Skip to content

07/09/25

مَثُلات قرية ترسين حدثت من قبل وستحدث من بعد

6666_resized
الناجون من قرية ترسين يواصلون البحث بين الصخور والأنقاض عن ناجين وضحايا بعد الانهيار الأرضي الذي أعقب أمطارًا غزيرة. حقوق الصورة:Sudan Liberation Movement

نقاط للقراءة السريعة

  • وعورة التضاريس جعلت الوصول إلى المنطقة الجبلية النائية شبه مستحيل بالمركبات، ما أجبر عمال الإغاثة على قطع مسافات سيرًا على الأقدام ونقل الإمدادات على ظهور الحمير
  • الكارثة مرشحة للتكرار في قرى أخرى قائمة في مناطق معروفة بأنها معرضة لانهيارات أرضية قاتلة في أي وقت
  • ينبغي نقل القرى القائمة عند المنحدرات الجبلية، وإعادة الغطاء النباتي لتثبيت التربة

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة، SciDev.Net] قبل أيام، حوَّل انهيارٌ أرضي قريةَ ترسين بجبل مرة غربي السودان إلى أثر بعد عين، وطمس معالمها، لمَّا طمَّتها الصخور والأتربة المنزلقة من علُ، وأزهق من الأنفس قرابة الألف، وقيل: لم ينجُ من أهلها إلا واحد.

ففي آخر أغسطس المنصرم، وعقب أيام من هطول أمطار غزيرة متواصلة، تشبعت بها التربة، انزلقت الصخور من المنحدرات المحيطة بالقرية المنكوبة لدى أحد سفوح سلسلة جبل مرة بولاية وسط دارفور، الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الدعم السريع.

وحتى الرابع من سبتمبر الجاري، أعلنت منظمات إغاثية أن فرق الاستجابة تمكنت من انتشال نحو 375 جثة من تحت الأنقاض، بينهم عدد كبير من الأطفال، في حين لا تزال عمليات البحث جاريةً وسط صعوبات كبيرة في الوصول إلى المنطقة بسبب وعورة التضاريس والهطول المستمر.

هذه المأساة لم تكن حادثةً استثنائية، بل تذكرة مريرة بواقع يعيشه السودانيون منذ سنوات، إذ دفعتهم النزاعات المسلحة إلى الهرب نحو الأخاديد العميقة وسط جبل مرة، ليؤسسوا قرى وملاذات مؤقتة، تحولت في الحقيقة إلى إقامة مؤجلة بحكم الإعدام، لكونها قائمة في مناطق معروفة بأنها معرضة لانهيارات أرضية قاتلة في أي وقت.

الانهيارات الأرضية، هي حركة كتل من التربة أو الصخور أو مزيج منهما على طول منحدر، وقد تأخذ هذه الحركة أشكالًا متعددة، مثل الانزلاق أو السقوط أو التدحرج أو التدفق.

و”ثمة عوامل تسرِّع من حدوث هذه الانهيارات الأرضية، كما توجد عوامل تبطئها“، وفق كارم عبد المحسن، الباحث المشارك في كلية الاستدامة بجامعة أريزونا الأمريكية.

يقول عبد المحسن لشبكة SciDev.Net: ”وللأسف فإن النزاعات المسلحة دفعت السودانيين لفعل ما يزيد من احتمالية وقوعها، وجاءت تداعيات التغيرات المناخية -المتمثلة في هطول غزير للأمطار- لتسرع من وتيرة حدوث هذا السيناريو“.

يُعد تمديد الغطاء النباتي وبسطه أحد الحلول الفعالة التي تلجأ إليها الدول في المناطق المعرضة لخطر الانهيارات الأرضية، كما هو الحال في منطقة عسير بالسعودية على سبيل المثال.

تمتد جذور الأشجار والنباتات عميقًا في التربة لتربط مكوناتها معًا وتمنعها من الانزلاق عند هطول الأمطار الغزيرة، كما تعمل أوراق النباتات كدرع يخفف من قوة سقوط قطرات المطر، فتحد من تفتيت التربة، بينما تمتص الجذور جزءًا من مياه الأمطار وتطلقه تدريجيًّا، فتقلل من تشبُّع التربة وتزيد من تماسُكها.

وبذلك يصبح الغطاء النباتي خط الدفاع الأول أمام الانهيارات الأرضية التي قد تتحول إلى كوارث مدمرة، وفق عبد المحسن، الباحث في العلوم الجيولوجية والبيئية.

ويوضح: ”بينما تستثمر الدول في هذا الحل، فإن ما حدث في السودان على النقيض تمامًا، فالذين هُرعوا لتلك المناطق الوعرة البعيدة عن النزاعات المسلحة، أزالوا الغطاء النباتي ليتمكنوا من الإقامة“.

”هناك، شقوا طرقًا على المنحدرات دون تخطيط هندسي، ومارسوا أنشطة حفر المناجم والتعدين العشوائي، مما أدى إلى نشاطات زلزالية مصطنعة، وكلها عوامل تضعف التربة والصخور، ثم يأتي هطول الأمطار الغزيرة ليكون ضغطةَ الزناد التي تطلق النار، فتسرِّع حدوث الانزلاقات الطينية والصخرية“.

ما حدث في ترسين يجسد بوضوح التفاعل بين العوامل البشرية -مثل النزاعات المسلحة وإزالة الغطاء النباتي والتعدين العشوائي- والعوامل الطبيعية، المتمثلة في الأمطار الغزيرة وتداعيات التغير المناخي، لتهيئ البيئة لانهيار أرضي بهذا الحجم الكارثي.

التحذيرات لم تكن غائبة، ففي عام 2018 مثَّل انزلاق أرضي في قرية تربا، إحدى المستوطنات الجبلية الصغيرة في وديان جبل مرة، إنذارًا مبكرًا بعد أن أودى بحياة ما لا يقل عن 19 شخصًا، وبعد سبع سنوات، جاء إنذار أشد لهجةً في 31 أغسطس 2025، ليحصد أرواح المئات.

يشير عبد المحسن إلى أن ”المناخ المتطرف الذي تشهده المنطقة سيزيد من وتيرة الأمطار الغزيرة خلال السنوات المقبلة، وسيكون السودان على موعد مع ضغطة زناد أخرى إذا لم تُتخذ إجراءات وقائية“.

تتوافق هذه المخاوف مع نتائج دراسة نُشرت في نوفمبر عام 2024 بدورية ’تقارير علمية‘، شارك فيها عبد المحسن، توقعت أن تزداد غزارة الأمطار في القرن الحالي بمناطق منابع نهر النيل.

ويعني هذا أن ”السودان أكثر حاجةً إلى التعامل العاجل مع خطر الانهيارات الأرضية التي تهدد القرى والمستوطنات في وديان وأخاديد الجبال“.

ويردف عبد المحسن: ”منطقة جبل مرة ليست الوحيدة التي تضم مستوطنات بشرية في الوديان والأخاديد، فهناك أيضًا جبل النوبة جنوب كردفان، وهي منطقة جبلية وعرة تقع على سفوحها قرى صغيرة تعتمد على الزراعة التقليدية، وكذلك جبال البحر الأحمر شرق السودان، التي تضم وديانًا ضيقة ومستوطنين قرب الأودية“.

وفي ظل تزايُد مخاطر الانهيارات الأرضية، تبرز الحاجة إلى إجراءات وقائية صارمة، تشمل نقل القرى القائمة على المنحدرات الجبلية، وإعادة الغطاء النباتي لتثبيت التربة، وتخطيط التجمعات السكانية بعيدًا عن السفوح والأخاديد شديدة الانحدار، إلى جانب مراقبة المنحدرات والمناطق المعرضة باستخدام المسح الجيولوجي وأجهزة الإنذار المبكر التي تستشعر حركة التربة، كخط دفاع أساسي للتقليل من الكوارث قبل وقوعها.

يقول محمد الناير، المتحدث الرسمي لما تطلق على نفسها ’حركة تحرير السودان‘، والتي تقع منطقة جبل مرة ضمن سيطرتها: ”نحن منفتحون على كل الحلول، وندعو كل المنظمات الدولية للتعاون معنا في سبيل تنفيذها، لكن لا سبيل لتنفيذ أي مقترح ما لم تتوقف الحرب، التي تعد السبب الرئيس للنزوح إلى القرى الواقعة في أخاديد ووديان جبل مرة“.

ويوضح الناير أن قرية ترسين -على سبيل المثال- كانت قليلة السكان، لا يتجاوز عدد منازلها 100 منزل، زاعمًا أن هجمات نظام عمر البشير (الرئيس السوداني السابق) على الفاشر ومناطق أخرى من دارفور، دفعت بالمزيد من النازحين إلى ترسين، مما ”حوَّل المنطقة إلى بؤرة نزوح مستمرة على مدى السنوات التسع الماضية“.

وحتى لا تتكرر مأساة قرية ترسين في نحو عشر قرى أخرى ضمن نطاق جبل مرة، يدعو الناير المنظمات الدولية إلى دعم الجهود الرامية إلى نقل سكان هذه القرى إلى مناطق آمنة بعيدًا عن المنحدرات المعرضة للانهيارات الأرضية، كما يطالب بالمساعدة في إنشاء أنظمة إنذار مبكر قادرة على التنبؤ بوقوع مثل هذه الانهيارات قبل حدوثها بوقتٍ كافٍ.

يقول شبلي صهباني -ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان- لشبكة SciDev.Net: إن فريقًا مشتركًا بين الوكالات الأممية، بما في ذلك المنظمة، وصل إلى المنطقة يوم الجمعة 5 سبتمبر لتقييم الوضع، وكان التحدي الرئيس أمام سرعة الاستجابة مع الكارثة، هو صعوبة الوصول، إذ تقع القرية في منطقة نائية، وزاد موسم الأمطار من تعقيد المهمة.

وعن التدابير الوقائية لحماية القرى المجاورة من المصير نفسه، يقول صهباني: ”ستُجري بعثة التقييم المزيد من التحقيقات حول هذا الموضوع“.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا