للقراءة السريعة

  • إعلامنا يتجاهل ثورة الغاز الصخري المكتشَف بوفرة في أمريكا وأماكن أخرى بالعالم

  • بعض الإعلاميين لدينا يجهلون مفاهيم أساسية تتعلق بقطاع النفط والغاز

  • لا بد من البدء في إعداد إعلام وإعلاميين متخصصين لذلك القطاع والمضي قدمًا مهما تواضعت البدايات

Shares
اقتضت دراسة علمية موسعة أعكف على إعدادها حاليًّا، متابعة ما يُنشر ويُبث ويُذاع عن صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات في المنطقة العربية ودول الخليج تحديدًا، سواء في وسائل الإعلام العربية التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي، وبخاصة موقعي تويتر وفيس بوك، وقد خرجت بملحوظات أولية يمكن تلخيصها في الغياب التام لإعلام علمي متخصص وتنموي، يتناول قضايا النفط والغاز، بحثًا وتنقيبًا وكشفًا وتكريرًا وتصنيعًا وتصديرًا ونقلاً.

دفعني للتطرق إلى موضوع الإعلام حول شؤون البترول والغاز وصناعة البتروكيماويات، كون البترول سلعة استراتيجية ومصدرًا رئيسًا للطاقة، ومحركًا أساسيًّا لاقتصاديات المنطقة العربية، خاصة بدول مجلس التعاون الخليجي.

لذا يصبح نشر الثقافة البترولية لجميع فئات المجتمع أمرًا حتميًّا، وجزءًا من نشر الثقافة العلمية، ويصير التناول الإعلامي المحترف لشؤون النفط والغاز بمهنية علمية وتنموية، أمرًا جوهريًّا في ظل التسييس المتعمَّد لبعض أخبار قطاع النفط والغاز.

فذلك القطاع تتشابك فيه مصالح الدول مع الهيئات والمنظمات العربية والإقليمية والدولية المنتجين والمصدرين (أوبك) و(أوابك) والمستهلكين، ناهيك بوكالات الطاقة الدولية وهيئات الطاقة الجديدة والمتجددة.

عدد من الكليات والجامعات والمراكز والمدن المتخصصة كلها يتعاطى مع قطاع النفط والغاز بحثًا ودراسة، ولا نجد صدى لما يجرى في هذه الكيانات من بحوث ودراسات في وسائل الإعلام.

بدايةً أود لو توقفت عند بعض الحقائق والملحوظات الجوهرية بشأن النفط والغاز، والتناول الإعلامي لكل ما يتعلق بهذه الثروات الطبيعية المهمة. يعود اكتشاف البترول لأول مرة في المنطقة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ولو أخذنا المملكة العربية السعودية نموذجًا، يمكن القول إنها واحدة من خمس دول مؤسِّسة لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) عام 1960، كما أسست مع الكويت وليبيا منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) عام 1968م.

ومنذ ستينيات القرن نفسه وحتى وقتنا هذا وهي آخذة في تأسيس عدد من الكليات والجامعات والمراكز والمدن المتخصصة، التي لبعضها مثيل في معظم دول الخليج، وكلها يتعاطى مع قطاع النفط والغاز بحثًا ودراسة، ولا نجد صدى لما يجرى في هذه الكيانات من بحوث ودراسات في وسائل الإعلام.

ثورة الغاز الصخري

مثال آخر ما نلحظه في وسائل الإعلام العربية من تجاهل للثورة الراهنة للغاز الصخري المكتشف بوفرة في أمريكا وأماكن أخرى بالعالم، والذي يمثل تحديًا حقيقيًّا لرواد صناعة البتروكيماويات في الخليج والمنطقة العربية والشرق الأوسط.

فهو يخلق حالة من المنافسة غير العادلة، بما يعِد به من سلة منتجات بتروكيماوية تنافسية تؤثر على خطط التنمية الشاملة في المستقبل. دليلنا على هذا التجاهل، أن المنشور عن ثورة الغاز الصخري مجرد أخبار بعضها مسيَّس تتم معالجته بحساسية سياسية فائقة، دونما غوص أو تحليل لطرق استخراجه، ولا كلفته العالية أو مزاياه التنافسية مقارنة بالغاز الطبيعي الخام منه والمسال، ودون أفق مستقبلي لسبل الاستثمار فيه وما يخلقه من فرص في التوظيف وما يمثله من عوائد على التنمية الشاملة في النهاية.

كما يتجاهل كثيرون فكرة القيمة المضافة والمنتجات المبتكرة في تشكيلة منتجات نفطية وبتروكيماوية، وأثر ذلك على الوفاء بالإمدادات المطلوبة مهما كانت الضغوط، كالتراجع الذي حدث مؤخرًا في أسعار البترول، دون فهم حقيقي لأثر ذلك على أسعار المحروقات ومشتقات البترول والخطط الحكومية في رفع الدعم عن المحروقات وبعض الإجراءات التقشفية التي بدأت بوادرها في بعض دول الخليج، وانعكاسات ذلك على المواطنين.

براءات الاختراع

ولا يصح حديث عن النفط والغاز والقطاع الصناعي البتروكيماوي دون التطرق إلى براءات الاختراع، وتراخيص التقنية والمنتجات الجديدة والمبتكرة وثيقة الصلة بجهود العلماء والباحثين في مراكز التقنية بالشركات والجامعات والمراكز البحثية المرموقة، وما يطوره العلماء من منتجات جديدة، تجعل مواصلة استثمار الشركات في التقنية والابتكار مطلبًا جوهريًّا، لا محض رفاهية أو أموالاً زائدة تنفقها الشركات العملاقة خارج البلد أو داخله، كما يردد بعض المشككين بغير وعي أو فهم.

المنشور عن ثورة الغاز الصخري مجرد أخبار بعضها مسيَّس تتم معالجته بحساسية سياسية فائقة

ولا تغطية إعلامية عادلة وواعية إن جرى تجاهُل أغلى أصول الشركات العاملة في قطاع النفط والغاز، أعني الموارد البشرية وإعدادها وتأهيلها وتزويدها بالمعارف والعلوم؛ لتقود دفة الصناعة في المنطقة العربية في الحاضر والمستقبل.

إن عدم استيعاب مفاهيم التنافسية، والقيمة المضافة، وحقيبة المنتجات الجديدة المبتكرة، واستدامة الموارد من حيث الوفاء باحتياجات الأجيال الحاضرة دون مساس باحتياجات المستقبل، ما يصب في النهاية في خطط التنمية الشاملة للدول والشعوب وليس فقط الشركات، أمر يعيب معظم المعالجات الإعلامية.

غياب مفاهيم أساسية

كما يجهل بعض الإعلاميين مفاهيم أساسية، مثل صون البيئة والمحافظة عليها من تأثيرات العمليات الصناعية ذات البصمة البيئية، وما يتبع ذلك من ضرورة توعية العاملين بقطاع النفط والغاز لالتزام معايير الأمن والصحة والسلامة، حيال الانبعاثات والأبخرة الضارة، خاصة العاملين في المفاعلات والمكثفات ووحدات تخزين الغاز وتبريده وضغطه.

ويتبع ذلك أيضًا ضرورة رفع وعي المواطن العادي ببرامج حماية البيئة، التي تنفق فيها الشركات ومراكز البحوث مليارات الدولارات؛ لحماية الهواء من الانبعاثات، وكذا البيئة البحرية من أي تسريب محتمل.

إن عدم الوعي بهذه المتغيرات وغيرها، ينعكس سلبًا على التغطيات غير المتخصصة لمجال النفط والغاز، حتى إن بعض الإعلاميين المحليين يُحمِّل الشركات مسؤولية تبعات الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وفيضانات تقع في مواقع أعمالها، دون تمحيص ولا إدراك لطبيعة هذه المواقع وجغرافيتها، ودونما وعي بحجم الأعمال والعمليات في هذه المناطق المنكوبة، ولا مدى جودة إجراءات السلامة هناك، ولا تأثير ما يقع من كوارث على مدى وفاء الشركات بالتزامها توريدَ الحصص والاحتياجات للمستهلكين.

تلك مفردات مهمة تغيب عن بعض وسائل إعلامنا العربية لدى تغطيتها شؤونَ النفط والغاز من منظور تنموي شامل ينهض بأعمال الشركات، ويرفع الوعي الثقافي والمجتمعي، ويدر عوائد ضخمة تتمثل في وفورات مالية للدول نتيجة تجنب عدد من المشكلات البيئية والصحية التي كان بالإمكان أن تصيب المجتمعات المحلية التي تعمل بها هذه الشركات في حال غاب دور الإعلام التنموي في رفع درجة الوعي.

نحو إعلام متخصص

وإحقاقًا للحق، ينبغي هنا الإشارة إلى أن تلك التحديات والمشكلات التي تواجه الإعلام عن النفط والغاز، كانت محل بحث ودراسة متعمقة وجهود حقيقية بُذلت في سبيل تأسيس استراتيجية للإعلام البترولي منذ خمس سنوات، أقرتها لجنة التعاون البترولي بدول مجلس التعاون الخليجي، بالتنسيق مع لجنة الاستراتيجية البترولية بالمجلس، ومستمدة من الاستراتيجية.

 

التعاون بين أجهزة الإعلام البترولي في دول المجلس ووسائل الإعلام المحلية والعالمية؛ للدفاع عن المصالح والمواقف البترولية“ 
استراتيجية الإعلام البترولي 
نصّت استراتيجية الإعلام البترولي على ”التعاون بين أجهزة الإعلام البترولي في دول المجلس ووسائل الإعلام المحلية والعالمية؛ للدفاع عن المصالح والمواقف البترولية“، واشتملت في هدفها الثاني على ”تنظيم ملتقى إعلامي بترولي بصفة دورية في دول المجلس، يشارك فيه ممثلو مختلف وسائل الإعلام؛ لتبادل الأفكار والمعلومات، وتذليل المعوقات، وتعزيز التعاون بين الجهات الإعلامية“.

وبالفعل انعقد ملتقى الإعلام البترولي الأول على أرض دولة الكويت في مارس 2013، ومن المقرر أن تستضيف المملكة العربية السعودية الملتقى الثاني بالرياض مارس 2015.

وتلك بداية مبشرة وواعدة، لا بد أن تتبعها خطوات مهمة، منها: تبني وزارات وشركات البترول برامجَ تأهيل لمجموعات من الإعلاميين بالمجال البترولي، وعقد حلقات نقاشية متخصصة بقضايا البترول والطاقة لرجال الإعلام والصحفيين المتخصصين، وبمشاركة هيئات ومؤسسات أكاديمية، بالإضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية تقوم بها وسائل الإعلام ووكالات الأنباء المعتمدة للمنشآت والمرافق البترولية، وترتيب لقاءات لهم مع المسؤولين في الصناعة البترولية.

تأسيس دبلومة متخصصة في كليات وأقسام الإعلام العربية، في موضوعات الإعلام والطاقة، بحيث تثري معارف الإعلامي الدارس لهذه الدبلومة، فيتعرف على الطاقة ومجالاتها وآفاقها وبدائلها في الحاضر والمستقبل، كما يتعرف على العلاقة بين الطاقة والبيئة، ويدرس تأثير كلٍّ منهما على الموارد، كما يدرس بعمق المفاهيم والمصطلحات الخاصة بقطاع النفط والغاز، وكيفية تداولها إعلاميًّا بالشكل الصحيح، بعيدًا عن التسييس والتسطيح والتبسيط المخل.

دراسة التجارب الإعلامية المهمة التي تعكس أفضل الممارسات في قطاع النفط والغاز بالدول الكبرى، مثل أمريكا والصين وروسيا وفنزويلا والمكسيك وإيران، ومحاولة الاستفادة منها في إعلامنا العربي.

تشجيع إنشاء أقسام متخصصة للنفط والغاز في الصحف العربية والخليجية على وجه التحديد، مع تخصيص برامج في الإذاعة والتليفزيون لهذا الغرض.

تدشين جوائز إعلامية رفيعة بدعم وتمويل من شركات النفط والغاز، لأفضل التغطيات الصحفية والتلفزيونية وتغطيات المواقع الإلكترونية لشؤون النفط والغاز، الأمر الذي يشجع العاملين في هذا المجال، ويخلق روح المنافسة الشريفة، خاصة إذا وُضعت لهذه الجوائز معايير احترافية، وأشرفت عليها لجان تحكيم رفيعة المستوى من كبار المحكمين المتخصصين.

الآمال عريضة، والأفكار لا حدود لها، والجهود لا تنتهي، ومهما جاءت البدايات متواضعة بعض الشيء، فإنها تظل مهمة وحاسمة للمضي قدمًا نحو الأفضل في المستقبل.

 
* سمير محمود: أستاذ الإعلام بجامعة السلطان قابوس، والكاتب الصحفي بمؤسسة الأهرام المصرية، خبير تدريب دولي معتمد في الصحافة المتخصصة، ويمكن التواصل معه عبر البريد الإلكتروني [email protected]
 

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.