كتب: محمد السعيد
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] يُؤدي التنافس المحموم على المعادن اللازمة للطاقة النظيفة والتقنيات الرقمية إلى تلوث البيئة، وتهديد الحصول على المياه النظيفة، والإضرار بصحة بعض أفقر المجتمعات في العالم.
ووفق تقرير أصدره معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، فإن معادن الليثيوم والكوبالت والنيكل والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة -الضرورية للمركبات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي- صارت ”نفط القرن الحادي والعشرين“، وهي ضرورية للأمن الاقتصادي.
لكن معظم التكاليف البيئية والبشرية لاستخراج هذه الموارد يقع على عاتق المناطق التعدينية الأفقر، مثل أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بينما تذهب الفوائد في الغالب إلى الدول الصناعية، وفق التقرير، الذي أعده فريق بحث من المعهد، وقاده مديره كاوه مدني.
يقول ’مدني‘ لشبكة SciDev.Net: ”العالم يُكرر أخطاء عصر الوقود الأحفوري“.
ويقول: إن استخراج المعادن الحرجة يُصوَّر على أنه أمرٌ لا مفر منه لتحقيق التقدم، بينما يُنظر إلى استنزاف المياه والتلوث والآثار الصحية على أنها ”تضحيات مقبولة“.
ويُشير التقرير إلى أن الطلب على المعادن الحرجة تضاعف ثلاث مرات بين عامي 2010 و2023، وقد يتضاعف أكثر من مرتين بحلول عام 2030، ويتضاعف أربع مرات بحلول عام 2050.
وبحلول عام 2050، يمكن أن يرتفع الطلب على الليثيوم والجرافيت والكوبالت بنسبة تقارب 500% عن مستويات عام 2020، إذا اتخذ العالم إجراءات للحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 أو درجتين مئويتين.
أحد علماء المعهد، والمؤلف الرئيس للتقرير، أبراهام نونبوجو، يقول: إن التقنيات المرتبطة بالاستدامة ”أعادت إنتاج أنماط الاستغلال القديمة بهدوء“، مما أدى إلى ظهور ”مناطق تضحية“ جديدة في المناطق الهشة.
وقال نونبوجو لشبكة SciDev.Net: ”لقد تجاوز التقدم التكنولوجي الحوكمة الأخلاقية، مما أدى إلى تحميل أعباء التقدم على عاتق أولئك الأقل قدرةً على استيعابها“.
ووفقًا للتقرير، تمتلك أفريقيا حوالي 30% من احتياطيات المعادن الحرجة في العالم، أكثر من نصف رواسب الكوبالت العالمية يمتلكها مدغشقر والمغرب وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والأخيرة هذه وحدها تُسهم بأكثر من 60% من إنتاج الكوبالت العالمي.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يأتي أكثر من 80% من إنتاج المعادن من مناجم صناعية تسيطر عليها جهات أجنبية، يعيش ما يقرب من ثلاثة أرباع السكان على أكثر قليلًا من دولارين أمريكيين في اليوم، في حين يفتقر ثلثا السكان إلى مياه الشرب الأساسية، على الرغم من امتلاك البلاد لأكثر من نصف احتياطيات المياه العذبة في أفريقيا.
يقول نونبوجو: إن التعدين يؤثر بشدة على الحياة اليومية، ”عندما يعجز الناس عن شرب الماء بأمان أو إتيان ممارسات النظافة الأساسية دون مخاطر“، حينها يصبح تلوث مياه الشرب والصرف الصحي ”حالة طوارئ صحة عامة“.
ويقول أسامة سلام، خبير المياه في هيئة البيئة -أبوظبي وفي المركز القومي لبحوث المياه بمصر: إن التعدين يهدد الأمن المائي من خلال الاستنزاف المفرط، كما هو الحال في استخراج الليثيوم، والتلوث الكيميائي، كما هو الحال في تعدين الكوبالت.
التقرير يشير إلى أن إنتاج طن واحد من الليثيوم يتطلب حوالي 1.9 مليون لتر من الماء.
واستخراجه -كما يضيف سلام- في ”مثلث الليثيوم“ القاحل بأمريكا الجنوبية يُخفض مستويات المياه الجوفية المستخدمة للشرب والماشية، مما يعرض المجتمعات للخطر، وهذه المنطقة -التي تشمل بوليفيا والأرجنتين وتشيلي- تضم أكثر من نصف احتياطيات الليثيوم في العالم.
في عام ٢٠٢٤، كان الإنتاج العالمي من الليثيوم -باستثناء الولايات المتحدة- قد بلغ حوالي ٢٤٠ ألف طن، ما يتطلب نحو ٤٥٦ مليار لتر من الماء، وهو ما يكفي لتلبية الاحتياجات المائية المنزلية السنوية لنحو ٦٢ مليون نسمة في أفريقيا جنوب الصحراء.
يقول محمد توفيق، أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة سوهاج في مصر: إن العديد من المناجم تعمل في مناطق قاحلة أو شبه قاحلة، حيث يكون التبخر مرتفعًا وتغذية المياه الجوفية بطيئة.
ويضيف: ”في هذه البيئات، لا يُعد أي سحب كبير ومستمر للمياه استخدامًا مؤقتًا، بل تغييرًا في التوازن المائي للمنطقة“، مشيرًا إلى أن هذا الخلل يأتي فوق الضغوط الناجمة عن تغير المناخ.
إلى جانب استنزاف المياه، يُعد التلوث مشكلةً بالغة الأهمية.
التقرير يشير إلى أن إنتاج طن واحد من المعادن الأرضية النادرة قد يُولد نحو ألفي طن من النفايات السامة، في عام 2024، خلَّف الإنتاج العالمي للمعادن الأرضية النادرة ما يُقدّر بنحو 707 ملايين طن متري من النفايات السامة، أي ما يعادل تقريبًا حمولة 59 مليون شاحنة قمامة.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتجلى الآثار الصحية بوضوح، ثمة مسحٌ أُجري في مجتمعات التعدين وجد انتشارًا واسعًا للأمراض الجلدية وتفشيًا لمشكلات أمراض النساء بين النسوة والفتيات، للأسف يعمل الأطفال في نحو ثلث مواقع التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما أن معدلات التشوهات الخلقية -مثل عيوب الأنبوب العصبي وعيوب الأطراف السفلية- كانت أعلى في أقسام الولادة القريبة من مناطق التعدين، وفقًا لدراسةٍ استشهد بها التقرير.
يحذر سلام من أن تلوث المياه بالمعادن الثقيلة يهدد مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي، وبدهي أن السحب المفرط للمياه الجوفية قد يؤدي إلى جفاف آبار الري، بينما يمكن للمعادن الثقيلة أن تدمر خصوبة التربة وتجعل المحاصيل غير صالحة للاستهلاك وغير آمنة، مما يهدد سبل عيش صغار المزارعين.
يقول سلام إن سياسات المياه الحالية لا تستطيع استيعاب هذه الضغوط، لأن الحكومات غالبًا ما تعطي تراخيص التعدين الأولوية لتحقيق عوائد اقتصادية سريعة، في حين تكون تقييمات الأثر التراكمي على المياه غائبة إلى حدٍّ كبير، ويحذر من أنه من دون إصلاحات صارمة، قد تصل مناطق التعدين إلى ”إفلاس مائي“ في أحواض المياه السطحية والجوفية المحيطة بها.
يدعو التقرير إلى إعادة هيكلة سلاسل إمداد المعادن، وعدم هجر التحول الأخضر، ويؤكد ضرورة استثمار الحكومات في البنية التحتية لإعادة التدوير والبحث العلمي في مجال استبدال المواد لتقليل الطلب العالمي على المعادن المستخرجة حديثًا.
ويقول مدني: إن أهداف المناخ لن تتحقق بشكل مستدام ما لم ينخفض الطلب على المواد، وتنفذ المعايير البيئية بالقوة، وحماية موارد المياه، ومشاركة المنافع وتوزيعها على نحو أكثر عدلًا.
يدعو نونبوجو إلى توخي الدقة المطلوبة وبذل العناية اللازمة، وإلى سياسات تجارية تتسق مع حقوق الإنسان وحماية المياه، وإلى الاستثمار في إعادة التدوير واستبدال المواد، وإلى دعم التعافي البيئي والصحي في المناطق المتضررة.
ويقول: ”الاستهلاك الأخلاقي دون إصلاحات هيكلية غير كافٍ“، محذرًا من أن إعادة التدوير وحدها لن تفي بالحاجة ما لم تقترن بخفض الطلب، واستخدام مواد بديلة، ومعايير استخراج قابلة للتنفيذ.
هذا الموضوع أُنتج عبر النسخة الدولية لشبكة SciDev.Net