Skip to content

04/11/25

فلترفع الصحافة العلمية صوتها .. هناك أزمة تمويل بحثي

resized_sjf25_996x567
متحدثون من إحدى جلسات منتدى الصحافة العلمية 2025. حقوق الصورة:SJF/ SciDev.Net

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

منتدى الصحافة العلمية 2025 الذي عُقد في المدة 27 – 30 أكتوبر الماضي في دبي، شهد نقاشًا حيويًّا، ومؤلمًا في الوقت ذاته، حول العلاقة التكافلية بين تمويل البحث العلمي والصحافة العلمية، في جلسة بعنوان ”العلم في مأزق: كيف يؤثر تراجُع تمويل البحث العلمي على الصحافة العلمية في المنطقة العربية“، شاركتُ فيها إلى جانب زملائي الأفاضل، الدكتور خالد غانم، خبير الزراعة العضوية ورئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية في كلية الزراعة بجامعة الأزهر في مصر، والدكتورة ملاك مكي، صحفية علمية حاصلة على الدكتوراة في علم اجتماع العلوم من جامعة باريس سيتي في فرنسا، والأستاذ الصغير الغربي، صحفي وكاتب علمي مستقل حاصل على الماجستير في الصحافة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس.

كانت الجلسة محاولةً لفهم جذور الأزمة التي تخنق إنتاج المعرفة وتنعكس على الإعلام العلمي، والتي زادت حدتها مؤخرًا مع تقلّصات واضحة في عمليات التمويل الخارجي، وانتهت إلى حقيقة واضحة: إن الجفاف الذي يضرب مختبراتنا ومراكزنا البحثية ومشروعاتنا العلمية التنموية هو ذاته الجفاف الذي يصيب قلم الصحفي ويُسكت صوته المحلي.

فالصحافة العلمية ليست ترفًا أو ملحقًا ثقافيًّا، بل هي صلة الوصل بين نتائج البحث والمجتمع، هي التي تحول الحقائق الجامدة إلى قصص حيّة تُسهم في رفع الوعي وصنع القرار، لكن عندما تتقلص ميزانيات البحث والتطوير في العالم العربي إلى أقل من 0.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بمتوسط عالمي يتجاوز 1.7٪، فإننا لا نفقد التمويل فقط، بل نفقد القدرة على إنتاج قصة محلية أصيلة، هذه الفجوة التمويلية تعني أن نسبة إنتاجنا العلمي لا تتجاوز 1٪ من الناتج العالمي، وأن أغلب صحفيينا العلميين يُضطرون إلى استيراد القصص من الخارج، حيث ’العلم الكبير‘ في مكان آخر.

نتيجة ذلك، تتحول الصحافة العلمية من ’صحافة إنتاج‘ إلى ’صحافة صدى‘، من إعلام يبحث وينتج معرفة، إلى إعلام يترجم أو ينقل ما يصدر عن الغرب، ومع غياب المشاريع البحثية المحلية المستمرة، يفقد الصحفي القدرة على التعمق في القصة أو متابعة تطوراتها، وهكذا يُختزل العمل الصحفي في عناوين سريعة وإثارة عابرة، بينما تُهمّش القضايا العلمية المرتبطة باحتياجات مجتمعاتنا، من تحلية المياه والطاقة النظيفة إلى أبحاث الزراعة والبيئة.

لكن الخسارة الأكبر لا تقاس بعدد المقالات، بل في فقدان العلاقة بين العلم والمجتمع، حين لا يقرأ المواطن عن أبحاث بلده، تضعف ثقته بقدرات علمائه، وتبقى الحلول العلمية غريبةً عن واقعه، كذلك يفقد صانع القرار أحد أهم جسور التواصل مع المجتمع العلمي، فيتعطل استثمار نتائج الأبحاث في التنمية، ويظل البحث الجيد حبيس الأدراج.

 مع هذا الجفاف، لا بد للصحافة العلمية أن تتوقف عن أن تكون مجرد ’ضحية‘ وتتحول إلى ’فاعل‘ ومناصر، عليها أن تمارس دورها الرقابي وتفتح ملف التمويل نفسه، من أين تأتي الأموال؟ وكيف تُدار؟ ولماذا تتعطل المشاريع؟ هنا تصبح الصحافة شريكًا في الإصلاح لا مجرد مبلغ عن الأزمة، كما يمكن للصحفيين تبنِّي نماذج تمويل بديلة لقصصهم، عبر المنح الصغيرة أو الشراكات مع الجامعات والمؤسسات البحثية.

التحول المطلوب أيضًا معرفيٌّ ومهنيّ: على الصحفي العلمي أن يفهم ديناميكيات التمويل وأولويات البحث، وأن يلاحق القصة من داخل المختبر منذ بداياتها حتى نتائجها، بالشراكة مع العلماء الممولين جيدًا، فالمادة الخام للقصص ليست فقط الأبحاث المنشورة، بل العملية العلمية نفسها بما تتضمنه من صعوبات وإخفاقات وتمويل متعثر.

لقد أكدت الجلسة أن أزمة التمويل البحثي ليست مسألةً ماليةً بحتة، بل هي أزمة أمن معرفي وتنموي، فالاستثمار في البحث هو استثمار في السيادة العلمية والقدرة على صياغة مستقبلنا بأيدينا، ومهمتنا صحفيين ومتواصلين علميين أن نرفع الصوت عاليًا: لا يمكن لأمة أن تزدهر عندما تصمت مختبراتها، ولا يمكن لصحافة علمية أن تزدهر إن لم تصبح جزءًا من الحل، لا شاهدًا على الأزمة.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا