Skip to content

14/10/25

’الأوف تيك‘.. عقبة في طريق الهيدروجين الأخضر العربي

IMG-20251007-WA0023_resized_996x567
جواد الخراز خلال إحدى جلسات منتدى القاهرة الإقليمي 2025 حول تمويل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. حقوق الصورة:Amr Rageh/ SciDev.Net

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة، SciDev.Net] في إحدى قاعات ’منتدى القاهرة الإقليمي 2025 لتمويل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا‘، تكررت أمامي كلمة غريبة لم أفهمها في البداية: ’أوف تيك‘.

تُكتب (Off-take) يا سادة، وتُنطق كما قرأتموها بالعربية عاليه، كلمة بدت ثقيلة، تتردد على ألسنة الخبراء كأنها مفتاح لمعضلة معقدة.

ظننت -لجهلي- أنها أحد أنواع التحفيز المطلوب تقديمه للمشروعات في دول المنطقة، لكنها كانت -في الحقيقة- العقبة الأهم التي تعرقل تحقيق حلم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا في تصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا.

كانت جلسات المنتدى -الذي انعقد في الفترة من 17- 18 سبتمبر الماضي بجامعة النيل في مصر- منصةً لتعزيز الاستثمار في الهيدروجين الأخضر ومناقشة فرص المنطقة في تحقيق مكاسب اقتصادية عن طريق التصدير إلى أوروبا التي تخطط لخفض انبعاثاتها الكربونية بحلول العام 2050 بالاعتماد على هذا الوقود النظيف.

في المقابل، لا تملك القارة العجوز مصادر كافية للطاقة النظيفة المُسْتَخدَمة في توليد هذا الهيدروجين، مثل الطاقة الشمسية، لإنتاجه عبر التحليل الكهربي للماء، وهي الموارد التي تمتلكها دول منطقتنا بوفرة، ما يجعلها مرشحةً لتكون ’مصدر الهيدروجين النظيف للعالم‘، ما يدفع مختلِف دول المنطقة إلى إبرام عقود تصدير مع الدول الأوروبية لتحقيق المنفعة المشتركة.

 إلا أن منتدى القاهرة كشف عن عائق مهم: ’عقدة الأوف تيك‘.

شرح لي أحد المسؤولين -في حديث جانبي غير رسمي نظرًا لقواعد النشر التي تتبعها مؤسسته- تفاصيل مشكلة ’الأوف تيك‘، موضحًا أنه ببساطة ”عقد طويل الأجل بين الدول المنتجة للهيدروجين الأخضر، وتلك المستوردة له“.

وأضاف: ”هذا العقد يضمن أن تشتري الدول المُستورِدة كمًّا معينًا من الهيدروجين الأخضر لمدة محددة من السنوات، وللأسف غالبًا ما تماطل تلك الدول قبل توقيع هذه الوثيقة، ما يعرقل موافقة الجهات التمويلية -خاصةً البنوك- على تمويل مشروعات إنتاج الهيدروجين“.

ويعود سبب صعوبة توقيع هذه الاتفاقيات إلى عوامل سياسية -وفق المسؤول- وأخرى اقتصادية، إذ تتجنب دول أوروبا الاستثمار في مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ نظرًا لارتفاع تكلفة إنتاجه مقارنةً بتكلفة الحصول على الوقود الأحفوري التقليدي.

وفي جلسة تالية لفت انتباهي تجربة المغرب في هذ المجال، ما دفعني إلى التواصل مع الخبير المغربي جواد الخراز، أحد المتحدثين خلال جلسات المنتدى، وهو المؤسس والمدير التنفيذي لشبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، وهي شبكة استشارية متخصصة في مجالات المياه والطاقة والمناخ، تُعنى بتطوير المشروعات والبحوث والسياسات المرتبطة بها.

يرى الخراز أن عقود ’الأوف تيك‘ تحدٍّ حقيقي أمام إتمام مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر، ويقول لشبكة SciDev.Net: ”غالبًا ما ترفض الدول التي تحتاج إلى الهيدروجين الأخضر في أوروبا وآسيا الالتزام بتلك العقود، إلا إذا كانت التكلفة النهائية تنافسية مع الوقود الأحفوري، والدليل نجاح نحو 20% فقط من المشروعات المعلنة خلال عامي 2024 و2025 في تأمين هذه الاتفاقيات“.

ومع ذلك، لا يبدو المشهد قاتمًا بالكامل، فلا تزال أوروبا حريصةً على الاستثمار في الطاقة النظيفة، ”أصبحت الشهادات البيئية مثل (سي بام) شرطًا أساسيًّا للاستيراد في دول الاتحاد الأوروبي، ما يجعل الهيدروجين الأخضر النقي عنصرًا مطلوبًا على المدى الطويل“.

’سي بام‘ (CBAM)، أو تعديل الكربون على الحدود، هي آلية جديدة اعتمدها الاتحاد الأوروبي لضمان أن تراعي السلع المستوردة المعايير البيئية المفروضة على المنتجات الأوروبية نفسها.

فمن خلال فرض رسوم على الواردات كثيفة الانبعاثات، يسعى الاتحاد إلى تحقيق عدالة في المنافسة التجارية وتشجيع التحول العالمي نحو الإنتاج منخفض الكربون.

لكن هل يُمْكِن تخطي عقبة ’الأوف تيك‘ الحالية؟ يرد الخراز بالإيجاب، مقدمًا نوعين من الحلول: حل ’بحثي‘ يسهم في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، وآخر ’اقتصادي‘ يعزز التعاون بين المُصَدِّر والمستورد.

هذان الحلان يؤديان -بالضرورة- إلى تشجيع دول أوروبا على توقيع اتفاقيات الأوفتيك التمويلية.

المسار العلمي يبدأ من المختبر، يقول الخراز: ”لا بد من إجراء الدراسات البحثية الساعية إلى خفض كلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، ومن الضروري إطلاق مشروعات تجريبية لاختبار نتائج الأبحاث والابتكارات، ما يسهم في إسراع التحول من المختبر إلى السوق خلال أعوام قليلة“.

على سبيل المثال، ”الشراكة الألمانية مع الجزائر في مصنع تجريبي بقوة إنتاج 50 ميجاواط، ومع تونس لبناء المركز التونسي-البافاري للتكنولوجيا والابتكار في الهيدروجين الأخضر“.

أما عن الحلول الاقتصادية، فيقترح الخراز ”تسجيل مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر تحت بند التكيف المناخي“؛ فذلك ”يسهم في الوصول إلى صناديق تمويلية مثل (صندوق المناخ الأخضر)، ما قد يغطي نحو 20% إلى 40% من تكاليف الإنتاج الأولية، ويجذب المستوردين الأوروبيين“.

كذلك يقترح اتِّباع نهج متطور يطلق عليه اسم ’ integrated off-take‘ (الأوف تيك المتكامل)، ويعني جعل المستورد شريكًا في تمويل مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر، وضرب مثلًا بمشروع سلطنة عمان للهيدروجين السائل.

مع نهاية المنتدى، أدركت أن ’الأوف تيك‘ ليس مجرد ورقة تفاوض، بل مرآة تعكس الصلة بين العلم والاقتصاد والسياسة، لقد قدَّم هذا المنتدى درسًا مهمًّا لكل الباحثين في مجال الطاقة والبيئة: رغم دور العلوم في حل مشكلات البشر، يحتاج الباحثون -على الدوام- إلى وضع ’التكلفة النهائية‘ للمشروعات نصب أعينهم؛ لضمان استدامتها وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا