كتب: يوسف بروزيين
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
تأمين إنتاج الغذاء وتعزيز سبل العيش الريفية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمر يتطلب فهمًا أعمق لكيفية تفاعل أنظمة المياه والأراضي والمناخ معًا، من دون هذا النهج المتكامل، ستظل الجهود المبذولة لمعالجة أزمة المياه المتفاقمة وتدهور الأراضي وتغير المناخ غير كافية لمجابهة التحديات المتزايدة في المنطقة.
مع انخفاض نصيب الفرد من المياه العذبة خلال الخمسين عامًا الماضية، وارتفاع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، لم يعد تحسين إدارة الموارد خيارًا، بل ضرورة حتمية، إذ تمتلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الموارد المائية العذبة في العالم، ما يجعلها المنطقة الأكثر ندرةً في المياه عالميًّا.
وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الممتد والتغيرات في أنماط هطول الأمطار إلى زيادة الضغط على أنظمة المياه والأراضي الهشة، ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن يؤدي شح المياه الناجم عن تغير المناخ إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة.
وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال القطاع الزراعي يمثل ركيزةً أساسيةً لاقتصادات الريف، إذ يوفر فرص عمل لنحو 38% من القوى العاملة، ويسهم في إنتاج نحو 85% من الإمدادات الغذائية الطازجة في المنطقة، ومع ذلك، فإن عدم وجود فهم دقيق لكيفية تفاعُل المناخ والمياه والأراضي معًا والعلاقة بينهما يجعل تعزيز القدرة الزراعية على التكيف أمرًا بعيد المنال.
إدارة أكثر ذكاءً للموارد في ظل مناخ متغير
لتعزيز القدرة على الصمود في القطاع الزراعي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يحتاج صناع القرار إلى فهم أعمق لكيفية تفاعُل هذه الأنظمة معًا، ويتطلب ذلك تحسين نماذج المناخ، وتطوير أساليب محاسبة المياه، ودمج مصادر المياه البديلة -مثل تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي- في أطر إدارة الموارد.
تتمثل إحدى الخطوات الأساسية في تحسين دقة التنبؤات المناخية، إذ تعتمد السياسات الزراعية والمائية عليها بدرجة كبيرة، وتوفر النماذج المناخية العالمية توقعات عامة تفتقر إلى الدقة المطلوبة للتخطيط على المستوى المحلي، هنا تبرز أهمية تقنية ”خفض النماذج المناخية إلى مستويات دقيقة“، التي تساعد في تحديد تقديرات محلية لأنماط هطول الأمطار والتبخر والنتح، مما يوفر لصناع السياسات والمزارعين البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات ذكية تتسق مع المناخ.
في الوقت نفسه، يُعد تحسين محاسبة المياه عنصرًا أساسيًّا في الإدارة الذكية للموارد، لا تزال التقييمات الوطنية التقليدية تعتمد على بيانات مجزأة، بينما توفر النماذج الهيدرولوجية العالمية وتقنيات الاستشعار عن بُعد رؤى أكثر شموليةً حول استهلاك المياه وتوزيعها، فعلى سبيل المثال، في حوض سوس ماسة بالمغرب، تم تطوير ’لوحة معلومات إلكترونية لمحاسبة المياه‘ بالتعاون مع السلطات المحلية، إذ توفر بيانات فورية حول موارد المياه واتجاهات المناخ على المدى الطويل، مما يعزز الحوكمة واتخاذ القرار.
توسيع استخدام مصادر المياه البديلة
لكن البيانات وحدها لا تكفي، بل يجب أيضًا تنفيذ الحلول على نطاق واسع، ونظرًا لمحدودية الموارد المائية العذبة في المنطقة، تزداد أهمية مصادر المياه البديلة، مثل تحلية المياه، وتُعد المنطقة بالفعل رائدةً عالميًّا في هذا المجال، ولكن معظم الاستثمارات تركز على البنية التحتية الضخمة، مما يتطلب تعزيز الاتساق والشمولية في هذه الجهود.
تظهر وحدات تحلية المياه صغيرة الحجم التي تعمل بالطاقة الشمسية بوصفها حلًّا واعدًا لتحويل المياه الجوفية المالحة إلى مياه صالحة للري، مما يعزز الإنتاجية الزراعية ويرفع دخل المزارعين، ففي مصر، حيث يعتمد الري على استخدام مصادر مياه مختلطة بملوحة متغيرة، يمكن لوحدات التحلية الصغيرة تحسين جودة المياه وزيادة إنتاجية المحاصيل.
في الوقت ذاته، تمثل إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة فرصةً هائلةً لم تُستغَل بعدُ بالقدر الكافي؛ إذ تنتج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 21.5 مليار متر مكعب من مياه الصرف الصحي البلدية سنويًّا، ومع ذلك، لا يزال جزء كبير منها غير مستخدم، فنسبة محدودة فقط من هذه المياه تخضع للمعالجة وإعادة الاستخدام، وعلى الرغم من ذلك فإن تبنِّي هذا النهج آخذٌ في الازدياد مع إدراك الدول لإمكانياتها في الري، وتنسيق المناظر الطبيعية، وإعادة تغذية المياه الجوفية، ومع الاستثمارات المناسبة، يمكن لمياه الصرف الصحي المعالجة تعزيز الأمن المائي وتوفير مصدر ’جديد‘ للمياه من أجل دعم النظم الغذائية الزراعية في المنطقة.
الطريق إلى الأمام
تُعد التحديات الزراعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مترابطةً بعمق، مما يتطلب اتباع نهج يدمج بين علوم المناخ، وإدارة المياه، والتخطيط الزراعي، ومن خلال الاستفادة من النماذج المناخية المتقدمة، وتطوير تقنيات محاسبة المياه الدقيقة، والحلول المائية المبتكرة، يمكن للمنطقة تعزيز قدرتها الزراعية على الصمود في وجه تغير المناخ.
إن فهم الروابط الوثيقة بين المياه والأراضي والمناخ ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل أصبح ضرورةً لضمان سبل العيش، واستدامة إنتاج الغذاء، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في واحدة من أكثر المناطق تعرضًا للمخاطر في العالم.
** يوسف بروزيين، الممثل الإقليمي للمعهد الدولي لإدارة المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا