26/01/26
’الإفلاس‘ المائي صار التهديد المحدق لا ’الأزمة‘
كتب: محمد السعيد
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] عَدَل تقرير أممي جديد عن مصطلح ’أزمة‘ في توصيف الإجهاد المائي المزمن، واقترح إطلاق تعبير ’إفلاس‘، وعَدَّه أكثر فائدةً وأبلغ في الدلالة على ”فشل ما بعد الأزمة“ الذي تعانيه عدة بلدان ومناطق بالعالم.
وفي معرض إيضاح سبب استعارة مصطلح ’إفلاس‘ من أدبيات الاقتصاد، وتفسير إيثاره على وصف ’أزمة‘، عرض التقرير صورًا بالأقمار الاصطناعية لتدهور أحواض أنهار وخزانات جوفية وبحيرات مغلقة وأراضٍ رطبة بمنطقة الشرق الأوسط.
التقرير الصادر 20 يناير الجاري عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، بيَّن أن الإفلاس المائي يحدث عندما يتجاوز استخدام المياه على المدى الطويل حدود ما تستطيع الطبيعة تعويضه، إلى درجة يصبح معها التعافي الكامل غير ممكن خلال أطر زمنية بشرية.
من ثم، تحفَّظ معدُّو التقرير على وصف ’أزمة المياه‘، ورأوا أنه لم يعد دقيقًا؛ فالأزمة تعني صدمة مؤقتة يمكن تجاوزها ثم العودة بعدها إلى الوضع الطبيعي، لكن الوضع المائي الراهن بأجزاء واسعة بالمنطقة مغاير لهذا، وضرب التقرير أمثلة بالعديد من بلدانها مثل إيران والعراق والسعودية والإمارات والأردن، وأرض فلسطين.
وما آلت إليه الأحوال المائية لهذه البلدان ”يتعلق بسنوات من الإفراط في استخدام المياه وتدهور رأس المال [المائي] الطبيعي، إلى أن صار النظام غير قادر على العودة إلى مستوياته السابقة“، وفق كاوه مَدَني، المؤلف الرئيس للتقرير، ومدير معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة.
والحال كذلك فإن ”الإفلاس المائي وقع عندما اجتمعت حالتا العجز وعدم القابلية للإصلاح“، على حد ما بيَّن مَدَني.
ولمزيد بيان، فإن مفهوم الإفلاس المائي يختلف اختلافًا جوهريًّا عن أزمة المياه من حيث العمق، والزمن، وطبيعة الاستجابة المطلوبة، كما تقول مباركة الغرياني، المحاضِر في قسم الجغرافيا بكلية الآداب واللغات في جامعة طرابلس، ورئيس مشروع إدارة الكوارث والأزمات التابع للهيئة الليبية للبحث العلمي.
تقول مباركة لشبكة SciDev.Net: أزمة المياه ”تعني اختلالًا مؤقتًا أو ظرفيًّا بين العرض والطلب على المياه، غالبًا نتيجة الجفاف المناخي، والنمو السكاني المتسارع، أو أحيانًا نتيجة تدهور مؤقت في البنية التحتية أو تلوث أحد المصادر المائية، وهي حالة تُدار عادةً بأسلوب الاستجابة الطارئة“.
أما ’الإفلاس المائي‘، فتصفه بأنه ”خلل بنيوي مزمن لا يقدر النظام المائي معه على تلبية الاحتياجات الحالية ولا المستقبلية، مع استنزاف الأصول المائية الطبيعية (المياه الجوفية، والأنهار، والنظم البيئية)“.
وتشير مباركة إلى أن من أبرز مؤشرات الإفلاس المائي، الاستنزاف غير القابل للتجدد للمياه الجوفية، والتراجُع المستمر في نوعية المياه، والاعتماد الدائم على حلول مكلفة مثل الإعذاب، وفقدان القدرة على التعافي الطبيعي للأنظمة المائية.
ومنطقة الشرق الأوسط ضمن أكثر مناطق العالم التي تعاني ضمن ما تعاني شحًّا في الموارد المائية، وتتسم بالاعتماد الكبير على الزراعة، والنمو السكاني السريع، والضغوط المتزايدة على المياه الجوفية غير المتجددة.
والجفاف في المنطقة لم يعد ظاهرةً مناخيةً طبيعية فقط، بل صار في كثير من الحالات ”جفافًا بشري المنشأ“، ناتجًا عن الإفراط في السحب المائي، وتدهور التربة، وتغيُّر استخدامات الأراضي.
يبرز العراق نموذجًا للإفلاس المائي المرتبط بالأنهار، إذ أثرت قلة الإيرادات المائية من دول الجوار مباشرةً على التدفقات المائية في نهري دجلة والفرات، ما أدى إلى تدهور القطاع الزراعي ودفع الوزارة إلى ”تقليص الخطط الزراعية الصيفية ومنع زراعة الأرز في عام 2025“، وفق مهدي ضمد القيسي، مستشار وزارة الزراعة العراقية.
وعلى المستوى الاجتماعي ببلاد الرافدين، يوضح عدي مدحت الربيعي -الناشط البيئي العراقي- أن ”الجفاف الناتج عن قلة التدفقات المائية أدى إلى هجرة واضحة للفلاحين في القرى الحدودية بمحافظة ديالى، ولا توجد مؤشرات على عودتهم مع استمرار شح المياه“.
وفي جنوب البلاد، تدهورت الأراضي الرطبة (الأهوار)، إذ تقدر هجرة ”تتراوح بين 1 إلى 1.5% من سكان القرى المحيطة بالأهوار، نتيجة الجفاف، حيث انتقل الأهالي إلى أطراف المدن بحثًا عن مصادر مياه“، وفق أحمد صالح نعمة، ناشط في شؤون الأهوار العراقية، والملقب بحارس الأهوار.
يقول نعمة للشبكة: ”تكرر جفاف الأهوار بنسبة 100% في أعوام متكررة، ما أدى إلى انهيار النظام البيئي واختفاء الطحالب والأسماك والزواحف، وانقراض كلب الماء وتراجُع أعداد الجاموس بأكثر من 50%“.
أما إيران، فتُعد من أوضح حالات الإفلاس المائي المرتبط بالمياه الجوفية والبحيرات الداخلية، حيث تستفحل الأزمة ويزحف العطش تدريجيًّا نحو العاصمة.
أدى السحب الجائر للمياه الجوفية إلى هبوط الأرض في مناطق واسعة، وذهاب ماء بحيرات مثل بحيرة أورمية، ومع جفاف قاع البحيرة، تحولت المنطقة إلى مصدر للعواصف الملحية والغبار، مع آثار بيئية وصحية واقتصادية واسعة، ويصف التقرير هذه الخسائر بأنها في كثير من جوانبها غير قابلة للعكس.
يعلق الباحث الإيراني أمير أغاکوشاك، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية بجامعة كاليفورنيا في إيرفين، بأن ما تشهده إيران ليس مجرد جفاف طويل الأمد أو سوء إدارة عابر، وإنما ”انهيار تدريجي لرأس المال المائي نفسه“.
يقول أغاکوشاك لشبكة SciDev.Net: ”عقود من السحب المفرط للمياه الجوفية أخرجت النظام الهيدرولوجي عن توازنه، فلم تعد معدلات التغذية الطبيعية قادرةً على تعويض السحب“.
ويضيف: جفاف بحيرات داخلية مثل بحيرة أورمية لا يمثل خسارة مورد مائي فحسب، بل ”خسارة نظام بيئي كامل كان يعمل منظمًا مناخيًّا محليًّا، وحاجزًا ضد العواصف الغبارية والملحية“.
ويحذر أغاكوشاك من أن ”أخطر ما في الإفلاس المائي هو وهم القابلية الكاملة للإصلاح“، إذ إن بعض التغيرات -مثل هبوط الأرض الناتج عن استنزاف المياه الجوفية- غير قابلة للعكس عمليًّا على المقاييس الزمنية البشرية، حتى لو توقف السحب الجائر لاحقًا.
ويقدم التقرير مثالًا ملموسًا على هذه التحذيرات في حالة تركيا، حيث أدى الاستنزاف المكثف للمياه الجوفية من أجل زراعة محاصيل عالية الاستهلاك، إلى جانب تراجُع التغذية الطبيعية تحت تأثير الجفاف، إلى فقدان التربة لدعمها البنيوي وظهور نحو 700 فجوة أرضية بحلول أواخر عام 2025.
وفي سياق الأحواض والبحيرات المغلقة، يورد التقرير صورة قمر اصطناعي توثق التراجُع الحاد في منسوب البحر الميت، ويعزو التقرير هذا التدهور المستمر، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، إلى تحويل المياه من نهر الأردن، المصدر الرئيسي لتغذية البحيرة، ما أدى إلى انحسار مساحتها، وانكشاف قاعها، وتوسُّع برك التبخير الملحية في جنوبها.
كذك يوثق التقرير، عبر صور أقمار صناعية، تصاعُد العواصف الرملية والترابية التي غطت العراق وإيران والسعودية والإمارات في إبريل 2025، وأدت إلى نقل آلاف الأشخاص إلى المستشفيات، ويضع التقرير هذه الظواهر ضمن الآثار المترتبة على الجفاف المتفاقم وتدهور الأراضي وفقدان وظائف النظم البيئية، بما يعكس الترابط بين الإفلاس المائي وتفاقم المخاطر الصحية والاقتصادية العابرة للحدود.
من جانبه، يقول يوسف بروزيين، الممثل الإقليمي للمعهد الدولي لإدارة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: إن الإفلاس المائي ”يتحول سريعًا إلى أزمة في النظم الزراعية-الغذائية ثم إلى أزمة استقرار“.
ويشرح بروزيين للشبكة أن الزراعة المروية -التي تستهلك نحو 85% من المياه في أجزاء من المنطقة-تتأثر مباشرةً باختلال الميزان المائي، عبر ري أقل موثوقية، وانخفاض الغلال، وقصر مواسم الزراعة، والتحول نحو محاصيل أقل طلبًا للمياه وغالبًا أقل قيمةً اقتصادية، وتمتد الآثار إلى أعلاف الثروة الحيوانية، والصناعات الزراعية-الغذائية، وفرص العمل في الريف.
ويضيف أن تراجُع الإنتاج يرفع الأسعار ويضغط على موازنات الأسر، ويزيد فاتورة الاستيراد في منطقة تستورد فيها دول عدة جل احتياجاتها الغذائية، كما تتفاقم هشاشة الأرياف وضغوط الهجرة.
ومع تراكُم هذه الضغوط، يشتد التنافس على تخصيص المياه محليًّا ودوليًّا في الأحواض المشتركة، بما قد يحول مفاضلات الماء والغذاء إلى نقاط اشتعال دبلوماسية أو بؤر قد تضخم توترات جيوسياسية أوسع.
يرى معدو التقرير أن السياسات التقليدية القائمة على إدارة الأزمات عبر حلول طارئة لم تعد مناسبةً في أنظمة دخلت فعليًّا في مرحلة الإفلاس المائي.
يقول بروزيين إن الانتقال إلى إدارة الإفلاس المائي يعني ”الإقرار بأن الندرة بنيوية وليست ظرفية“، والتعامل مع المياه باعتبارها ”ميزانية محدودة“ تحدد فيها الأولويات بوضوح، وتدار المفاضلات بشفافية وعدالة.
أما أسامة سلام، خبير إدارة الموارد المائية ونمذجة المياه الجوفية بهيئة البيئة- أبو ظبي، فيؤكد أن التأخر في هذا التحول يفاقم الخسائر غير القابلة للعكس، داعيًا إلى مسارات لتقليل الخسائر، تشمل تقليل الاستهلاك، وتوسيع إعادة استخدام المياه، والتحلية بالطاقة المتجددة، وإصلاح الحوكمة، وتحسين إدارة المياه الجوفية وتعزيز التعاون على الأحواض المشتركة.
يخلص التقرير إلى أن الاعتراف بحالة الإفلاس المائي ”ليس استسلامًا“، بل “نقطة انطلاق ”لوضع أجندة أكثر واقعيةً واستنادًا إلى العلم والعدالة، تهدف إلى منع مزيد من تآكل رأس المال المائي المتبقي“.
** شارك عادل فاخر، مراسل SciDev.Net في العراق، بالتصريحات التي تتناول الحالة العراقية.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا