كتب: حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
في ظل التقدم المتسارع في علم الجينوم، تزداد القدرة على فهم الأمراض الوراثية والنادرة، لا سيما تلك التي تسجل معدلاتٍ مرتفعةً بين العرب؛ لأسباب جينية واجتماعية وتاريخية.
تُظهر دراسة حديثة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتحمل من الأمراض الوراثية عبئًا أثقل من غيره مقارنةً بباقي مناطق العالم، ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى انتشار زواج الأقارب، الذي يقدر بنحو 20% إلى 50% من الزيجات في بعض دول المنطقة.
هذا الواقع يستدعي تعزيز خدمات العلاج الجيني؛ لتخفيف العبء الصحي والاجتماعي والاقتصادي الناتج عن تلك الأمراض.
و’الطب الدقيق‘ يعتمد –فيما يعتمد- على تسلسل الحمض النووي في جينوم المريض، والأنظار تتجه نحوه بحسبانه أحد أبرز آفاق الرعاية الصحية المستقبلية.
في منطقتنا، تتبوأ مؤسسة سدرة للطب في قطر موقعًا رائدًا في مجالات البحث والتشخيص والعلاج بالطب الدقيق، والذي يطلق عليه أحيانًا الطب الشخصي أو المتفرد.
وفي هذا الحوار الخاص لشبكة SciDev.Net مع يونس مُكراب، رئيس مختبر الجينوم الطبي والسكاني بمؤسسة سدرة للطب، يحدثنا عن جهود فك شفرة الأمراض الوراثية، والتوجه نحو علاجات دقيقة تستهدف جذور الخلل الجيني، وإمكانيات العلاج الجيني في المنطقة العربية، خاصةً في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجهها دول ذات موارد محدودة أو متأثرة بالصراعات.
النشاط الأشهر للمؤسسة مرتبط بالأمراض الوراثية والنادرة، فما السبب؟
نعطي في سدرة للطب أهميةً خاصةً لهذا المجال، إيمانًا منَّا بأن التوصل إلى علاجات فعالة للأمراض الوراثية النادرة هو حاجة إنسانية مُلحّة، يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا في حياة المرضى وأسرهم، فضلًا عن أثرها الإيجابي على الاقتصاد، إذ تُمثِّل هذه الحالات عبئًا طويل الأمد بتكاليف تُقدَّر بملايين الدولارات على مدى حياة المريض.
في منطقتنا، تنتشر هذه الأمراض لأسباب عدة، أشهرها زواج الأقارب، وثقافات المنطقة عامة تشجع على ظهور العديد من الطفرات الوراثية.
وما نفعله هو محاولة فهم المرض وأسبابه، ثم استغلال هذا الفهم في إعطاء نصائح مباشرة للوقاية من انتشاره، وتطوير أدوات لتشخيصه مبكرًا، والمشاركة في جهود التوصل إلى علاج له.
هل تندرج هذه العلاجات ضمن ما يطلق عليه ’الطب الشخصي‘؟
أفضل استخدام مصطلح ’الطب الدقيق‘ وليس ’الشخصي‘، لأنه الأكثر دقة.
لماذا؟
مع انطلاق مشروع الجينوم البشري في التسعينيات، شاع استخدام العديد من الجهات البحثية لمصطلح ’الطب الشخصي‘؛ اعتقادًا بأن المرض بمسبباته وعلاجه يُدار على مستوى الشخص، لكن مع التوسع في الأبحاث أدركنا مجموعةً من الأشخاص قد يتشاركون المرضَ ذاته، من حيث المسببات والعلاج، لذلك فإن المصطلح الأفضل والأدق هو ’الطب الدقيق‘؛ لأنه يشير إلى استهداف مجموعات بخصائص جينية محددة، وليس مجرد تخصيص العلاج لكل شخص على حدة.
ما المقصود بشعار ’الابتكار في الرعاية الصحية‘ الذي ترفعون؟ وإلى أي مدى تلتزمون به؟
نحن نلتزم بذلك على عدة مستويات، أولها الإسهام في بناء فهم شامل للجينوم، لأنه المخزون الرئيس للمعلومات التي تؤثر على عمل الجينات، ومن دون فهم كامل لهذه المعلومات، ستبقى معرفتنا بوظائف الجينات وعلاقتها بالأمراض غير مكتملة.
وفي هذا الإطار نستخدم أحدث تقنيات دراسة الجينوم مثل تقنية السلسلة طويلة القراءة، التي تساعدنا على تجميع المعلومة الجينومية بطريقة كلية، لا عن الدنا فحسب، لكن أيضًا عن الحمض النووي الريبوزي الذي يُعد وسيلة التعبير الوظيفي للجينوم، كما أنه بإمكاننا دراسة التغيرات اللاجينية التي تحدث لهذه المركبات.
بعد جمع هذه المعلومات، تأتي مرحلة فهم المعلومة، التي تعتمد على تكنولوجيات تحليل البيانات كبيرة المحتوى، والتي يتم تجميعها في العديد من مناطق العالم لأعداد كبيرة من البشر، وتتضمن إلى جانب المعلومات الجينية معلومات عن العديد من العناصر مثل المعلومات الديموغرافية والأمراض وظروف البيئة ونمط الأكل، بما يتيح لنا إيجاد روابط ذات دلالة بين التغيرات التي تحدث في الجينات والأمراض وأنماط العيش وظروف البيئة.
وما علاقة الجينات بأنماط العيش والبيئة؟
الجينوم البشري يختلف من شخص إلى آخر، وهذه ميزة موجودة في الكائنات الحية، تتيح لها التأقلم مع الظروف الطبيعية والبيئية والمعيشية، وبالتالي كلما جمعنا معلومات عن عدد أكبر من الأشخاص، نستطيع رصد أنماط معينة، كأن ترتبط طفرةٌ في جينٍ ما بنمطٍ معيشي معين، كأن يرتبط التغير مثلًا بنمط غذائي شائع.
وكيف ترون مستقبل العلاج لدى الاستعانة بعلم الجينات؟
سأعطيك مثالًا يقرب المسألة، وهو أن الشركات المصنعة للسيارات تحتفظ بخرائط بكل الأجزاء في السيارة، وهذا يعين على التشخيص الدقيق والسريع لأي عطل يحدث بها عند الاستخدام، لو أن العلم وفر لنا الأمر نفسه بالنسبة لجسم الإنسان، فسيكون بمقدورنا تقديم علاجات موجهة ودقيقة تختلف تمامًا عما هو متاح اليوم.
إن العلاجات المتاحة حاليًّا هي في حدود ما يعرفه الإنسان، ولا يخفى عليك أن الفهم الكامل لمعظم الأمراض لم يتحقق بعد، وعندما نصل إلى مرحلة الفهم الكامل سينعكس ذلك على جودة التشخيص والعلاج.
وهل يفضي هذا التوجه إلى علاج للأمراض الصعبة مثل السرطان؟
بإذن الله نعم، فهناك أمراض كنا نعتقد أن علاجها مستحيل، مثل داء دوشين وهو نوع حاد من ضمور العضلات، وأصبحت هناك علاجات جينية متاحة لها، فالقضية هي قضية وقت، غير أن ذلك يحتاج إلى مواصلة الاستثمار في البحوث وبذل الجهود بشكل متكامل وإيجابي وحدوث تعاون بين الدول لدراسة المرض على عدد كبير من الأفراد، وحينها ستكون هناك حلول متاحة.
وهل ستختلف العلاجات الجينية من دولة إلى أخرى، مثلًا، هل يختلف علاج السكري في قطر عنه في مصر؟
لا بد من أن نفرق بين الأمراض النادرة، التي غالبًا ما ترتبط بطفرات جينية محددة، وهنا يكون العلاج الجيني مصممًا بدقة وفق الحالة، والأمراض الأكثر انتشارًا مثل مرض السكري من النمط الثاني، حيث تكون الأعراض متشابهةً بين المرضى من سكان الدول المختلفة، وكذلك مسببات المرض، اللهم إلا فيما ندر من بعض الحالات، أو ما يسمى بالحالات العائلية للأمراض المنتشرة، والتي يكون التأثير الجيني فيها متمثلًا في توقيت حدوث المرض ودرجة خطورته ووجود بعض الأعراض المعقدة، لكن في المجمل هذه الأمراض المنتشرة، تكون مسبباتها وأعراضها متشابهةً بين المجموعات السكانية المختلفة، وبالتالي ستكون العلاجات ملاءمةً لنطاق واسع.
وهذا يعكس اهتمام الدول للتعاون حول هذه الأمراض، وكذلك اهتمام شركات الأدوية من ناحية الاستثمار فيها.
يبدو أن العلاجات الجينية المتاحة حاليًّا موجهة إلى الأثرياء فقط، فهل هي مرحلة مؤقتة وستصبح بعدها متاحةً بأسعار معقولة؟
سؤال جيد، والإجابة تبدأ بفهم الفارق بين الأدوية التقليدية والجينية، فالنوع الأول عادةً ما يستهدف جزءًا محددًا في الجسم مثل إنزيم أو مستقبل خلوي باستخدام مركب كيميائي معين، أما في العلاج الجيني فيكون الأمر أشد تعقيدًا ويحتاج إلى استهداف جين معين بدقة، وهو ما يتطلب أن تستثمر شركات الأدوية سنوات طويلة من البحث والتطوير، باستخدام تقنيات متقدمة ومكلفة.
كما أن تركيبة هذه العلاجات معقدة جدًّا، وعدد المرضى المستفيدين منها عادةً محدود، مما يجعل تكلفة الجرعة الواحدة مرتفعة، وبطبيعة الحال، تسعى الشركات المُطوِّرة إلى تغطية تكاليف البحث والإنتاج، وهو ما ينعكس على الأسعار المرتفعة حاليًّا.
عادةً ما تتم تغطية مثل هذه الأدوية من منظومة التأمين الصحي في الدولة، لأن المريض -كما سبق أن ذكرت- يكلف الدولة الكثير من المال طيلة حياته، وبالتالي سيكون من المُجدي اقتصاديًّا علاج مشكلته بجرعة دواء بالرغم من تكلفتها.
لكن من المتوقع أن تنخفض أسعار تلك الأدوية مستقبلًا مع دخول شركات جديدة إلى هذا المجال وتزايُد المنافسة، فلا تكون حكرًا على شركة بعينها.
أيكون التوسع في إنتاج تلك العلاجات على حساب أدوية الأمراض المنتشرة؟
يبتسم قائلًا: ليس من مصلحة شركات الأدوية ذلك، فالأدوية الموجهة إلى الأمراض المنتشرة تكلفة تجهيزها تقل نظرًا لاستخدامها من قِبل عدد كبير من المرضى، وبالتالي فإن تكلفة تطويرها تكون أقل نسبيًّا، وتحقق عائدًا أكبر بسبب حجم الطلب.
هل هذا يعني أن العلاجات الجينية ستبقى بعيدة المنال من حيث التكلفة؟
بالعكس، أتوقع أن تنخفض أسعارها لسببين: الأول أن هناك توجهًا حاليًّا للتوصل إلى أساليب تعمل على خفض تكلفة تطوير تلك الأدوية، وهذا سينعكس على سعر المنتج النهائي، والثاني أن ثمة تنافسًا بين الشركات من أجل ابتكار حلول أكثر نجاعة، أي مستثمر إذا اقتنع بأن مجالًا معينًا سيحقق له عائدًا اقتصاديًّا، يصبح الإنتاج مسألة وقت، لأنه سيسخِّر حينها كل الإمكانيات البشرية والمادية لتحقيق ذلك.
وما هي الأمراض التي تعتقد أنها لن تعالَج إلا بالعلاج الجيني؟
يصعب الجزم بشكل قاطع، لكن من المرجّح أن الأمراض الناتجة عن اضطرابات في جينات متعددة الوظائف، مثل أمراض النمو والتطوّر العصبي، ستكون من أكثر الحالات التي يصعب علاجها بالوسائل التقليدية.
في مثل هذه الحالات، لا يكفي استخدام مادة كيميائية تستهدف أحد المسارات الحيوية، لأن الخلل يكون عميقًا وجذريًّا في بنية الجين ذاته، وبالتالي يصبح العلاج الجيني هو الخيار الأكثر ملاءمة؛ لأنه يتدخل مباشرةً في تصحيح الجين أو استبداله، وهو ما لا تستطيع الأدوية التقليدية تحقيقه.
ولتقريب الفكرة، دعيني أشرح بمثال، تخيل أن الغرفة التي نجلس فيها الآن فيها عطل كهربائي، إذا كان الخلل بسيطًا، يمكن لفني أن يصلحه بسهولة، وهذا يشبه العلاج التقليدي الذي يستهدف وظيفةً معينةً دون المساس بالخريطة الجينية، أما إذا كانت المشكلة في البنية الأساسية للشبكة الكهربائية، فالحل سيكون في تغييرها بالكامل، تمامًا كالعلاج الجيني، إذ لا نعالج العرض فقط، بل نُدخل نسخةً سليمةً من الجين المتضرر لاستعادة الوظيفة الحيوية للعضلة.
كيف نستطيع إقناع الدول المانحة بدعم العلاج الجيني لمرضى دول الصراع؟
الدوافع الإنسانية واضحة للعيان بما فيه الكفاية، لكنَّ هناك أيضًا أسبابًا إستراتيجية تصب في مصلحة الدول المانحة نفسها، فالأمراض الوراثية، رغم أنها ليست مُعدية كالتي تسببها الفيروسات، إلا أنها قابلة للانتقال عبر الأجيال، خاصةً في ظل انتشار اللاجئين من دول الصراع حول العالم.
علاوةً على ذلك، فإن فهمنا للأمراض الوراثية المنتشرة في هذه المجتمعات يمنحنا رؤى أعمق يمكن أن تُسهم في فهم أمراض مشابهة في مجتمعات الدول المانحة نفسها.
في النهاية الجسم البشري واحد، وما نكتشفه في بيئةٍ ما قد يُسهم في تطوير علاجات تنفع البشرية جمعاء.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا