كتب: جون موسينزي, عبد القادر عثمان, روث دوجلاس, سونيا العلي, كلوديا كاروانا and أليدا رودا
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[إدلب/كمبالا/مكسيكو سيتي/لندن/نيويورك] في سوريا، خارج مخيم قاح للاجئين بشمال إدلب، تتراكم القمامة، ما يتسبب في انبعاث روائح كريهة، وشيوع مخاوف من تفشي الأمراض.
نتَن الرائحة الكريهة ينبئ بمدى تردِّي أحوال الأسر التي تعيش ثَم في خيام، بعدما أوقف مشروع الأيادي الخضراء دعمه.
هذا البرنامج الأهلي هو واحد من آلاف البرامج في شتى أنحاء العالم التي تأثرت بإنهاء جماعي لعقود الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي تركت قطاع التنمية في حالة من الترنُّح.
لقد قدم مشروع الأيادي الخضراء المياه النظيفة والصرف الصحي وإدارة النفايات لمخيم قاح المؤقت في شمال سوريا، الذي يؤوي نزرًا يسيرًا من 14 مليون نسمة فروا من منازلهم منذ عام 2011 بسبب العنف المستمر.
من اللاجئين إلى المخيم، حسين النحلاوي -(51 عامًا)- يقول لشبكة SciDev.Net: ”اعتدنا الحصول على المياه مجانًا، لكن الآن يجب أن نشتريها بأنفسنا، بتكلفة 15 دولارًا أمريكيًّا في الشهر“.
”أكسب 80 دولارًا أمريكيًّا فقط في الشهر، تكفي بالكاد لتغطية الاحتياجات الأساسية لعائلتي“.

حسين النحلاوي يجمع المياه من صنبور في مخيم قاح، شمالي سوريا، حيث كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية توفر مياه الشرب مجانًا في السابق
ويقول إن الوضع المستفحل جعل العديد من الناس يشعرون بالقلق بشأن العبء المالي الجديد الذي يجب أن يتحملوه.
يؤكد النحلاوي أن النزوح لم يكن اختيارًا، لقد عاين معظم النازحين تدمير منازلهم بسبب الحرب، وهم يعتمدون على المنظمات الإنسانية في الحصول على الخدمات الطبية والمساعدات الغذائية ومواد التدفئة.
مع انكماش هذه المشروعات أو اختفائها، صارت صحتهم في خطر وحياتهم على المحك.
تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية
بدأ نقض عرى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في 20 يناير، عندما أصدر الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًّا بوقف برامج المساعدات الخارجية في انتظار نتائج مراجعة مدتها 90 يومًا، وفي غضون أسابيع، تم وضع الآلاف من موظفي الوكالة في إجازة، ما أفضى إلى تحديات مستمرة في المحاكم الاتحادية الأمريكية.
في 26 فبراير، كشف مسؤولون حكوميون في مستندات ووثائق المحكمة أنهم أتموا مراجعتهم للمساعدات الخارجية وسيقومون بإنهاء 10000 من عطايا الوكالة، أي نحو 90% من عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
في الشهر نفسه، قالت حكومة المملكة المتحدة إنها تخطط لخفض إنفاقها على المساعدات الخارجية من 0.5% إلى 0.3% من إجمالي الناتج المحلي لتمويل الزيادة في الإنفاق الدفاعي، ما أوجس مخاوف هيئات الصحة العالمية من تأثير الدومينو في تمويل المساعدات الخارجية.
إجمالًا، ووفق تحليل أجراه مركز التنمية العالمية، فإن 26 دولة منخفضة الدخل ومتوسطة، يبلغ مجموع سكانها 1.4 مليار نسمة، معرضة بشدة لخطر التخفيضات، وهي تفتقر إلى الموارد اللازمة لسد الفجوة.
في سوريا، ووفق وزارة الخارجية الأمريكية، تأتي الولايات المتحدة بوصفها أكبر مانح، إذ أسهمت بنحو 1.2 مليار دولار أمريكي في الاستجابة الإنسانية للسنة المالية 2024، وأكثر من 18 مليار دولار أمريكي منذ بداية الملحمة التي استمرت 13 عامًا.
ووزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، عبد الحكيم المصري، يقول إن بلاده من أشد البلدان تضررًا من إيقاف المساعدات الأمريكية.
وإذ تقدم المنظمات غير الحكومية في مخيمات شمال سوريا خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات الأساسية، يقول المصري إن المشروعات الطبية والمساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش تعطلت بشدة، ما أدى إلى تفاقم أحوال سكان يعانون بالفعل.
ومنذ صدور الأمر التنفيذي، أغلقت حوالي 200 منظمة إنسانية في سوريا أبوابها، ما ترك العديد من العمال عاطلين عن العمل، كانت رواتبهم -التي تتراوح بين 400 إلى 500 دولار أمريكي شهريًّا- مصدرًا أساسيًّا للدخل في بلد لا توجد فيه بدائل سوى القليل جدًّا.
إغلاق المشافي
يحذر المصري من أن قطاع الرعاية الصحية في سوريا سيعاني بشدة، إذ يعتمد العديد من المستشفيات على المساعدات الإنسانية لتقديم الخدمات الطبية المجانية لغير القادرين على تحمُّل تكاليف الرعاية الخاصة، وقد أدت تخفيضات المساعدات إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والإمدادات الطبية.
مثال ما سبق، الممرض السوري أحمد البركات، الذي فقد مصدر دخله الوحيد بعد تعليق تمويل مستشفى باب الهوى من قِبل الجمعية الطبية السورية الأمريكية.
يقول البركات للشبكة: ”انقلبت حياتي رأسًا على عقب، اعتدت أن أكسب 400 دولار أمريكي شهريًّا، وهو ما يكفي -بالكاد- إعالة نفسي وأمي المريضة، الآن، ليس لديَّ دخل“.

الطاقم الطبي يعمل في مستشفى باب الهوى، شمال غرب سوريا، قبل أن تُجبر الجمعية الطبية السورية الأمريكية المموّلة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على وقف عملياتها هناك
ومستشفى باب الهوى هو مركز طبي مهم بشمال غرب سوريا، يخدم أكثر من 1.7 مليون شخص بتقديم الرعاية الصحية المجانية، بما في ذلك خدمات الطوارئ والجراحات المتخصصة وعلاجات السرطان. الآن أغلق أبوابه في وجه الجميع باستثناء الحالات الطارئة، ويعمل الأطباء فيه حاليًّا على أساس تطوعي.
ويضيف البركات: ”إغلاقه سيكون كارثة، خاصةً للزَّمنى الذين يعتمدون عليه“.
ويشير البركات إلى أن العديد من المنظمات الإنسانية اضطرت إلى إيقاف أعمالها، ومنها ’وكالة التعاون الفني والتنمية‘ و’شفق‘ و’تكافل الشام‘، ومنظمة ’الناس في حاجة‘ و’الجمعية الطبية السورية الأمريكية‘، وجميعها كان يدعم مستشفى باب الهوى ومؤسسات الرعاية الصحية الأخرى.
خسائر الصحة عالميًّا
بعد أكثر من شهر من تعليق عقود الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، صارت الخسارة في أرواح البشر واضحة، في سوريا والعالم أجمع.
حتى الآن، كانت الولايات المتحدة أكبر ممول عالمي للصحة، إذ أنفقت 12.4 مليار دولار أمريكي في السنة المالية 2024.
وفق تقرير الأثر الصادر عن مجلس الصحة العالمي، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة، فإن أوامر إيقاف العمل تركت ملايين البشر على مستوى العالم دون رعاية طبية أساسية ومعرضين لخطر تفشي الأمراض مثل جدري القردة وماربوج.
من بين التدخلات المهمة التي استقطعت، التطعيم ضد شلل الأطفال، ومكافحة الملاريا، وخدمات فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.
وأثقل العبء سيقع على النساء والأطفال، يقول تقرير مجلس الصحة العالمي إن أمر إيقاف العمل قطَع الإمدادات الطبية وأوقف الموظفين الذين يقدمون لنحو 90 مليون امرأة وفتاة رعاية ما قبل الولادة والولادة الآمنة واللقاحات.
ويقدم التقرير تفصيلًا لبعض هذه التأثيرات تبعًا للبلد، في أفغانستان، سوف تغلق 191 عيادة صحية، وهي المصدر الوحيد للرعاية الصحية للأمهات بالمناطق الريفية، وفي إثيوبيا، سوف تتعرض نحو 50 ألف امرأة وفتاة لخطر سوء تغذية قد يكون مميتًا، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يواجه 4.5 ملايين طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، وما من سبيل للوصول إلى مراكز التغذية العلاجية ودعم الأمهات المرضعات.
ويقول التقرير: ”في كل يوم تظل فيه هذه البرامج المنقذة للحياة متوقفة وغير ممولة، تتلاشى عقود من التقدم، وتتآكل الثقة، والقيادة التي بَنَتها الولايات المتحدة مع شركائها العالميين“.
وفي اليمن، حيث يحتاج أكثر من 19 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، فإن خفض التمويل من شأنه أن يزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا، وخاصةً في مجال الأمن الغذائي والرعاية الصحية، كما يقول نسيم المسلمي، المدير التنفيذي لمنظمة أهلية تعمل هناك، هي مؤسسة مدني للتنمية.
في المناطق الشمالية من البلاد، توقفت كل المساعدات تقريبًا، بما في ذلك التدخلات الطارئة، كما علمت شبكة SciDev.Net، يحدث هذا رغم إعفاء ’المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة‘، بما في ذلك الأدوية والغذاء، الذي أصدره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 28 يناير.
تقدر المساعدات الإنسانية السنوية لليمن بنحو ملياري دولار أمريكي، لكن الانخفاضات الأخيرة والتزامات المانحين غير المنجَزة أدت إلى تقليص التدفقات الاقتصادية كثيرًا.
التأثير يمتد مداه إلى قطاعات متعددة، ففي مجال الصحة، سيؤدي نقص الأدوية والإمدادات الطبية إلى ارتفاع معدلات الوفيات، وخاصةً بين الأطفال والنساء الحوامل وأرباب الأمراض المزمنة، كما يقول المسلمي.
وفي قطاع المناخ، يقول إن المشروعات البيئية المحدودة بالفعل مثل الطاقة المتجددة والتشجير ستواجه المزيد من الانتكاسات، مما يزيد من التعرض لآثار تغيُّر المناخ.
اضطراب الاستجابة للإيدز
حتى الآن، كان الجزء الأكبر من الإنفاق الأمريكي على الصحة العالمية يذهب تقليديًّا إلى مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، من خلال خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز، التي أُطلقت في عام 2003، استثمرت حكومة الولايات المتحدة أكثر من 110 مليارات دولار أمريكي في الاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وهو أكبر التزام من قِبل أي دولة لمعالجة مرض واحد.
تُظهر أحدث بيانات تمويل برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز أن برنامج خطة الرئيس هذا دفع ثمن 19% من مضادات الفيروسات القهقرية وغيرها من أدوية فيروس نقص المناعة البشرية في 36 دولة منخفضة الدخل ومتوسطة.
كان هناك شيء من الأمل في تجنيب علاج فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز التخفيضات بالإعفاء الخاص بالأدوية المنقذة للحياة، ولكن المنظمات في جنوب أفريقيا التي تمولها خطة الرئيس من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أبلغت بتوجيه لإغلاق العمليات بصفة دائمة.
رسائل الإنهاء التي اطلعت عليها شبكةSciDev.Net تبلغ المستفيدين بأن عطاياهم لم تعد تتسق مع أولويات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وليست معتبرةً في المصلحة الوطنية.
في 27 فبراير، أنهت الإدارة الأمريكية أيضًا عقدها مع برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، مع سريان هذا الإنهاء على الفور، وقال برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز: إن هذه الخطوة أثرت على الاستجابة الكاملة للفيروس، بما في ذلك استمرارية العلاج المنقذ للحياة للمصابين به.
في تحديث بتاريخ 3 مارس، قال برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة/الإيدز: إن الإعفاء كان يحافظ على استمرار خدمات الاختبار والعلاج، ”ولكن غالبًا بقدرة وجودة وقبول وإمكانية وصول منخفضة“.
أوغندا على حد السكين
في أوغندا، إحدى الدول الأكثر تعرضًا للتخفيضات الأمريكية، أوشكت برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز على الانهيار، الأمر الذي يترك مصير آلاف الأرواح معلقًا، نحو 1.5 مليون شخص في البلاد مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية.
ومجتمعات المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية تخشى نفاد مخزونات الأدوية الوقائية والعلاجات.
تقول فلافيا كيوموكاما، من المنتدى الوطني للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية: إن الكثير من أعضائه لا يتلقون سوى جرعات من مضادات الفيروسات القهقرية تدوم أسبوعين فقط، في مقارنة -تنطوي على غبن- بما كانوا يتسلمونه في السابق ويكفيهم ثلاثة أشهر.
وتقول إن مخزون مضادات الفيروسات القهقرية في البلاد لا يكفي إلا حتى أبريل، وهناك حالة من عدم اليقين بشأن ما سيحدث بعد ذلك.
كذلك فإن منسقة مسؤولة عن مرضى الإيدز بأحد المراكز الصحية في منطقة بوشيني -وتدعى جومينكيريزا كاجوا- تقول: إن الحصول على أدوية الوقاية المجانية من فيروس نقص المناعة البشرية أمر صعب أو مستحيل في معظم مناطق البلاد.
”معظم المستشفيات نفدت مخزوناتها من العلاجات والأدوية الوقائية بعد التعرض والأدوية الوقائية قبل التعرض“، تقول كاجوا لشبكة SciDev.Net: ”قيل لنا إن هذا ليس جزءًا من إعفاء خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز“.
”ومن المتوقع أن تتضاعف حالات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية؛ لأن العديد من الشباب والعاملين في مجال الجنس يستخدمونها للوقاية“.
وزارة الصحة الأوغندية رفضت التعليق.
أحد الذي كرسوا حياتهم لمكافحة الإيدز، ستيفن واتيتي، وهو طبيب متقاعد أصيب بالإيدز منذ عام 1999، عمله -بدعم من برنامج الإيدز المشترك لجامعة ماكيريري الممول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية- أدى دورًا حاسمًا في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في أوغندا.
يقول واتيتي لشبكة SciDev.Net: ”لقد رأيت بنفسي القوة التحويلية في الدفاع عن حقوق الإنسان والنشاط في وقف الوصمة والتمييز وتعزيز التعليم بين الأقران بين الشباب“.
”من دون هذه الخدمات، سيموت الكثير“.
ورغم هذا، فإنه يحث المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية على محاولة التكيُّف مع الوضع الحالي، مضيفًا: ”لا تزال الخدمات متاحة، ويجب عليهم البحث عنها“.
ومع ذلك، فإن العديد من الخدمات تعاني ضغوطًا شديدة.
أما روبرت كيوانوكا -مدير البرامج في منظمة موفوبوكا أجونجوسي غير الحكومية التي تقدم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للشباب في أوغندا- فيقول: ”كنا نستقبل حوالي 80 شخصًا يوميًّا، لكن الآن تجاوز العدد 150 فردًا؛ لأن معظم المنظمات التي كانت تقدم خدمات مماثلة أغلقت أبوابها“.
”عيادتنا المخصصة لمرضى الإيدز التي تفتح أبوابها يوم الثلاثاء تجتذب الآن أكثر من 250 شابًّا“.

إجراء فحوصات للكشف عن فيروس الإيدز في أوغندا، أحد أكثر البلدان تعرضًا لخفض المساعدات الأمريكية، حيث باتت برامج مكافحة الفيروس على شفا الانهيار
وقد استجابت وزارة الصحة الأوغندية بإصدار أوامر بدمج خدمات الإيدز وغيرها من الخدمات الصحية المتخصصة في الرعاية الصحية العامة.
ولكن هناك مخاوف من انهيار النظام تحت الضغط، أوغندا لديها واحدة من أدنى نسب الأطباء إلى المرضى في العالم، حيث لا يوجد سوى طبيب واحد لكل 25 ألف شخص.
ويضيف كيوانوكا: ”يصطف الناس في طوابير طوال اليوم تقريبًا“.
”ماذا سيحدث عندما ينضم 1.5 مليون شخص وأولئك المصابون بالسل إلى طوابير [المستشفيات] ولا توجد زيادة في الأطباء لرعايتهم؟“.
الثلاثة الكبار
ليست البلدان الأفريقية وحدها هي التي تعاني فقدان خدمات الإيدز، في الفلبين، قال وزير الصحة تيودورو هيربوسا الشهر الماضي إن أمر التجميد سوف يؤثر على برامج حيوية تبلغ قيمتها 262 مليون دولار أمريكي، تشمل 168 مليون دولار أمريكي للأمراض الثلاثة الكبرى، فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والملاريا والسل.
والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية هي أكبر مانح للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وقد أسهمت بمبلغ 26.31 مليار دولار أمريكي منذ تأسيسه في عام 2002.
على المستوى القُطري، قدمت الحكومة الأمريكية ما بين 200 و250 مليون دولار أمريكي سنويًّا في تمويل ثنائي للاستجابة لمرض السل، وهو حوالي ربع المبلغ الإجمالي من تمويل المانحين الدوليين للمرض، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، نجحت خدمات الوقاية والاختبار والعلاج في تجنب 3.65 ملايين حالة وفاة في العام الماضي وحده.
وحذرت منظمة الصحة العالمية في تحديث إداري لها في الخامس من مارس من أن ”التخفيضات المفاجئة في التمويل تهدد الآن بمحو هذه المكاسب التي تحققت بشق الأنفس، مما يعرض الملايين -وخاصة الأكثر ضعفًا- لخطر جسيم“.
وفي مجال الوقاية من الملاريا، بدأت التأثيرات تظهر بالفعل، فقد توقفت عمليات رش المبيدات الحشرية في كينيا وأوغندا وغانا، مما أثر على ما يقرب من 6 ملايين شخص، وفقًا لمجلس الصحة العالمي، وفي إثيوبيا، سيفقد 2.6 مليون شخص شبكات الأسِرّة.
’أثر متموج‘
تقول كاتي داين، رئيس تنفيذي لتحالف الأمراض غير السارية، الذي يركز على أمراض غير معدية مثل السرطان والسكري وأمراض القلب: إن تخفيضات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سيكون لها تأثير متماوج على جميع القضايا الصحية المختلفة، بما في ذلك عبء الأمراض غير المعدية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.
وتقول داين: ”لقد تم بالفعل تأخير الأمراض غير المعدية في سلم الأولويات، وأي شيء في أسفل القائمة سوف يؤخر ليصير أدنى أولوية“.
”وسيكون لذلك تأثير هائل“.
وتمثل خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات مجالًا آخرَ سيتضرر بشدة من تخفيضات أكبر مانحيها.
”الأمر كارثي تمامًا“ في رأي سارة شو، المدير المساعد للإسناد في ’خيارات مسي الإنجابية‘، وهي منظمة غير حكومية دولية تدافع عن الوصول إلى وسائل منع الحمل والإجهاض الآمن، وأوضحت أن رأيها -كما تقول- ”من منظور الصحة الجنسية والإنجابية“.
وإذ تستشهد شو بأرقام من منظمة الأبحاث والسياسات ’معهد جوتماكر‘ فإنها تقول: ”بحلول نهاية التسعين يومًا، سيفقد ما يقدر بنحو 11.7 مليون امرأة وفتاة الوصول إلى خدمات منع الحمل، وهذا يعني ما يقدر بنحو 4.2 ملايين حالة حمل غير مقصودة و8300 حالة وفاة بين الأمهات، وكلها كانت قابلةً للوقاية“.
وتضيف شو: ”في أوغندا، أدى الالتباس والغموض بشأن الأوامر الأمريكية إلى انتشار معلومات مضللة حول تنظيم الأسرة واستخدام الواقي الذكري، مما أدى إلى إدخال النساء في حالة من الذعر“.
”كان الدعم لتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية في بعض المجتمعات هشًّا للغاية على أي حال، وهذا من شأنه أن يدمر كل الثقة التي تم بناؤها“.
”لسوف يستغرق الأمر أجيالًا في سبيل حلها“.
في انتظار الانفجار
آثار خفض المساعدات على أمراض مثل الإيدز والملاريا تصدرت عناوين الأخبار منذ إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
ولكن في جميع أنحاء العالم، هناك برامج ستعاني -في صمت- فقدان التمويل، مع عدم ظهور العواقب الكاملة بعد.
في أمريكا الوسطى، كانت هناك مشروعات لدعم الشباب في العمل من خلال التدريب وغيرها من المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان والشفافية وأمن المواطنين وإعادة الإدماج الاجتماعي، وفق كبيرة موظفي مشروع ممول من وكالة التنمية الدولية الأمريكية في إل سلفادور.
ومثل العديد من المتضررين من أوامر إيقاف العمل، لم تتحدث إلا بشرط عدم الكشف عن هويتها، خوفًا من ألا تعود إلى وظيفتها إن تحدثت بصراحة، إذا ما عاد التعاون الأمريكي.
وتقول لشبكة SciDev.Net: ”هناك جو من عدم اليقين والخوف، لا أحد يريد تعريض نفسه للخطر لأنه لا يعرف ما سيحدث“.
ومن الضحايا الآخرين في أمريكا اللاتينية برنامج المساعدة في كوارث البراكين الممول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والذي يضطلع بأنشطة مراقبة البراكين والتدريب والوقاية من المخاطر في المنطقة وأماكن أخرى جنبًا إلى جنب مع المنظمات الشريكة.
هناك جيرسي مارينو، الباحث في المعهد الجيولوجي والمناجم والمعادن في بيرو، والذي كان يتلقى دعمًا كبيرًا من البرنامج لمدة تقرب من 20 عامًا.
يقول مارينو: ”لقد قمنا بتركيب معدات في البراكين، ومعدات زلزالية، ومعدات نظام تحديد المواقع العالمي عالية الدقة، ومعدات لمراقبة الغازات البركانية“.
”بفضل هذا التعاون، قمنا بتنفيذ نظام المراقبة في بركان سابانكايا، على سبيل المثال، الذي يثور حاليًّا في بيرو“.
ويقول إن المنظمة طورت خرائط مخاطر لتمييز المناطق الآمنة حول البركان من المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.
يقول مارينو: إن تنفيذ نظام مراقبة كامل في بركان استثمار كبير، وهو ما يشق على دول مثل الأرجنتين وبيرو، وخاصةً جواتيمالا ونيكاراغوا والسلفادور، كي تقوم كلٌّ منها به بمفردها.
ويوضح: ”المراقبة الجيدة تتيح لك معرفة ما إذا كان هذا البركان سوف يثور في المستقبل أم لا“، ومن هذه المعرفة ترسل إنذارات إلى السلطات والسكان لإدارة الخطر والطوارئ، والتصرف حيال الثوران.

فريق من المعهد الجيولوجي والمناجم والمعادن في بيرو يراقب ثوران بركان أوبيناس في يوليو 2019
”لذا، في غياب المراقبة الجيدة، سنواجه مجموعاتٍ سكانيةً معرضةً للخطر، وخاصةً في البلدان النامية“.
تُظهر قائمة العقود الملغاة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتي تم الكشف عنها من خلال إجراءات المحكمة الشهر الماضي (13 فبراير) مجموعة المشروعات المتأثرة بإيقافات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي تشمل حلول الطاقة المنخفضة الكربون في نيجيريا، ومبادرات المياه والصرف الصحي والحفاظ على البيئة في لبنان، وبرامج محو الأمية في كينيا وشرق أفريقيا، والتكيُّف مع المناخ والتخفيف من آثاره في هندوراس.
وثمة ضحية أخرى، تمثلت في العقد الذي بلغت قيمته 250 مليون دولار أمريكي مع شركة كيمونيكس الدولية لتنفيذ منصات خضراء وتوسيع نطاق التكيُّف مع المناخ في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة.
يعترف لورانس وايت -أستاذ الاقتصاد في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك- بأن برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لم تكن خاليةً من العيوب والمثالب، ويسلِّم بأن ”ثمة موارد أُهدرت بالتأكيد“.
لكنه يعتقد أن الآثار الإجمالية كانت إيجابية.
ويقول وايت لشبكة SciDev.Net: ”لم تكن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مثالية، وكان الإصلاح الذكي يستحق العناء، ولكن من غير الراجح أن يحقق نهج الفأس هذه النتيجة“.
خفض المساعدات البريطانية
قرار الحكومة البريطانية بخفض ميزانية المساعدات الخارجية الشهر الماضي يمثل صدمةً أخرى لقطاع التنمية الدولية، الذي يلهث بالفعل من أجل لملمة شتاته من أفعال إدارة ترامب.
قرار حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر بخفض الإنفاق على المساعدات الخارجية من 0.5% إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي هو الأحدث في سلسلة الاستقطاعات التي أُجريت منذ عام 2020، ويضع موازنة المساعدات بالمملكة المتحدة في أدنى مستوياتها منذ عقود.
في عام 2023، مثلت الولايات المتحدة 29% من تمويل مساعدات جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وكانت المملكة المتحدة أكثر من ثمانية في المئة بقليل.
وفي حين أن تخفيضات المملكة المتحدة لن تدخل حيز التنفيذ حتى عام 2027، فإن إعلانها في أعقاب إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية -الذي لم تستفق منه المنظمات غير الحكومية- جاء بمنزلة لطمة شديدة عاجلت العديد من قادتها.
وهي ليست سوى جزء من صورة أوسع لتناقص المساعدات، إذ خفضت فرنسا وألمانيا أيضًا موازنات المساعدات في السنوات الأخيرة.
و”لم يكن إعلان المملكة المتحدة عن التخفيضات ليأتي في وقت أسوأ من هذا“، كما تقول كاتي هاسلبي، مديرة منظمة العمل من أجل الصحة العالمية، وهي شبكة مقرها المملكة المتحدة تضم منظمات صحية عالمية، داعيةً الحكومة إلى التراجُع عن قرارها.
وتقول هاسلبي لشبكة SciDev.Net: ”إن التخفيضات التي أجرتها المملكة المتحدة في أعقاب التدمير واسع النطاق للخدمات الصحية من قِبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ستكون بمنزلة ضربة مزدوجة للصحة العالمية“.
وتقول إن تحليل ’منظمة العمل من أجل الصحة العالمية‘ لتأثيرات تخفيضات المساعدات البريطانية السابقة في عام 2021 من 0.7% إلى 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي أبان دمارًا للخدمات الصحية في جميع أنحاء العالم، مع فقدان العديد من الأرواح، في وقت كان العالم فيه لا يزال يصارع جائحة كوفيد-19.
”وما هي إلا عشية أو ضحاها، حتى أغلقت العيادات، وتوقفت المشروعات، ولم يتمكن الناس من الوصول إلى خدمات صحية كانوا قادرين على الوصول إليها في اليوم السابق“.
وتقول هاسلبي إن التخفيضات الأخيرة ستؤدي إلى ”تدمير الثقة تمامًا“ مع الحكومات الشريكة ذات الدخل المنخفض والمتوسط ومنظمات المجتمع المدني، وتخشى أن يؤدي ذلك أيضًا إلى ”تأثير الدومينو“ في إنفاق المساعدات الخارجية.
وأضافت معربةً عن اعتقادها: ”من المستحيل على أي جهة أخرى أو منظمة أو دولة أن تملأ الفراغ الناشئ عن التأثير التراكمي لتخفيضات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وإعلان المملكة المتحدة، والتخفيضات الأخرى التي نراها الآن في مختلف البلدان الأوروبية مثل هولندا“.
هذا الموضوع أُنتج عبر النسخة الدولية لشبكة SciDev.Net