18/06/26
العالم يعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن قضايا تغير المناخ
كتب: هدير الحضري
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
في الوقت الذي تتسارع فيه تداعيات تغير المناخ، من موجات الجفاف والحرائق والفيضانات إلى الضغوط المتزايدة على المياه والغذاء والطاقة، يشهد العالم بالتوازي تحولاتٍ سياسيةً واقتصاديةً أعادت ترتيب أولويات الحكومات والإنفاق العالمي؛ فمع تصاعُد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم، بدأت بعض الدول إعادة النظر في التحول الأخضر وكلفته الاقتصادية، بينما برزت مؤشرات على تباطؤ الوفاء بالالتزامات الدولية المتعلقة بالتمويل المناخي.
وجاءت قرارات الإدارة الأمريكية بعد عودة الرئيس دونالد ترامب، وعلى رأسها بدء إجراءات الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وتقليص الالتزامات والتمويلات الأمريكية الموجهة إلى عدد من برامج ومؤسسات التمويل المناخي الدولية، بما في ذلك صندوق المناخ الأخضر، لتعمُّق حالة عدم اليقين التي تواجهها منظومة التمويل المناخي عالميًّا.
هذه التحولات أتت في وقت تواجه فيه الدول النامية فجوةً تمويليةً متزايدة، إذ تشير تقديرات ’مبادرة سياسة المناخ‘ إلى أن الاقتصادات الناشئة والنامية تحتاج إلى نحو 4 تريليونات دولار سنويًّا حتى عام 2030 لتحقيق أهداف المناخ والتنمية المرتبطة بها، وفي المقابل، حذر تحليل نشره موقع ’كربون بريف‘ من أن نحو عُشر التمويل المناخي العالمي قد يصبح مهددًا بالتوقف، نتيجة قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة بخفض المساعدات والتمويل المناخي.
خلال السنوات الأخيرة، عادت عدة دول إلى توسيع الاعتماد على الفحم والغاز أو تمديد استخدامهما تحت ضغوط أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، يرى محمد داود -استشاري موارد المياه بهيئة البيئة في أبو ظبي- أن هناك مؤشرات واضحة على أن بعض الدول والشركات أعادت توجيه استثماراتها نحو النفط والغاز لأسباب تتعلق بأمن الطاقة والعوائد الاقتصادية.
يوضح داود لشبكة SciDev.Net أن السنوات الأخيرة شهدت استمرار ضخ استثمارات ضخمة في النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، مدفوعةً باعتبارات أمن الطاقة والتنافسية الاقتصادية.
ويستطرد: ”كما أعادت عدة دول أوروبية -من أبرزها ألمانيا وإيطاليا وهولندا والنمسا والمملكة المتحدة- تشغيل أو تمديد استخدام بعض محطات الفحم والغاز عقب أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية“.
كذلك في آسيا، ”الصين والهند واصلتا الاستثمار في الطاقة المتجددة، لكن بالتوازي مع استمرار بناء محطات تعمل بالفحم لضمان أمن الإمدادات الكهربائية“، وفق داود.
ولم تبق هذه التحولات في إطار النقاشات السياسية والاقتصادية فقط، بل بدأت تنعكس على مشروعات ومرافق حيوية في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصةً في قطاعات المياه والطاقة والزراعة التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الدولي والاستثمارات الخضراء.
التأثير على العرب
تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم هشاشةً وتأثرًا بتداعيات تغيُّر المناخ، إذ تسجل المنطقة معدلات احترار تتجاوز المتوسط العالمي، ما يجعل آثار التغير المناخي فيها أشد حدةً وتسارُعًا.
وفق تقارير صادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ترتفع درجات الحرارة في المنطقة العربية بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، كما تشير التقديرات إلى أن المنطقة تسجل احترارًا بنحو 0.43 درجة مئوية لكل عقد منذ تسعينيات القرن الماضي، مقارنةً بالمعدل العالمي.
تواجه المنطقة ضغوطًا مناخيةً متزايدة، تشمل موجات حر أكثر تطرفًا، وتفاقُم الجفاف، وتراجُع الموارد المائية، في وقت تُصنف فيه العديد من دولها ضمن أكثر دول العالم إجهادًا مائيًّا، ومع اعتماد عدد كبير من مشروعات التكيف والمياه والطاقة في المنطقة على التمويل الدولي، فإن أي تباطؤ في التمويل المناخي قد يزيد من هشاشة المنطقة ويضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمياه والغذاء والطاقة.
في لبنان، تحوّلت هذه التداعيات إلى واقع ملموس، إذ أُلغي مشروع لتوفير طاقة شمسية منخفضة التكلفة لشركات المياه، مما أدى إلى فقدان نحو 70 شخصًا وظائفهم وتوقف خطط لتحسين الخدمات الإقليمية، ونقلت وكالة رويترز عن سوزي حويك -مستشارة وزارة الطاقة والمياه اللبنانية- أن ”شركات المياه تعتمد الآن على الديزل ومصادر أخرى لتشغيل خدماتها“.
وفي الأردن، أُعيد تمويل مشروع محطة تحلية مياه تبلغ تكلفته 6 مليارات دولار، بعد جهود دبلوماسية قادها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وذلك بعد تأثُّر المشروع بالقرارات الأمريكية.
تداعيات تراجُع التمويل المناخي لا تظهر فقط في توقُّف بعض المشروعات، كما يشير جواد الخراز، المؤسس والمدير التنفيذي لشبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ؛ فعلى الرغم من أن المشاريع الكبرى لا تتوقف فجأة، إلا أن ’التباطؤ‘ هو السمة الغالبة.
ويوضح الخراز لشبكة SciDev.Net أن ”العديد من المنح المخصصة من صندوق المناخ الأخضر لدعم دول مثل الأردن ومصر في إدارة الموارد المائية شهدت تأخرًا خلال الفترة الأخيرة، نتيجة نقص التعهدات المالية الدولية“، مشيرًا إلى أن بعض مذكرات التفاهم في دول شمال أفريقيا تعطلت أو تباطأت وتيرة تحوُّلها إلى اتفاقيات نهائية بسبب عدم وضوح الرؤية بشأن الدعم المالي الأمريكي.
ويضيف الخراز أن دول المنطقة ستتأثر من خلال عدة أشكال، مثل ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجُع القروض الميسرة والضمانات الدولية، وهو ما قد يدفع أصحاب بعض المشروعات إلى اللجوء إلى البنوك التجارية بأسعار فائدة مرتفعة، أو العودة إلى حلول طاقة تقليدية أقل استدامة.
ويستطرد: ”وبالتالي تصبح مشروعات الطاقة النظيفة غير مُجدية، كما يؤدي أيضًا إلى تباطؤ نقل التكنولوجيا، لأن التمويل غالبًا ما يكون مرتبطًا بخبرات تقنية، وتراجُعه يعني تأخُّر وصول تقنيات حديثة مثل الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة“.
لكن هذه التداعيات -وفق عدد من الخبراء- لا ترتبط فقط بتراجُع التمويل المباشر، بل تمتد إلى ما هو أعمق، وما يتعلق بثقة المستثمرين وأولويات النظام المالي والمناخي العالمي.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام أزمة تمويل فقط أم تحوُّل أوسع في أولويات النظام الدولي؟

الإنفوجراف منتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي
أثر ’الدومينو‘
توالي تداعيات تراجُع التمويل المناخي الأمريكي والدولي يصفه الخراز بأنه ”أثر الدومينو“، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بخفض الأموال، ”بل بإرسال إشارة سلبية إلى المستثمرين بأن المناخ لم يعد أولويةً جيوسياسية، مما يحد من الرغبة في الاستثمار في مشروعات المناخ والطاقة المتجددة“.
ويضيف الخراز أن انسحاب بعض الدول الغربية في السنوات الأخيرة من تمويل بعض المنظمات الأممية والدولية، إلى جانب التراجُع الأمريكي، أدى إلى ضعف بنوك التنمية متعددة الأطراف، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تُعد مساهمًا رئيسًا في البنك الدولي وصندوق المناخ الأخضر، وبالتالي فإن أي تراجُع في إسهاماتها ينعكس على قدرة هذه المؤسسات على تقديم قروض مشتركة، وهو ما يعتمد عليه المستثمرون الأوروبيون والآسيويون لتقليل مخاطر الاستثمار.
من جانب أمجد المهدي -المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صندوق المناخ الأخضر- فإن التخفيضات التي يُجريها المساهمون الرئيسون في منظومة التمويل المناخي العالمية قد تؤدي إلى خلق حالة من عدم اليقين على المدى القصير، كما قد تؤثر أيضًا في وتيرة التزامات المانحين الآخرين أو في الإشارات التي يرسلونها بشأن التزاماتهم المستقبلية.
يقول المهدي لشبكة SciDev.Net: ”التمويل المناخي يقوم بطبيعته على الثقة والقدرة على التنبؤ وتقاسم الأعباء جماعيًّا، ولذا فإن أي انسحاب يُنظر إليه على أنه تراجُع عن الالتزامات قد يؤثر على الثقة بهذه المنظومة“.
يحذر الخراز من أن هذه التحولات لا تؤثر فقط على حجم التمويل، بل على الثقة التي يقوم عليها النظام المناخي الدولي، موضحًا أن تراجُع الالتزامات المالية من جانب الدول الكبرى قد يؤثر على استعداد بعض الدول النامية لتحديث إسهاماتها المحددة وطنيًّا أو رفع سقف طموحاتها المناخية.
ويؤكد المهدي أن تأخير العمل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يزيد كثيرًا من التكاليف المالية والاجتماعية، وتكاليف البنية التحتية مستقبلًا؛ لأن ”قضايا المناخ لم تعد مجرد أجندة بيئية خارجية، بل أولوية أساسية للتنمية والاستقرار، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأمن المياه والغذاء والطاقة، والتنويع الاقتصادي“.
ويشير إلى أن العديد من دول المنطقة تعتمد على التمويل المناخي الدولي لتنفيذ الأهداف المشروطة ضمن مساهماتها الوطنية بموجب اتفاقية باريس، والتي ترتبط بالتمويل الخارجي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، محذرًا من أن ”تراجُع التمويل قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ مشروعات المناخ، خاصةً في قطاعات التكيُّف التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الميسر والمنح“.
لكن هل يعني ذلك أن العالم يتراجع فعليًّا عن التحول الأخضر؟
فقدان زخم التحول الأخضر
يرى الخراز أن المشهد في منطقة الخليج يعكس صورةً أكثر تعقيدًا؛ إذ تواصل دول الخليج الاستثمار بقوة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لكنها في الوقت نفسه تواصل توسيع بعض استثمارات النفط والغاز استجابةً للطلب العالمي المتوقع خلال العقود القادمة، وبالتالي فإن ”النتيجة المحتملة هي تباطؤ وتيرة خفض الانبعاثات عالميًّا، حتى لو استمر التحول نحو الطاقة النظيفة على المدى الطويل“.
ويتفق معه داود، إذ يرى أن المشهد الحالي لا يعكس مجرد تراجُع الدول الصناعية الكبرى والغنية في الالتزام المناخي، بقدر ما يعكس حالةً من التباطؤ وإعادة ترتيب الأولويات العالمية.
ويضيف: ”الاستثمار في المشروعات بات يرتبط بصورة أكبر باعتبارات الجدوى الاقتصادية، والمنافسة على الموارد المالية المتاحة، والنتيجة ضعف الالتزامات المالية للعمل المناخي وجعل الأجندة المناخية أكثر هشاشةً وأقل أولويةً مقارنةً بما كانت عليه قبل عدة سنوات“.
وبرغم ذلك يرى داود أن الاستثمارات الخضراء لا تزال تشهد نموًّا عالميًّا، لكنها تواجه تحديات كبيرة مقارنةً بالمدة التي أعقبت جائحة كورونا، فوفق وكالة الطاقة الدولية، تجاوزت الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة خلال عام 2025 نحو 2.2 تريليون دولار، وهو رقم يفوق بكثير الاستثمارات الموجهة إلى النفط والغاز والفحم، التي يُتوقع أن تبلغ نحو 1.1 تريليون دولار.
إلا أن هذا النمو يترافق مع مؤشرات على تراجُع الزخم السياسي والمالي في بعض الأسواق، فعلى سبيل المثال، شهد العالم خلال السنوات الأخيرة أعلى مستويات للإنفاق العسكري في التاريخ الحديث، إذ تجاوز الإنفاق العسكري العالمي 2.7 تريليون دولار خلال عام 2024.
من جانبه، يرى الخبير البيئي المصري هشام عيسى -المنسق المصري السابق للاتفاقية الإطارية لتغيّر المناخ- أن هذا المشهد قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون في بعض المناطق والقطاعات، وزيادة الاستثمارات في النفط والغاز الطبيعي على المدى القصير والمتوسط، ”إلا أنّه لا يعني بالضرورة عودة العالم إلى نموذج اقتصادي قائم بالكامل على الوقود الأحفوري“.
ويقول عيسى لشبكة SciDev.Net: ”نعيش مرحلةً انتقاليةً تحاول فيها الدول تحقيق توازن بين أهداف المناخ ومتطلبات الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة“.
ويرى عيسى أن ”الاستثمارات الخضراء لم تفقد جاذبيتها“، ولكن بيئة الاستثمارات الدولية تعقدت، في ظل أزمات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، ممّا دفع الحكومات إلى التركيز على تعزيز الإنفاق الدفاعي والعسكري، وتأمين مصادر الطاقة التقليدية، ”وهو ما قد يمثل تراجُعًا عن أهداف التخلص التدريجى من الوقود الأحفوري“.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًّا كان له تأثيرٌ كبيرٌ على تأجيل بعض الاستثمارات الخضراء الكبرى، خاصةً في الدول النامية والأسواق الناشئة التي تعتمد مشروعاتها على التمويل طويل الأجل، أو تمويل المشروعات ذاتيًّا، ما يزيد من أعباء الدين العام ويؤثر على قدرة هذه الدول على تنفيذ مشروعات التحول الأخضر.
وبالرغم من ذلك يرى عيسى أنه حين يتحقق الاستقرار السياسي العالمي، يمكن أن تعود قضايا المناخ إلى صدارة أولويات الأجندة الدولية، مضيفًا أن هناك ”بارقة أمل“ في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في مايو 2026، الذي دعمت فيه الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التزام الدول بحماية البيئة من انبعاثات غازات الاحترار العالمي.
ويوضح أن هذا التطور يعني أن ”الالتزامات المناخية لم تعد تقتصر على التعهدات السياسية فقط، بل أصبحت ترتبط أيضًا بأطر قانونية دولية أوسع، ما قد يسهم في إعادة قضية المناخ إلى صدارة الأجندة الدولية خلال السنوات المقبلة“.
الواقع يكذب التعهدات
ورغم اتساع الفجوة بين احتياجات الدول النامية والتمويل المناخي المتاح، خرج مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ ’كوب 30‘ بتعهدات لحشد 1.3 تريليون دولار سنويًّا بحلول عام 2035، مع تخصيص 300 مليار دولار سنويًّا لتمويل التكيُّف.
لكن غوى نكت، المديرة التنفيذية لمنظمة ’جرين بيس‘ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم التعهدات، بل بطبيعة التمويل وآليات تنفيذه، موضحةً أن ”هذه التعهدات لن تكون فعالةً ما لم تُقدَّم في صورة تمويل عام قائم على المنح، لا في شكل قروض أو تمويل خاص، كما يجب أن تكون تمويلًا موثوقًا ويمكن التنبؤ به“.
وفي هذا السياق، أكد تقرير فجوة التكيُّف الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2025، أن احتياجات تمويل التكيف في الدول النامية قد تصل إلى نحو 310 مليارات دولار سنويًّا بحلول عام 2035، في وقت لا تزال فيه التدفقات المالية الفعلية أقل بكثير من الاحتياجات المعلنة.
في المقابل، لم تتجاوز تدفقات التمويل الدولي العام المخصص للتكيف 26 مليار دولار في عام 2023، ما يجعل احتياجات التكيف في الدول النامية أعلى بنحو 12 إلى 14 مرة من التمويل المتاح حاليًّا.
ولا يمكن حصر الأزمة في حجم التمويل المتاح الذي تتلقاه الدول، بل أيضًا بطبيعته وشروطه ومدى استفادتها منه، ففي تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ’الإسكوا‘، قُدرت احتياجات الدول العربية من التمويل المناخي بأكثر من 570 مليار دولار بحلول عام 2030، بينما تلقت هذه الدول خلال العقد الماضي قروضًا بمبالغ تجاوزت سبعة أضعاف قيمة المنح التي حصلت عليها.
تقول نكت: ”نشعر بقلق عميق إزاء التراجُع المستمر في الموارد المخصّصة للعمل المناخي في المنطقة“، موضحةً أن جزءًا كبيرًا من التمويل الموجه للدول النامية لا يزال يُقدم في صورة قروض بدلًا من منح.
وتحذر نكت من أن اضطرار الدول المثقلة بالديون إلى تمويل العمل المناخي عبر الاستدانة، يخلق ”حلقة مفرغة وغير مستدامة“، ويُفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية القائمة التي تواجهها هذه الدول.
علاوةً على ذلك، فإن صندوق الخسائر والأضرار يعاني أصلًا من نقص حاد في التمويل يحدّ من قدرة الدول الهشّة على التعافي من الخسائر والأضرار الناجمة عن الكوارث المناخية.
وبينما تتَّسع الفجوة بين التعهدات والتمويل الفعلي، تبدأ آثار هذا التراجع في الظهور بصورة أوضح على الأرض، داخل القطاعات الأكثر ارتباطًا بالأمن المائي والغذائي في المنطقة، خاصةً الزراعة والمياه.
الزراعة والمياه مهددان
ويبدو أن تراجُع المنح والاستثمارات الدولية سيُلقي بظلاله أيضًا على قدرة دول المنطقة على تعزيز مرونتها المناخية، خاصةً في قطاعات الزراعة والمياه، التي تعتمد كذلك بصورة كبيرة على التمويل الدولي طويل الأجل.
تقول رولا مجدلاني، كبيرة مستشاري تغيُّر المناخ بمكتب المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا): ”إن الانقسام الذي يشهده المناخ العالمي الحالي يُهدد بتقويض الأسس المالية والسياسية اللازمة لدفع الجهود المناخية الجماعية“.
وانخفاض التمويل قد يُضعف من قدرة دول المنطقة على حماية الزراعة من تفاقُم الجفاف وموجات الحر وندرة المياه كما ترى رولا، نتيجة تأخُّر الاستثمارات في الري الفعال، والمحاصيل المقاومة للجفاف، والإدارة المستدامة للمياه، ”ما قد يُؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء“.
وتشير رولا إلى أن التمويل المناخي أدى دورًا أساسيًّا في دعم جهود التكيُّف الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي في دولٍ مثل الأردن والعراق، حيث تتفاقم أزمة نقص المياه، أما في دول مثل اليمن والسودان فقد يؤدي تراجُع التمويل إلى تقليص قدرة المجتمعات على مواجهة الفيضانات والجفاف والنزوح المرتبط بضغوط المناخ.
مع رولا يتفق محمد الحمدي، كبير مسؤولي الأراضي والمياه ومدير تنفيذ المبادرة الإقليمية لندرة المياه في المكتب الإقليمي لمنظمة التغذية والزراعة للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، الذي يرى أن ضعف التمويل المناخي يُعد مؤشرًا لزيادة المخاطر، وهو ما يدفع القطاع الخاص إلى الانسحاب، ويؤدي إلى انخفاض الإنتاجية المحلية وارتفاع الاعتماد على الواردات الغذائية المكلفة.
يقول الحمدي لشبكة SciDev.Net: ”من أبرز التداعيات المتوقعة تعطيل التحوُّل التكنولوجي في القطاع الزراعي، لأن الزراعة في المنطقة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في تقنيات ’الزراعة الذكية مناخيًّا‘ مثل الري المطور والري الحديث، والمحاصيل المقاومة للجفاف، والزراعة المائية، بينما يعني تراجُع التمويل استمرار الاعتماد على أساليب تقليدية مهدرة للمياه“.
