07/09/26
’إل نينيو‘ تقتضي دعم الرعاة
كتب: غويو روبا
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[نيروبي، SciDev.Net] بينما كانت فعاليات قمة الأمم المتحدة ’كوب 17‘ توالي الانعقاد في منغوليا، وهي تصب تركيزها على مكافحة التصحر وإيقاف تدهور الأراضي، ثمة اجتماع آخر كان قد انعقد بالفعل، ربما كان هو الأقرب اتصالًا والأشد أهميةً من حيث العواقب.
ففي وقت سابق من شهر أغسطس، اجتمع نحو 300 ممثل عن جماعات البدو، وشعوب الرعاة الرحل من 102 من البلدان في أولان باتور، عاصمة منغوليا؛ لصياغة إعلان مشترك حول السياسات اللازمة لاستدامة المراعي وسبل العيش الرعوية.
تغطي المراعي أكثر من نصف مساحة اليابسة في العالم، وتؤدي دورًا حاسمًا في تنظيم المياه، وعزل الكربون، ودعم سبل عيش 500 مليون راعٍ في العالم.
وهناك مليارات من البشر في شتى بقاع العالم يعتمدون على منتجات المراعي، بدءًا من الأغذية ذات المصدر الحيواني وصولًا إلى الجلود والمنسوجات، فضلًا عن المياه والمعادن والوقود والأخشاب.
توقيت هذه الأحداث والفعاليات يُعدّ بالغ الأهمية.. لمَ؟
لأن قوة ظاهرة إل نينيو تتزايد بوتيرة متسارعة، وأحدث التوقعات تشير إلى احتمال -تزيد نسبته على 90%– حدوث ظاهرة إل نينيو قوية جدًّا خلال فصلي الخريف والشتاء من عام 2026-2027 في نصف الكرة الشمالي، وثمة فرصة كبيرة لأن تحتل هذه الظاهرة رتبةً ضمن أقوى الظواهر المسجلة منذ عام 1950.
وبطبيعة الحال، ستُغيّر ظاهرة إل نينيو أنماط هطول المطر ودرجات الحرارة في جميع أنحاء العالم، مما يزيد من خطر الجفاف في بعض المناطق ويجلب أمطارًا غزيرةً إلى مناطق أخرى.
هنا مربط الفرس؛ فبالنسبة للرعاة، لا تُعدّ هذه مجرد توقعات مناخية نظرية، وإنما محددات تفصل في مسألة: هل سيكون هناك كلأ للماشية، وماء للقطعان، وسبيل صالحة يمكن أن تُسلك في حال جفاف أحد المراعي.
إل نينيو آتية في وقتٍ يزيد فيه تغيُّر المناخ بالفعل من صعوبة إدارة موجات الحر الشديدة والجفاف وتقلُّبات هطول الأمطار.
والأبحاث من شرق أفريقيا تُظهر أن الرعاة يتكيفون بالفعل مع هذه التغيُّرات من خلال تعديل مسارات تنقُّلهم، وتشكيلات قطعانهم، وزراعة الأعلاف في المراعي التي ينزلونها.
بصفتي نشأت في مجتمع بورانا الرعوي في شمال كينيا، أُكنّ تقديرًا خاصًّا لقيمة هذه الأرض، وللجهود الدؤوبة التي تبذلها المجتمعات المُمثلة في الملتقى العالمي للرعاة من أجل الحفاظ عليها.
مع ذلك، أيضًا أعرف بداهةً حجم التحديات التي يواجهونها، وحالة أراضيهم؛ فعلى مدى أجيال، قيّدت سياسات الدولة حركة الرعاة الموسمية، وخصخصت المراعي المشاع سعيًا وراء الربح، لطالما همّشتنا الحكومات، إذ اعتبرت أنماط الحياة البدوية متخلفة، وفضّلت عليها الزراعة المستقرة أو الاستخدام التجاري للأراضي عوضًا عنها.
اليوم، ونتيجةً لمثل تلك السياسات، تدهور ما يصل إلى نصف المراعي في العالم، هذه الأراضي تُنتج 16% من الإنتاج الغذائي العالمي، ويُقدّر أنها تحتوي على ما يصل إلى 30% من كربون الأرض المُخزّن.
لكن، لم يفت الأوان بعد، والأمل ما زال موجودًا، وبفضل الدعم القانوني والمالي والفني المناسب، يستطيع الرعاة إعادة الحياة إلى هذه الأراضي.
للرعاة خبرة متوارثة عبر الأجيال حول هذه الأرض: نحن نعرف متى ننقل القطعان، وأي المراعي تحتاج إلى الراحة، وكيف نقرأ المشهد إذا كانت الأرض تحت ضغط في ظل الظروف الصعبة، إن تنقلاتنا الموسمية -أو ’التنقل‘- ليست من مخلفات الماضي، بل هي دربة وحنكة تساعد الغطاء النباتي على التعافي أسرع، وتحافظ على صحة التربة، وتثبت الكربون المخزون بالأرض.
ولقد تعلمت منغوليا هذا الدرس بطريقة قاسية، نعم، التجربة المرة عركت الدولة المضيفة لقمة ’كوب 17‘، القمة المنعقدة بشأن الأرض؛ فقد أدى تجاهُل الرعاة لعقود، والرعي الجائر الذي أضر بالسهوب الهشة، ومنح تراخيص التعدين بلا قيد، ومد شبكات الطرق غير المعبدة، إلى تفاقُم تآكل التربة السطحية واستفحال تدهوُرها.
بيد أنه لما تخلت الحكومة عن تنظيمها الذي كان ينزل من أعلى إلى أسفل، وسلمت الأمر لمجموعات الرعاة المحليين، ومكَّنتهم في الأرض مجددًا، ومنحتهم عقودًا طويلة الأجل لإدارة مراعيهم بأنفسهم؛ ليستطيعوا فرض التنقُّل الموسمي على نحوٍ جماعي، وتحقيق التوازن بين أحجام القطعان وقدرة الأرض على التحمُّل، كانت النتيجة مبهرة.
ففي حين أشار أول تقرير عن صحة المراعي في منغوليا، الصادر في مايو 2015، إلى تدهور 65% من المراعي، كشف التقرير التالي لعام 2018 عن انخفاض نسبة المراعي المتدهورة إلى 57%، وأظهر تقرير ثالث في عام 2022 انخفاض نسبة المراعي المتدهورة بشدة إلى النصف تقريبًا، من 10.2% إلى 6.6%.
إذًا، إذا كانت الإدارة التشاركية للمراعي فعّالة جدًّا في استصلاحها، فلماذا لا تحظى بمزيد من التمويل والدعم؟ والجواب يكمن في نقص الوعي وقلة الفهم.
لبيان المراد، نذكر أن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تتابع الغطاء الحرجي العالمي منذ أربعينيات القرن الماضي، ويُقدّم مرصد الغابات العالمي رصدًا شبه فوري لتغيرات الغابات منذ عام 2014، وقد ساعدت أدوات البيانات الشفافة هذه في تأمين المليارات وتوفيرها من أجل تمويل قضايا المناخ والحفاظ على البيئة، من خلال تزويد الجهات المانحة بدليل ملموس على الأثر.
وثمة أداة موجودة بالفعل، تؤدي للمراعي الخدمة نفسها، وهي أطلس المراعي، لكن لم تتبلور أي حركة مماثلة في هذا الشأن، ولا تزال القيمة الحقيقية للمراعي غير مرئية للمستثمرين وصناع السياسات الذين بإمكانهم تمويل حمايتها.
ينبغي أن تكون قمة COP17 لحظةً يلتزم فيها العالم بردم هذه الفجوة من خلال بسط نطاق الأدوات المتاحة، والموجودة بالفعل، ومساندة رسم الخرائط التشاركية التي تضع الرعاة في صميمها.
ويبدأ سدّ الفجوة بين الالتزام والتنفيذ بربط التعهدات العالمية بالعمل المحلي.
للأسف، التعهدات نادرًا ما تصل إلى أرض الواقع دون تمويل وإرادة سياسية ورصد طويل الأمد لإثبات أثرها، وإقامة الحجة على جدواها، كانت شراكة الرياض العالمية لمواجهة الجفاف -التي أُطلقت في مؤتمر الأطراف السادس عشر- التزامًا طموحًا حقًّا، إذ جذبت أكثر من 12 مليار دولار أمريكي من التعهدات، لكن الطموح وحده لا يكفي لنقل الأموال إلى أرض الواقع، فلا يزال من العسير معرفة كم من هذا التمويل وصل لمَن عناه، أو المقدار الذي يبلغ منه المجتمعات المستهدفة.
إن ’كوب 17‘ يُتيح فرصةً للتعلُّم من الماضي وتحسين الأداء، والإعلان المشترك للتجمع العالمي للرعاة يُقدّم مباشرةً إلى مفاوضي مؤتمر الأطراف السابع عشر، ولسوف يتبين لنا ما إذا كان هذا الإعلان سيُترجم إلى التزامات حقيقية، أم يطويه النسيان، أو ما إذا كان هذا المؤتمر سيعامل الرعاة معاملة الشركاء، أم بوصفهم أمرًا ثانويًّا.
إنه لا ينبغي النظر إلى رعي الماشية والرعي البدوي على أنهما مشكلتان يجب حلهما، بل بحسبانهما من الفرص النادرة لتحقيق أهداف متعددة في آن واحد، وهي: استصلاح الأراضي، والحد من الفقر، وتأمين سلاسل الإمداد.
تحقيق هذه الإمكانية يبدأ بالوفاء بأمرين: تعزيز مؤسسات الرعاة وتقوية وضعهم القانوني، ثم اعتماد تمويل العمل المحلي مباشرةً بدلًا من التمويل عبر قنوات متعددة تُضعفه قبل وصوله.
ينبغي أن يُمثل مؤتمر الأطراف السابع عشر نقطة تحول حيث يُزوّد العالم الرعاة بالأدوات اللازمة، بحيث يتناسب الاستثمار مع ما يُمكنهم تحقيقه.
*غويو روبا، رئيس وحدة تنمية الأراضي الجافة، مركز إيغاد لتنمية المناطق الرعوية والثروة الحيوانية.
هذا الموضوع أُنتج عبر النسخة الدولية لشبكة SciDev.Net.