Skip to content

19/03/26

شر بيئي مستطير بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

resized_oil
تحذيرات من المخاطر الصحية الجمة للتلوث الناتج عن حرائق مستودعات ومصافي النفط في منطقة الخليج حقوق الصورة:Wim Zwijnenburg

نقاط للقراءة السريعة

  • البيئة ضحية للحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط
  • التكلفة البيئية باهظة وممتدة بسبب حرائق النفط
  • مخاطر التلوث عامة طامة على الجميع

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة، SciDev.Net] عاجلًا وآجلًا، ستُلحق الحرب الدائرة بمنطقة الخليج العربي أضرارًا بيئية، وتعم كذلك برًّا وبحرًا وجوًّا بشرق المتوسط، وستمتد آثارها السلبية على الجار والدار، وتتسع دوائر شرورها على البشر والحجر والشجر، ويطول أذاها صحة الحيوان كما الإنسان.

هذه بعض من التحذيرات المتواترة المتوالية التي يطلقها خبراء بيئة عن تلوث الهواء والماء والغذاء بمناطق القصف المتبادل منذ 28 فبراير الماضي على إثر الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وبسبب الرد الإيراني المستطير، مؤكدين أن عاقبة أمر الحرب ستكون خسرًا على الجميع، مَن شارك واحترب، ومَن لم يشارك.

وستتجاوز الخسارة المكان والزمان، وستبلغ المضرة باطن الأرض وجوف البحر، وستحيق كوارثها بالمنطقتين من جرَّاء الحرائق المندلعة في منشآت النفط والبنى التحتية الصناعية.

فقد استهدفت ضربات جوية منشآت طاقة ومستودعات وقود قرب طهران، بينما ردت إيران بقصف منشآت نفطية وقواعد عسكرية في دول خليجية تستضيف قوات أمريكية، ويقول الخبراء إن هذه الهجمات لا تقتصر آثارها على الخسائر المباشرة، بل تطلق أيضًا خليطًا معقدًا من الملوثات في الهواء والمياه والتربة قد تستمر آثاره سنوات، وربما عقودًا.

في السابع من مارس الجاري، أدت الغارات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة الإيرانية ومستودعات الوقود قرب طهران، إلى اندلاع حرائق كبيرة وانبعاث سحب كثيفة من الدخان الأسود فوق العاصمة، كما أفادت تقارير صحفية بأن الهجمات استهدفت مستودعات تخزين النفط وشبكات نقل الوقود في طهران ومحافظة البرز.

هذه كانت البداية، ثم انفرط عقد التدمير وتوالى اشتعال الحرائق بمنشآت النفط والغاز ومرافق الطاقة وبناها التحتية، لكن تصعيدًا خطيرًا اندلع عندما حل الأربعاء 18 الجاري، باستهداف حقل بارس ومصفاة عسلوية في إيران، التي بادرت بالرد، وظلت هجماتها إلى فجر الخميس مستهدفةً حقل ليفان بقطر وحقل باب ومنشآت حبشان بالإمارات، ومصفاة سمارف بالسعودية، ومحطة سي آيلاند بالكويت، ثم مصفاتي حقلي ميناءي الأحمدي وعبد الله. ونال القصف الإيراني من أكبر مصفاة نفط ومجمع بتروكيماويات لإسرائيل في حيفا شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة.

”أخطر ملوثات الحروب لا تنتج غالبًا من الذخائر نفسها، بل من المواد التي تصيبها هذه الضربات“، وفق ريتشارد ماركانتونيو، أستاذ البيئة والسلام والشؤون العالمية المساعد، بجامعة نوتردام الأمريكية.

يقول ماركانتونيو لشبكة SciDev.Net: ”هناك مجموعة واسعة من الملوثات يمكن أن تطلق خلال النزاعات، لا سيما نتيجة القصف وما يترتب عليه من إعادة توزيع للمواد، وفي كثير من الحالات لا يكون الخطر الرئيس من مكونات القنابل نفسها، بل مما تضربه هذه القنابل، فعلى سبيل المثال عندما تُدمر مبنى يحتوي على الأسبستوس أو تقصف مصفاة نفط وتندلع فيها حرائق واسعة، فإن هذه المواد هي التي تمثل في الغالب أكبر تهديد للصحة البشرية“.

يشرح علاء الدين السبيعي -مدير البحث والتطوير في شركة ’باسف‘ للمواد الكيميائية- أن ”الانفجارات واحتراق النفط يطلقان كمياتٍ كبيرةً من الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 10 و2.5 ميكرومتر، إضافة إلى الدخان الكربوني السام، وهي جسيمات قادرة على الوصول عميقًا إلى الرئة والدم“.

ويضيف السبيعي أن حرائق منشآت النفط تطلق غازات سامة مثل أكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون ومركبات عضوية خطرة، وهي ملوثات يمكن أن تنتشر إلى مسافات واسعة في الغلاف الجوي بفعل الرياح، ما يرفع مستويات التلوث في المناطق القريبة من مواقع القصف ويزيد مخاطر الأمراض التنفسية، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من المخاطر الصحية للتلوث الناتج عن حرائق مستودعات النفط في طهران، وقال المتحدث باسمها كريستيان ليندماير: إن ما وُصف بـ”المطر الأسود“ أو ”الأمطار الحمضية“ التي سُجلت بعد الضربات ”يمثل بالفعل خطرًا“ على السكان، في ظل إطلاق كميات كبيرة من الهيدروكربونات السامة وأكاسيد الكبريت والنيتروجين في الهواء.

التلوث لا يتوقف عند الهواء

وفق الخبراء، من الوارد أن تنتقل الملوثات الناتجة عن الانفجارات والحرائق إلى التربة والمياه السطحية والجوفية.

يؤكد ماركانتونيو أن تلوث التربة والمياه الجوفية يُعد من أخطر الآثار طويلة الأمد للحروب، إذ إن ”الملوثات الناتجة عن القصف أو الحرائق يمكن أن تتسرب إلى التربة وإلى طبقات المياه الجوفية، وقد تبقى في البيئة لمدد طويلة جدًّا إذا لم تُعالَج بعمليات تنظيف بيئي فعالة، مثل الترشيح أو الحرق وغيرها“.

”قد تستمر هذه الملوثات في البيئة لأجيال أو أكثر“، وفق ماركانتونيو.

يوضح السبيعي أن المنشآت النفطية تُعد من أخطر مصادر التلوث البيئي في أثناء الحروب، لأنها تجمع بين التلوث الهوائي الناتج عن الحرائق والتلوث المائي والترابي الناتج عن التسربات النفطية.

ويضيف: ”كما أن تسرب النفط إلى التربة أو المياه، يمكن أن يخفض مستويات الأكسجين في المياه، ما يؤدي إلى نفوق الأسماك والكائنات المائية، كما يُضعف خصوبة التربة ويؤثر في الكائنات الدقيقة الضرورية للحفاظ على توازنها البيولوجي“.

خطر إضافي يهدد محطات التحلية

في منطقة الخليج قد تتضاعف هذه المخاطر بسبب اعتماد الدول الكبير على تحلية مياه البحر لتأمين مياه الشرب.

يحذر عصام حجي -خبير الاستشعار من بُعد وعلوم الأرض في جامعة كاليفورنيا الجنوبية بالولايات المتحدة- من أن استهداف ناقلات النفط في عرض البحر قد يكون أكثر خطورةً من استهداف المنشآت على اليابسة.

ويوضح حجي -في مقطع فيديو نشره عبر منصة ’فيسبوك‘- أن استهداف ناقلات البترول غالبًا ما يؤدي إلى تسرب كميات كبيرة من النفط إلى مياه الخليج، إذ يمكن أن تنتقل بقع النفط بفعل الرياح والتيارات البحرية لتصل إلى مآخذ المياه الخاصة بمحطات التحلية.

ويضيف حجي أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تعطيل محطات التحلية أو التأثير في جودة المياه المنتجة، وهو ما يثير مخاوف من حدوث أزمة متزامنة في قطاعي المياه والطاقة في منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها من المياه.

يقول محمد داود، خبير المياه في هيئة البيئة -أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة: إن التلوث النفطي قد يؤثر مباشرةً في كفاءة محطات تحلية مياه البحر، خاصةً تلك التي تعتمد على تقنية التناضح العكسي باستخدام الأغشية شبه المنفذة.

ويوضح داود في حديثه للشبكة أن المركبات الهيدروكربونية قد تلتصق بالمرشحات والأغشية المستخدمة في هذه المحطات، ما يؤدي إلى انسدادها تدريجيًّا وانخفاض كفاءة تدفق المياه، إضافةً إلى زيادة الحاجة إلى عمليات التنظيف والصيانة.

كما قد يتسبب هذا التلوث في تراجُع إنتاجية المحطات وارتفاع استهلاك الطاقة، وقد تضطر بعض المنشآت في حالات التسربات الكبيرة إلى إيقاف تشغيل مآخذ المياه مؤقتًا لتجنُّب دخول النفط إلى أنظمة المعالجة.

تشير دراسة سابقة إلى أن التسربات النفطية الناتجة عن الحوادث البحرية أو الحروب في الخليج العربي يمكن أن تصل إلى مآخذ محطات التحلية خلال ساعات أو أيام فقط، تبعًا لاتجاه الرياح والتيارات البحرية.

آثار قد تستمر عقودًا

التأثير البيئي للحروب لا ينتهي مع توقف العمليات العسكرية، فبينما تتحسن جودة الهواء نسبيًّا بعد انحسار الحرائق، فإن الملوثات التي تترسب في التربة والمياه قد تبقى لسنوات أو حتى عقود.

في غزة، تشير تقديرات إلى أن إزالة عشرات ملايين الأطنان من الركام الناتج عن القصف قد تستغرق عقودًا، مع احتمال إطلاق آلاف الأطنان من الانبعاثات والملوثات خلال عملية التنظيف نفسها.

يشير السبيعي إلى أن مدة تعافي البيئة من التلوث تختلف وفقًا لنوع الملوث وكمية التسرب وطبيعة التربة أو النظام البيئي المتضرر، في بعض الحالات قد تنخفض مستويات الملوثات خلال أشهر أو بضع سنوات باستخدام تقنيات المعالجة الحيوية أو إزالة التربة الملوثة، لكن في حالات التلوث النفطي الثقيل أو عندما يصل التلوث إلى المياه الجوفية، قد يستغرق التعافي سنوات طويلة ويتطلب تدخلات بيئية معقدة وطويلة الأمد.

لذا، تتحتم مراقبة جودة الهواء والمياه باستخدام الأقمار الاصطناعية ومحطات الرصد الأرضية، وفقما يشير بانايوتيس كوزموبولوس، باحث أول في المرصد الوطني لأثينا باليونان.

وتصير المراقبة أمرًا بالغ الأهمية خلال النزاعات، و”يمكن أن تساعد الحكومات والهيئات الدولية في تقييم المخاطر على الصحة العامة والبنية التحتية الحيوية“، ومن ثم اتخاذ إجراءات للحد من آثار التلوث.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا