Skip to content

13/05/26

أمطار الهلال الخصيب لا تعني تحول مناخه إلى رطوبة أكثر

tigris_baghdad_996x567
نهر دجلة في بغداد بعد أمطار غزيرة رفعت الخزين المائي وأنعشت بعض السدود العراقية. حقوق الصورة:Adel Fakhir/ SciDev.Net

نقاط للقراءة السريعة

  • دول حوض نهري دجلة والفرات تشهد أمطارًا وسيولًا
  • الآثار تتأرجح بين الإيجابية والسلبية
  • تعكس مناخًا أكثر تطرفًا

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[بغداد – القاهرة، SciDev.Net] أغاثت السماء دول الهلال الخصيب بأمطار كثيفة وسيول، رفعت مناسيب الأنهار وأنعشت بعض السدود والخزانات، بعد جفافٍ احتد ومياهٍ شحت.

لكن الأمطار التي هطلت بوفرة على سوريا والعراق وإيران، خلَّفت أيضًا شيئًا من أضرار وخسائر زراعية.

وحذر خبراء من أن هذه الوفرة لا تعني نهاية الجفاف في مهد الحضارات القديمة، بقدر ما تعكس نمطًا مناخيًّا أكثر تقلبًا وتطرفًا.

وكانت تقارير أممية قد حذرت من ’إفلاس مائي يهدد دولًا بالمنطقة، بعد سنوات من الجفاف وتدهور الموارد المائية.

الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة لا يمكن فصلها عن تذبذبات مناخية واسعة النطاق تتحكم في حركة الرطوبة والعواصف بالشرق الأوسط، وتؤثر دوريًّا على فرص الجفاف أو الوفرة المطرية في العراق ودول الجوار، وفق عقيل غازي مطر، أستاذ مساعد في قسم علوم الجو بكلية العلوم بالجامعة المستنصرية في بغداد.

ويوضح مطر أن تحول ظاهرتي ’النينيو-اللانينيا‘ في المحيط الهادئ من المرحلة الباردة إلى الوضع المحايد منذ مطلع العام الجاري، ساعد على تدفق رطوبة أكبر من المناطق المدارية نحو المنطقة، ما هيأ الظروف لهطولات أكثر كثافةً خلال الموسم المطري الحالي.

وأضاف للشبكة أن بعض الدراسات تشير إلى احتمال تزايُد الأمطار المفاجئة والعنيفة مستقبلًا بالتزامن مع ارتفاع حرارة المياه في جنوب البحر الأحمر والمحيط الهندي، بما قد يعزز شدة الاضطرابات الجوية.

ولا يتعارض تزايُد حدة الأمطار مع استمرار الجفاف؛ إذ يؤدي الاحترار العالمي إلى زيادة تبخُّر المياه ورفع قدرة الغلاف الجوي على حمل الرطوبة، ما يجعل العواصف أكثر كثافة، خصوصًا في المناطق الجافة وشبه الجافة.

بالعراق، أسهمت وفرة الأمطار في رفع مناسيب نهري دجلة والفرات وزيادة الخزين المائي، بعد سنوات من تراجُع الإيرادات المائية، ما انعكس على امتلاء عدد من السدود ودعم الخطط الزراعية وتحسين إمدادات المياه.

ووفق المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية، خالد شمال، فإن الأمطار التي هطلت خلال الموسم الشتوي وبداية الربيع جاءت أعلى من المعدلات الطبيعية.

”حوض نهر دجلة كان الأكثر استفادة، خاصةً في روافده الشرقية مثل الزاب الأعلى والزاب الأسفل، حيث أسهمت الإيرادات المائية في شحن المياه الجوفية وتحسين البيئة الزراعية والأهوار“.

وقال شمال لشبكة SciDev.Net: ”الخزين المائي تجاوز 20 مليار متر مكعب، أي ما يعادل ضعف الخزين المسجل خلال السنوات السابقة“.

”واقتربت معظم السدود الرئيسة -مثل سد الموصل ودوكان والعظيم وحمرين- من مستوياتها التشغيلية، بينما لا يزال سد حديثة بحاجة إلى كميات إضافية بسبب انخفاض إيرادات نهر الفرات“.

وإذ تقل إيرادات الفرات عن المطلوب، اتخذت الوزارة إجراءات تشغيلية لتغذية النهر عبر تحويل المياه إليه من نهر دجلة باستخدام القناة الإروائية، والضخ من بحيرة الثرثار، لدعم الإمدادات المائية بالمناطق الغربية والوسطى من البلاد.

وتوقع عادل المختار -مستشار لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي سابقًا- استمرار ارتفاع الخزين المائي ليصل إلى نحو 25 مليار متر مكعب، مدفوعًا بوفرة الأمطار وزيادة الإيرادات المائية القادمة من تركيا.

”الموسم الحالي يُعد ثاني أغزر موسم مطري يشهده العراق خلال العقد الأخير بعد عام 2019“.

وأوضح المختار للشبكة أن ”وفرة المياه الحالية قد تسهم في توسيع الرقعة الزراعية مقارنةً بالسنوات السابقة التي شهدت تقليصًا للمساحات المزروعة بسبب شح المياه“، داعيًا في الوقت نفسه إلى اعتماد إدارة أكثر مرونةً لتوزيع المياه بين دجلة والفرات، بما يحسِّن الاستفادة من الخزين المائي ويحد من التلوث.

واعتبر المختار أن الأضرار التي لحقت ببعض المناطق في العراق من جرَّاء السيول ”ليست كبيرة قياسًا بحجم الوفرة المائية“، منوهًا بإمكانية تعويض المزارعين المتضررين عبر لجان حكومية.

لكن الصورة في إيران بدت أكثر تعقيدًا، إذ ترافقت الأمطار الغزيرة مع خسائر واسعة في القطاع الزراعي وأضرار بالبنية التحتية في محافظات عدة، بينها خراسان الجنوبية ولورستان وإيلام، وفق تقارير وكالات أنباء إيرانية رسمية.

ذكرت وكالةإرنا أن السيول التي ضربت خراسان الجنوبية، تسببت في خسائر كبيرة كان الجزء الأكبر منها في الطرق الريفية، حيث تضرر أكثر من 1800 هكتار من الأراضي الزراعية ونحو 5000 هكتار من البساتين، إضافةً إلى أضرار واسعة في الجسور.

وفي محافظة لورستان، أدت الأمطار الغزيرة إلى إغلاق طرق تربط عشرات القرى، في حين تحدثت وكالة الطلبية الإيرانيةإسنا عن عمليات إغاثة نفذتها فرق الهلال الأحمر في محافظة إيلام بعد غمر المياه عددًا من الأراضي الزراعية.

ورغم هذه الأمطار، لا تزال أزمة المياه في العاصمة طهران قائمة.

ففي تصريحات للمتحدث باسم شركة مياه الشرب والصرف الصحي في محافظة طهران، نقلتها وكالة الأنباء الإیرانیة ’إلنا‘، أفاد بهنام بخشي بأن معدل الأمطار المسجل منذ بداية الموسم المائي بلغ 166.2 ملم، ”بزيادة 17% مقارنةً بالعام الماضي، لكنه لا يزال أقل بنحو 35% من المعدلات طويلة الأجل“.

والسدود الخمسة الرئيسة المغذية للعاصمة لم تتجاوز حتى أوائل مايو 18% من طاقتها التخزينية، بعجز يقدر بنحو 364 مليون متر مكعب مقارنةً بالمتوسط التاريخي.

وأكد بخشي أن ”الأمطار الأخيرة لم تتمكن من التغلُّب على الجفاف المتراكم خلال السنوات السابقة“، مشيرًا إلى أن سد ’لار‘ هو الأشد تضرُّرًا بنسبة امتلاء لم تتجاوز 4%.

وفي تعليقه على هذه المؤشرات، قال أحمد قناوي، أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة المنصورة في مصر: إن الأمطار ”أخرت تفاقم الأزمة قليلًا، وساعدت في بدء تعافٍ محدود مع انتظار ذوبان الثلوج، لكنها لم تعوض أثر خمس سنوات متتالية من الجفاف على المياه السطحية والجوفية“.

وأوضح  أن الأمطار الغزيرة التي شهدتها إيران خلال ربيع 2026 ”غير عادية إلى حدٍّ كبير، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها جزءًا من تقلبات فصلية معتادة“، وفق قناوي، الباحث المتخصص في الجغرافيا المناخية.

ما يجعل هذه الموجة لافتة -على حد وصف قناوي- ليس توقيتها فحسب، بل شدة الهطول واتساع نطاق تأثيره، مضيفًا أن بعض المناطق الإيرانية باتت أكثر تعرضًا للتقلبات الحادة؛ ”أمطار أقل انتظامًا، لكنها تكون أحيانًا أشد خطورة“.

وفي سوريا، تحدثت تقارير محلية ودولية عن غمر أراضٍ زراعية وتضرُّر طرق وبنية تحتية بعد انهيارات جزئية في سدود ترابية بريف حلب، وكذا سد ’السيحة‘ في ريف إدلب، وفق وكالة سانا السورية وتقارير مصورة لوكالة رويترز.

لذا يرى قناوي، أن الآثار في سوريا تميل إلى السلبية أكثر من غيرها؛ لأن الفيضانات ”تضرب مناطق زراعية هشة أصلًا، وتزيد من صعوبة الوصول إلى الأسواق والخدمات“.

وأضاف قناوي لشبكة SciDev.Net أن النمط الحالي للأمطار في المنطقة لا يعكس تحولًا نحو مناخ أكثر رطوبة، بقدر ما يشير إلى تصاعد التقلُّبات الحادة.

وأوضح: ”الجفاف السابق لا يتناقض مع حدوث الفيضانات، بل قد يزيدها خطورة؛ لأن التربة الجافة والمتدهورة تمتص المياه بدرجة أقل، فتتحول الأمطار المفاجئة بسرعة إلى جريان سطحي وسيول“.

هذه الأمطار قد توفر فوائد مؤقتة، ”لكنها تظل محدودة بسبب عدم انتظام الهطول وتركيزه خلال مدد قصيرة وعنيفة“، وفق قناوي.

وحذر من أن التأثيرات السلبية غالبًا ما تكون أكثر وضوحًا؛ إذ يمكن للفيضانات السريعة أن تغمر الأراضي الزراعية وتتلف المحاصيل وتجرف التربة وتدمر قنوات الري والطرق، خاصةً إذا جاءت قرب مواسم الحصاد أو خلال مراحل حساسة من نمو المحاصيل.

من جانبه، قال أمير أغاكوشاك -أستاذ الهندسة المدنية والبيئية بجامعة كاليفورنيا في إيرفاين- لشبكة SciDev.Net: إن الأمطار الأخيرة في إيران كانت ”أحداثًا هيدرومناخية مهمة“، لكنها ”ليست بالضرورة خارج النطاق التاريخي للتغيرات المناخية الطبيعي“.

وأوضح أن اجتماع الجفاف والفيضانات في الوقت نفسه يُعدُّ سمةً متكررةً في البيئات الجافة وشبه الجافة، موضحًا أن ”فترات الجفاف الطويلة قد تتبعها نوبات قصيرة من الأمطار العنيفة دون أن يعني ذلك انتهاء أزمة المياه“.

وأضاف أغاكوشاك أن عددًا قليلًا من العواصف قصيرة الأمد لا يمكنه بالضرورة أن يعكس آثار الجفاف طويل الأمد، أو إعادة تغذية المياه الجوفية المستنزفة، خاصةً في المناطق التي تجاوزت فيها معدلات السحب قدرة الطبيعة على التعويض.

واختتم أغاكوشاك بأن التعامل مع هذا النمط المناخي يتطلب ”إدارةً قادرةً على مواجهة النقيضين معًا“؛ الجفاف والفيضانات، عبر تحسين البنية التحتية للسيطرة على السيول، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وترشيد استهلاك المياه على المدى الطويل.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا