Skip to content

28/11/25

ولى موسم حرائق الغابات بالجزائر.. فدهمتها بعد أوانه

resized_fire1_
مساحات واسعة من الغابات احترقت وتركت أرضًا سوداء هشّة، تكشف أثر موجة الحرائق المتأخرة التي ضربت شمال الجزائر. حقوق الصورة:Riad Mazouzi/ SciDev.Net

نقاط للقراءة السريعة

  • التغير أو ’الاضطراب‘ المناخي يدهم غابات الجزائر باندلاع النيران فيها رغم انصرام شهر أكتوبر، الذي يؤذن برحيل موسم الحرائق
  • في غمرة الفرحة بنجاح أضخم حملة تشجير في تاريخ الجزائر بغرس مليون شجرة في يوم واحد، باغتت الحرائق 8 ولايات
  • تحسُّن نسبي في جاهزية منظومة الإطفاء مقارنةً بالسنوات السابقة التي شهدت خسائر بشريةً وماديةً كبيرة

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[الجزائر، SciDev.Net] في وقت آن للجزائر أن تستريح من عناء مكافحة حرائق الغابات مع نهاية أكتوبر الماضي، وتوديع موسمها الذي يبدأ شهر مايو من العام، دهمت موجة حرائق واسعة ثماني ولايات في منتصف نوفمبر.

وفي غمرة الاحتفاء بنجاح أضخم حملة تشجير في تاريخ البلاد، والفرح بغرس مليون شجرة في يوم واحد، اندلعت الحرائق وسط موجة حر غير معتادة ورياح جنوبية جافة أعادت أجواء الصيف إلى شمال البلاد، الذي تركَّز اشتعال النيران فيه.

ولاية تيبازة (100 كلم غرب العاصمة) هي الأشد تضررًا، إذ أتت النيران على ما لايقل عن 191 هكتارًا من الغابات والأشجار المثمرة، وامتد أثرها إلى العاصمة ومناطق مجاورة، ظلَّلتها سحب كثيفة من الدخان، وأُجليت عائلات من منازلها باقتراب ألسنة اللهب من التجمعات السكانية.

وسُجلت بؤر حرائق متزامنة في ولايات شمالية أخرى بينها الجزائر العاصمة والبليدة وبومرداس وتيزي وزو وبجاية، دون أن تُعلن بعد حصيلة رسمية مفصلة لحجم الأضرار فيها، بينما تواصل السلطات تقييم الخسائر.

هذه الموجة المتأخرة من الحرائق، التي جاءت بعد أسابيع فقط من أمطار سبتمبر، تعيد طرح أسئلة حول مدى موسم الحرائق في الجزائر، إذ سُجلت بالأعوام الماضية حرائق خلال شهر نوفمبر في عدد من الولايات.

هل هي مجرد نذير بامتداد الموسم خارج إطاره الزمنى المعهود؟ أم أنها مؤشر على تحول كبير في نمط المناخ بمنطقة غرب المتوسط؟

الخبير البيئي عبد القادر خليفة، يرى أن السبب الرئيس في اتساع رقعة الحرائق كان الاضطراب المناخي؛ فخلال الأسابيع الأولى من سبتمبر، شهدت الجزائر تساقط أمطار أنمت حشائش إستبسية قصيرة سرعان ما جفت بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة كثيرًا، بمطلع نوفمبر.

كما أسهمت رياح ’الشهيلي‘ -التي تهب من الصحراء الكبرى نحو شمال البلاد- في تسريع انتشار النيران وتوسيع نطاق المساحات المحترقة.

جدير بالذكر أن الرياح الجنوبية الشرقية الفصلية المذكورة تتسم بالحرارة والجفاف، وتهب محملةً بآلاف الأطنان من الرمال، وهي رياح تُعرف أيضًا باسم ’السيروكو‘، و’القبلي‘ في ليبيا والسودان، و’الشلوق‘ في تونس وفلسطين، و’الشرقي‘ في المغرب، و’الخماسين‘ في مصر، و’الطوز‘ في دول الخليج العربي والعراق.

يوضح خليفة أن الاضطرابات المناخية -كما يحبذ وصفها- كان لها أثر سلبي واضح خلال العقدين الماضيين بالجزائر، ”إذ امتدت مدد الجفاف من معدل شهرين سنويًّا إلى ثمانية أشهر في بعض المناطق“.

ومن منظور أرحب، فإن نور الدين موحلي -مدير المعهد الوطني للأبحاث الغابية في سطيف- يرى أن ما تشهده الجزائر لا يمكن فصله عن التحولات المناخية الأوسع التي تعرو حوض البحر المتوسط، حيث سُجلت خلال المدة نفسها حرائق مشابهة في إسبانيا وإيطاليا وتركيا والمغرب.

يقول موحلي لشبكة SciDev.Net: ”الحرائق الأخيرة اتسعت بفعل مزيج من العوامل المناخية المتطرفة، تشمل الاحترار العالمي، وتراجُع التساقُط المطري، وهبوب رياح جنوبية ساخنة وعالية السرعة“.

ويشرح موحلي أن الغطاء النباتي في هذه الظروف يواجه ”إجهادًا مائيًّا“ حادًّا، إذ تفقد النباتات كمياتٍ كبيرةً من المياه بالنتح في محاولة للحفاظ على اتزانها الحراري، ما يؤدي إلى جفاف سريع يجعل الحشائش والأغصان الجافة ”وقودًا مثاليًّا للحرائق“ حتى بعد أشهر الصيف.

وإلى جانب الانحدارات الوعرة في شمال البلاد، كما يضيف موحلي، فإن الجفاف المتكرر أدى خلال السنوات الأخيرة إلى تعرية التربة وتغيُّر بنيتها، وهلاك الكائنات الدقيقة التي تحافظ على تماسكها، ما جعل الغابات أكثر هشاشةً وقابليةً للاشتعال عند أبسط شرارة.

ولا يستبعد موحلي الدور البشري في تفاقم الوضع، لافتًا إلى أن وقت اندلاع الحرائق تزامن مع موسم جني الزيتون، إذ يعمل الأهالي على تقليم الأشجار وحرق الأغصان، وهي ممارسات قد يؤدي أي انفلات بسيط خلالها إلى اشتعال حريق واسع.

ويرى خليفة أن مكافحة التصحر في مناطق الهضاب العليا والولايات الداخلية تُعد بابًا من أبواب النجاة؛ لكونها عاملًا حاسمًا في الحد من تفاقُم الجفاف وتحسين قدرة الغابات على الصمود أمام الحرائق، بعدما أدى زحف الرمال خلال العقود الماضية إلى تقلُّص الغطاء النباتي وتضرُّر مساحات شاسعة من مشروع ’السد الأخضر‘.

أما عز الدين حمزي، رئيس جمعية حماية البيئة والتنمية المستدامة في ولاية سطيف شرق الجزائر، فيعتبر أن حملات التشجير تمثل خطوةً ضروريةً لتعويض ما تخسره الغابات خلال مواسم الحرائق، مشيرًا إلى حملة غرس مليون شجرة التي أُطلقت في أكتوبر 2025.

لكنه يؤكد أن نجاح هذه الجهود يتطلب ”الاستمرارية، بالإضافة إلى التدخُّل العاجل والآنيِّ في حال اندلاع الحرائق لتقليل الخسائر“.

وعلى مستوى الوقاية، مددت السلطات مدة مكافحة الحرائق لتبدأ من مطلع مايو بدلًا من يونيو، إلى جانب إنشاء لجان وطنية لحماية الغابات تضم ممثلين عن الوزارات المختلفة، بالإضافة إلى لجان على مستوى الولايات والدوائر والبلديات، تتكفل سنويًّا بالتحضير لحملة مكافحة الحرائق وتنفيذها، وفق تصريح مدير حماية النباتات والحيوانات بالمديرية العامة للغابات بالجزائر، سعيد سي علي، لشبكة SciDev.Net.

وعلى صعيد الاستجابة الميدانية، عززت الجزائر هذا العام قدراتها الجوية عبر إطلاق جهاز جوي مخصص لمكافحة الحرائق بإشراف مباشر من وزارة الداخلية، يضم 12 طائرة مستأجرة قاذفة للمياه من نوع AT 802، وست مروحيات، بالإضافة إلى طائرتي استطلاع، ووسائل دعم تابعة للوحدات الجوية تابعة للجيش، وُضعت هذه الوسائل في حالة تأهُّب دائم لضمان وجود مراقبة مستمرة وتدخلات سريعة على كامل الولايات.

يُذكر أن طائرة إير تراكتور 802 الأمريكية مصممة في الأصل لرش المحاصيل الزراعية، ويمكن أيضًا أن تُستخدم لمكافحة الحرائق، وطُورت للاستخدام العسكري كذلك.

وخلال موجة الحرائق الأخيرة تم تسخير طائرتين من نوع AT 802، وأربع مروحيات تابعة لجهاز الحماية المدنية، إضافةً الى مروحيات تابعة للجيش، ما مكَّن من السيطرة على الحرائق في غضون 48 ساعة، في مؤشر على تحسُّن نسبي في جاهزية منظومة الإطفاء مقارنةً بالسنوات السابقة التي شهدت خسائر بشرية ومادية كبيرة.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا