نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

عمل العمارة الإنسانية من الهيمنة إلى المشاركة

حقوق الصورة: Espen Rasmussen / Panos

نقاط للقراءة السريعة

  • الإسراع في تأمين العديد من المساكن عقب وقوع كارثة ما أمر مهم للغاية

  • ويتوجب على المعماريين العمل يدًا بيد مع السكان المحليين لإنجاز التصماميم

  • تحد المنازل مسبقة الصنع من إمكانية الاستفادة من المواد الخام واليد العاملة المحلية

Shares
 في حين يصمم المزيد من الناس ملاجئ مبتكرة لما بعد الكوارث، تتساءل راشيل ديفيد: ما العقبات التي تواجهها؟

الدور الأصلي الذي ينبغي أن يضطلع المعماريون به هو توفير المسكن. لكننا نسينا هذا بسهولة في عصر الصلب، وزمن نجوم المعماريين، ووقت نهتم فيه بشكل البنايات عند الأفق.

بيد أن الإسكان، إذا ما جُرد من القدرة على الرسم والوسم، يظل حاجة ماسة وضرورة ملحة. وهو أمر تكتسب أهميته خصوصية بالغة في المجتمعات التي تفقد منازلها في أعقاب الكوارث، أو بالنسبة للذين يعيشون على هامش المجتمع في ظروف محفوفة بالمخاطر.

”ثمة دور أكبر للمعماريين وللهندسة المعمارية مما حُملت على اعتقاده في أثناء كل من دراستي الجامعية، والمرحلة التي تدربت فيها على ممارسة المزيد من تطبيقاتها التقليدية“. هكذا تقول إستير تشارلزورث، أستاذ الهندسة المعمارية في المعهد الملكي للتكنولوجيا في ملبورن بأستراليا.

وتضيف تشارلزورث، مؤسِّسة فرع معماريون بلا حدود في أستراليا، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل على إعادة الإعمار في أعقاب الكوارث بكل أنحاء العالم: ”لقد رأيت أن هناك دورًا قيمًا للتصميم في إعادة بناء مجتمعات البشر بعد الحرب أو الكوارث“.

تشارلزورث تمثل جزءًا من التخصص البازغ في مجال العمارة الإنسانية، الذي يركز فيه المعماريون على مشروعات ذات هدف اجتماعي. وقد ينطوي ذلك على التعامل مع المجتمعات المحلية الضعيفة أو الريفية، أو قد يبحث في كيفية أفضل إيواء للناس في أثناء الأزمة، وكيف ينبغي بناء المساكن بحيث تكون، على المدى البعيد، مقاومة للكوارث على نحو أفضل.

ويؤكد إيان ديفيس -الذي يدرس مقررًا عن الهندسة المعمارية الإنسانية بجامعة أكسفورد بروكس في المملكة المتحدة- ”أن الكثير من المعماريين الذين لديهم التزام اجتماعي قوي، يرغبون في اقتحام مجال الإسكان منخفض التكاليف“، الأمر الذي يصبح شيئًا فشيئًا واقعًا في البلدان منخفضة الدخل، ويدلل على حقيقته وجود أعضاء لمؤسسة ’معماريون بلا حدود في بنين، والكونغو، والهند، وغيرها.

يكمن الجانب الأهم لمثل هذه الأعمال في مرحلة إعادة الإعمار عقب الكارثة، أي عقب وقوع الزلازل أو التسونامي على سبيل المثال. فعندما تضرب هذه الكوراث مكانًا ما فإن الاحتياجات السكنية تزداد بشكل سريع ومفاجئ. وقد رأينا كيف دمرت الزلازل التي وقعت في نيبال في شهري أبريل ومايو الماضيين ما يزيد على نصف مليون وحدة سكنية.

وفي مثل تلك الحالات، من الطبيعي أن توفر وكالات الإغاثة المأوى بأسرع وقت ممكن. ولكن المسكن ليس مجرد مأوى؛ أي ينبغي أن يكون حيزًا مناسبًا يصلح أن يعيش فيه الناس كي يُدعى منزلًا. ولتأمين مسكن مبتكر يعمر طويلاً، بدأ المعماريون بالعمل الوثيق مع وكالات الإغاثة المحلية ومع المجتمعات المستهدفة ذلك.

عكس الأدوار

بيد أن على المعماريين الراغبين في العمل بمجال العمارة الإنسانية أن يتناسوا الكثير من الأمور التي اعتادوا عليها وتعلموها، كما يقول ديفيس. ”فقد اعتادوا العمل من موقع قوة، حيث يجري التعاقد معهم لخبرتهم، ولكي يخبروا الناس باحتياجاتهم، لكن في مجال الكوارث من الأهمية بمكان أن يدعم هؤلاء المعماريون ما يجري على أرض الواقع، وألا يقوموا بدور المهيمن“.

وسواء كان العمل في حالة الطوارئ أو على المدى البعيد، فإن الطريقة الوحيدة لضمان إنتاج وحدات إيواء تلبي احتياجات المجتمعات المحلية هي أن تشملها عملية تصميم يقوم على المشاركة.

بياتريس دي كارلي -معمارية بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة- تعمل مع ’معماريون بلا حدود‘ في بريطانيا، وتتعاون مع المنظمات غير الحكومية والجامعات المحلية لتطوير ورش العمل التي تسهل التصميم التشاركي لسكان المدن المعرضين للخطر.

تقول بياتريس: ”إن الهدف الأساسي هو تطوير قدرات هذه المجتمعات لتقديم مطالبهم وتأكيد وجودهم“. وتضيف: ”نحاول بناء الأدوات التي لا تهدف إلى إفساح المجال لبدء الحوار فيما بينهم فقط، ولكن أيضًا للإفصاح بما يودون تحقيقه إلى السلطات والمنظمات غير الحكومية المحليتين“.

صدامات مع المحلي

يساعد العمل الوثيق مع المجتمعات الضعيفة أيضًا على قبول التصميمات الجديدة والابتكارات المعمارية. فعلى سبيل المثال قد يرتاب الناس من مواد البناء الجديدة، أو التصاميم التي تتعارض مع الأعراف وتقنيات البناء التقليدية.

جيني رويتر، مهندسة معمارية تعمل لدى شركة هولمان رويتر ساندمان في فنلندا، عاصرت المشكلة منذ بداياتها الأولى. ففي عام 2001، صمم فريقها مركزًا نسائيًّا في روفسك بالسنغال، تم تمويله بشكل تشاركي عن طريق التبرعات الخيرية من قِبل المؤسسات والحكومة الفنلندية والسكان المحليين.

تقول رويتر: ”هناك الكثير من الأصوات المتشككة“ عند محاولة إدخال تصاميم أو مواد جديدة. ففي حالة مركز المرأة اعتبر المهندس المعماري المحلي خطة الفريق لاستخدام الطوب الزجاجي المصنوع من زجاجات البيرة المعاد تدويرها بمنزلة إهانة؛ لأنه اعتبر استخدام المواد ’القديمة‘ دليلًا على تمييز المجتمع الفقير. وباعتبار السنغال بلدًا مسلمًا فقد كان وجيهًا قلقُهم من استخدام مواد ذات صلة بالكحول، كما توضح رويتر.

ولكن المفاهيم تغيرت عندما عرض فريق رويتر الأمثلة المعمارية لكيفية تغيير المكان باستخدام الطوب الزجاجي الذي يسمح بدخول المزيد من الضوء للمكان. الأمر الذي يعني إمكانية استخدام الموارد المحلية الرخيصة في تشطيب المكان.

ولكن في حالات الكوارث يصعب المضي قدمًا في هذه العملية، خاصة في المراحل المبكرة من حالة الطوارئ. وغالبًا لا وقت للبحث في التقاليد المعمارية المحلية أو قضاء الوقت في مناقشة تقنيات البناء مع المجتمعات المتضررة. والشيء الأكثر أهمية يكمن في تأمين أكبر قدر ممكن من المساكن وبأسرع وقت.

هذا هو المقام الذي يتصدر فيه التصميم العصري والتكنولوجيا الحديثة المقدمة. ويُعتبر ’المأوى الأفضل‘ المعروض الذي نُشر ووُزع مؤخرًا واحدًا من هذه الأمثلة، وهو عبارة عن منزل متين مؤلف من غرفة واحدة يمكن بناؤه في غضون ساعات قليلة من قضبان معدنية وألواح البولي بروبلين. وقد استُخدم هذا المأوى في بلدان مثل إثيوبيا والنيبال، ويتابع مصمموه العمل على تطويره بناء على ردود فعل المستخدمين، عن طريق خلق استجابة متبادلة نحو تحسين مساكن الإيواء.

وتعني الأهمية المتزايدة للعمارة الإنسانية اكتظاظ السوق بالمزيد والمزيد من مساكن الإيواء المبتكرة. وقد أبرز معرض كبير بسويسرا مسكن إيواء صممته شركة المكتب أ، مصنوع من الألومنيوم المطوي المجمع بمفاصل خشبية. كما عرض أيضًا مسكن ورقة الشاي للمعماري شيجيرو بان، الذي بُني بطريقته الخاصة من الأنابيب الورقية. وقد أعلن هذا العام عن تطوير شركة هندسية إيطالية طابعةً ثلاثية الأبعاد عملاقة، وتأمل في إنتاج هياكل كالمنازل عن طريق طباعة طبقات من المواد الطبيعية مثل الطفلة.

فائدة محلية بسيطة

قد تكون ابتكارات التصميم عالية التقنية مناسبة للبلدان الغنية بموارد الاستجابة للكوارث، ولكن يعتقد ديفيس أن تلك التصاميم تحول أوجه صرف الأموال بمنحى بعيد عن إعادة الإعمار الأساسي في البلدان الفقيرة، وخاصة على اعتبار أنه لا يوجد دائمًا حاجة لتصميمات جديدة وبراقة لإعادة الإعمار بشكل جيد.

ويشير ديفيس أيضًا إلى أن معظم الابتكارات يجري تطويرها وإنتاجها في الدول الغنية، ومن ثم لا تساعد على تنشيط الاقتصاد المحلي أو تأمين فرص عمل للسكان المحليين، ما يؤدي إلى فشل إعادة التطوير على المدى الطويل.
 
توافق تشارلزورث هذا الرأي، قائلة: ”كلها تصاميم وابتكارات مثيرة للاهتمام، ولكن عليك أن تسأل عن مصاريف الشحن لمنتج مسبق الصنع، بمعزل عن اليد العاملة أو المواد المحلية“.

المشكلة الأخرى تكمن في أنه كلما عمل المعماريون على تصميم مساكن الإيواء للمشاركة في المسابقات وجوائز الابتكار بدلًا من العمل المباشر مع وكالات الإغاثة، استبعدوا من تفكيرهم كل ما يتعلق بالتصميم التشاركي. ويمكن أن يتطور هذا الوضع إلى ماهو أبعد من ذلك بحيث تتنافس شركات الهندسة المعمارية للحصول على الجائزة، دون الأخذ في الاعتبار احتياجات الناس.

ترى رويتر أنها وسيلة سهلة لنيل الشهرة. ويقول أغتيور إفيو -أستاذ الهندسة المعمارية والهندسة المدنية في جامعة لوزيادا في البرتغال-: إن بعض منتجات إسكان حالات الطوارئ المطروحة مؤخرًا في السوق لا تمت بأي صلة لتقاليد الإسكان المحلية، كما أنها لا تعطي انطباعًا بكونها مسكنًا.

ويضيف: ”كثير من الناس ممن يعملون في [العمارة الإنسانية] يأتون بتصاميم نظرية بحتة، وليست عملية إلى حد كبير“.

ويرى المهندسون المعماريون العاملون في صلب موضوع المأوى الإنساني أن استشارة السكان المحليين مهمة على أي حال في أثناء وقوع الكوارث، حتى عندما يكون الوقت هو جوهر المسألة. ويقول ديفيس: ”غالبًا ما تهمش [المجتمعات المتضررة] نظرًا لاعتقاد الناس أنهم يمرون بحالة من الذهول وأنهم يحتاجون إلى المساعدة“.

ويضيف ديفيس: ”حقا هم يحتاجون إلى المساعدة، ولكنهم لا يزالون بحاجة إلى التشاور“. ويرى أنه حتى في أثناء وقوع الكوارث أو في أعقابها يحتاج الناس إلى القيام بدور فعال في عملية التخطيط، ويمكنهم ذلك بالفعل.

يؤكد ديفيس أن إشراك السكان المحليين في تصميم المأوى وتشييده يضمن انتقال مهارات البناء إليهم. ويستشهد ببرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تعليم المجتمعات الريفية في باكستان عام 2005 كيفية بناء منازل آمنة ومقاومة للزلازل، وتنسجم في الوقت ذاته مع التقاليد المحلية.

ولا ينطبق هذا فقط على فن العمارة في المناطق المنكوبة. إذ تعتقد رويتر أن تبادل المعرفة بين المعماريين والمجتمعات المستهدفة في تصاميمهم هذه، يضمن إنتاج منازل مبتكرة بعمر استثماري مديد في المدن أيضا، حيث يكون المقاولون المحليون أوفر حظا في القدرة والاستعداد للحفاظ عليها.

لقد أدرك المعماريون المهتمون بالعمارة الإنسانية في جميع أنحاء العالم أنها ستحتل حيزًا مهمًّا أكثر من أي وقت مضى، وذلك بالنظر إلى الصراعات المستمرة وارتفاع الكوارث الطبيعية- وأبعد من ذلك فقد اختيرت موضوعًا لمعرض الهندسة المعمارية المرموق، الذي سيُعقد عام 2016 في بينالي، فينيسيا.

وترى رويتر أن الشيء المهم في أولئك الذين اختاروا المضي قدمًا في مسار العمارة الإنسانية هو أن يفكروا في الأثر الذي يخلفه ابتكارهم في هذه المجتمعات الهشة أو المتضررة من جراء الكوارث.
 
التحليل جزء من ملف بعنوان أزمة المأوى.. إعادة البناء بعد الكارثة، منشور بالنسخة الدولية، يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي:

·        Humanitarian architects work from the ground up
 
 

 

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.