من جانبه يرى يوسف بروزيين -الممثل الإقليمي للمعهد الدولي لإدارة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- أن انعكاسات تراجُع التمويل لا تقتصر دائمًا في توقُّف المشاريع الكبرى، بل قد تظهر كذلك في تباطؤ التحضير، وتقليص نطاق بعض الأنشطة، وتأجيل التجارب الميدانية، أو تخفيف مكوّنات مهمة مثل بناء القدرات، وإنتاج البيانات، والحوار المؤسسي، والمتابعة والتقييم، وهي مكونات أساسية لنجاح مشاريع مثل تحسين كفاءة الري، وإدارة الجفاف، والإنذار المبكر، وإدارة المياه الجوفية.
ويُرجع بروزيين تأثر قطاع المياه بشكل كبير إلى ارتباط العديد من البرامج الاستثمارية والتنموية في المنطقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمياه، بما يشمل تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتعزيز إنتاجية الزراعة، وتقوية قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

الإنفوجراف منتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي
العدالة المناخية تغيب
ومع تراجُع التمويل، تزداد المخاوف المتعلقة بزيادة غياب العدالة المناخية، وتفاقُم الأضرار التي تطال الحياة اليومية لسكان الدول الهشة الأكثر تضررًا من تغيُّر المناخ.
وأي تغيير في أولويات الدول فيما يتعلق بالعمل المناخي بمنطقة الشرق الأوسط، أو أي تراجُع في التمويل، سينعكس على حياة المواطنين بالسلب، كما تقول هلا مراد، الباحثة الاجتماعية والناشطة في مجال العدالة المناخية والمديرة التنفيذية لمؤسسة ’دبين‘ للتنمية البيئية في الأردن.
وتقول هلا للشبكة: ”إن الفئات الأكثر تأثرًا هم المزارعون واللاجئون والنساء والعمالة غير المنتظمة وكبار السن وذوو الإعاقة، لذا يجب تعزيز الاستثمارات المرتبطة بالإنذار المبكر، والحماية الاجتماعية، والبنية التحتية، وتحسين كفاءة المياه والطاقة“.
وتحذر هلا من أن تراجُع التمويل قد يُضعف قدرة الدول الهشة على تنفيذ مشروعات التكيُّف والحماية المجتمعية.
كما أنه قد يضطر بعض الحكومات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية أو تأجيل استثمارات ضرورية، وهو ما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على قطاعات مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وتشير هلا إلى أنه ثمة توجُّه متزايد يهدف إلى دمج إجراءات التكيُّف مع تغيُّر المناخ باعتبار ذلك قضيةً رئيسةً ضمن موازنات الدول والتخطيط المالي الوطني، بما يتيح الانتقال من مرحلة المشروعات المنفصلة إلى مرحلة إدارة مخاطر المناخ من خلال موازنات حساسة ومستجيبة لقضايا المناخ، مع إشراك القطاع الخاص فيها بصورة أكبر.
وعلاوةً على ذلك، تحذر نكت من أن جزءًا كبيرًا من التمويل يمر أيضًا عبر وسطاء دوليين كبار قبل وصوله إلى المجتمعات المحلية، ما يقلِّص بشكل واضح من حصة الفاعلين المحليين؛ إذ لا يحصلون إلا على جزء محدود من التمويل المتاح، وهو ما وصفته بأنه ”فجوة خطيرة“، لكونهم الفئات الأكثر تضررًا من آثار تغيّر المناخ، والأكثر إدراكًا للواقع المحلي وللاحتياجات الفعلية على الأرض.
وفي ظل التحولات الجارية في منظومة التمويل المناخي، يرى الخبراء أن التحدي لا يقتصر فقط على تعويض تراجُع التمويل الخارجي، بل يمتد إلى بناء نماذج تمويل أكثر استدامةً واعتمادًا على الشراكات الإقليمية والقطاع الخاص.
”قطع التمويل الدولي قد لا يكون شرًّا مطلقًا، بل ربما مثَّل فرصةً لإعادة التفكير في إستراتيجيات وشراكات جديدة لتمويل المشروعات في المنطقة“، وفق عصام الخطيب، الخبير الدولي في التنمية المستدامة.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.