كتب: عمرو فتح الله
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[طرابلس، SciDev.Net] ظهرت سوسة النخيل الحمراء مجددًا في شرق ليبيا، إذ انتشرت بسبع مزارع في واحة أوجلة، التي لم تعهدها من قبل أواخر يناير الماضي.
الحشرة نوع من الخنافس ذات الخطم، ويرقاتها (الطور الضار) تنهش الأنسجة الخشبية لقلوب جذوع النخيل.
في المنطقة نفسها، واحات أخرى أبرزها جالو وإجخرة ومرادة، وفيهن جميعًا 3 ملايين نخلة، منها 1.3 مليون في أوجلة وحدها، وتُعد من أهم مناطق إنتاج التمور في البلاد.
وهي كذلك الأكثر تنظيمًا في تسجيل كميات الإنتاج، ”الذي يتراوح بين 80 و120 ألف طن سنويًّا“، على حد قول سليمان موسى، مقرر اتحاد منتجي التمور في الواحات.
ووفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، بلغ إجمالي إنتاج ليبيا من التمور في عام 2023 نحو 188 ألف طن، غير أن هذا الرقم محل تشكيك من بعض المسؤولين المحليين، من بينهم عبد السلام المعداني، مدير المشروع الوطني لتنمية النخيل بوزارة الزراعة.
كذلك يشير المعداني إلى أن عدد النخيل في ليبيا -وفق تقديراتهم- لا يقل عن 10 ملايين نخلة، في حين قدرت ’فاو‘ أعدداها بنحو 7 ملايين نخلة عام 1996.
يقول المعداني: ”إن إنتاج التمور يمثل رافدًا اقتصاديًّا مهمًّا، وثاني أكبر مصدر للعملة الصعبة بعد صادرات النفط والغاز، رغم غياب الإحصاءات الدقيقة“.
”الوضع خطير“، وفق مفتاح الباشك، منسق قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في أوجلة؛ إذ تنتشر الآفة في المزارع، ”دون التمكن حتى الآن من تحديد البؤرة الأصلية للتفشي، فجميع النخل المصاب قديم ولم تزرع أي شتلات جديدة“.
يقول الباشك لشبكة SciDev.Net: ”بلغت نسبة الإصابة في بعض المزارع حوالي 20%، واضطررنا إلى إزالة 65 نخلة من أصل 900 في إحداها، بسبب استفحال الإصابة واستحالة معالجتها“.
ويتابع: ”يكمن الخطر في أن الإصابات مبعثرة في مزارع شرق الواحة وغربها وشمالها، وبعضها قريب من المنطقة الحدودية مع جالو، ولا أستبعد أن تكون الآفة قد وصلت إليها بالفعل“.
يُذكر أن للحشرة الكاملة القدرة على الطيران المتواصل مسافة 800-1200 متر، ولعدة كيلومترات طيرانًا متقطعًا، والأنثى تبيض من 200 إلى 300 بيضة، تفقس بعد 3-5 أيام، لتخرج منها اليرقات.
صاحب أول مزرعة اكتُشِفت فيها الإصابة، محمد بترون، يحكي: ”لم أكن لأنتبه لولا سقوط إحدى الأشجار، والتي عندما فحصتها وجدت عددًا كبيرًا من الحشرات البالغة واليرقات، فأخذت عينات منها إلى مسؤول قطاع الزراعة الذي حدد أنها سوسة النخيل الحمراء“.
تُعد سوسة النخيل الحمراء أكثر الآفات خطرًا وتدميرًا لأشجار النخيل فى العالم.
”الأضرار التي تسببها آفات النخيل مجتمعة، وهي نحو 115 آفة، أخف من ضرر سوسة النخيل الحمراء وحدها، فضررها يصل إلى حد القضاء على النخلة بأكملها“، وفق محمد كمال عباس، الأستاذ في قسم بحوث ناخرات الأشجار والأخشاب والنمل الأبيض بمركز البحوث الزراعية في مصر.
اليرقة لها فم قارض ذو فكوك قوية جدًّا، وتتغذى على قلب جذع النخلة، وشرهة للغاية، حتى لتجعل من الساق إسطوانة فارغة تمامًا، إلا من الأنسجة المهترئة.
ويمتلك بترون 600 نخلة أصيبت 25 منها، اجتُثت 5 منها، في حين خضعت باقي الأشجار المصابة للعلاج بالمبيدات، من قِبل مكتب الوقاية والحجر الزراعي بالبلدية.
يقول بترون لشبكة SciDev.Net: ”هذه الحشرة جديدة علينا ولم نعرفها من قبل، وعلى الأرجح انتقلت لنا من مزرعة مجاورة زُرع فيها حديثًا 900 شتلة من نخيل تمر (المجدول) استوردت من مصر“.
وحول تاريخ دخول هذه الآفة إلى ليبيا، يقول فتحي الطاهر، أخصائي وقاية النبات بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية بحكومة الوحدة الوطنية: ”سُجلت سوسة النخيل الحمراء في البلاد لأول مرة بمدينة طبرق شرق البلاد عام 2009، ثم ظهرت في ترهونة غرب ليبيا عام 2010 وقُضي عليها قبل أن تعاود الظهور في بنغازي عام 2016، ثم في الجفرة عام 2019“.
يقول الطاهر للشبكة: ”ظهور هذه السوسة يعني وجود خلل في نظام الحجر الزراعي، بل إن ظهورها داخل منطقةٍ ما يُلزم -بموجب قانون وقاية النباتات- إعلانها منطقة حجر زراعي، خاصةً وأن أوجلة تُعد مركزًا لتصدير الشتائل إلى المناطق الأخرى“.
”يبدو أن الآفة موجودة في أوجلة منذ مدة لا تقل عن سنتين، فالمزارعون لا يعرفونها، وإزالة هذا العدد من النخيل خلال أشهر قليلة هو كارثة بيئية، فلا يمكن زراعة أشجار جديدة مكانها إلا بمضي 3 سنوات دون تسجيل إصابة واحدة داخل مصائد الفيرومونات المنتشرة في المنطقة“، وفق الطاهر.
جدير بالذكر أن للحشرة ثلاثة أجيال متداخلة في السنة.
الظروف البيئية قد تُسهم في تسريع انتشار الآفة، نظرًا لتكيُّف السلالة القادمة من مصر مع الظروف المناخية والبيئية المشابهة في ليبيا، وفق حمدتو الشفيع، القائد الفني لمشروع الاتحاد الدولي لمكافحة سوسة النخيل الحمراء، الذي ينفذه المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا).
ونشاط سوسة النخيل يتأثر بالعوامل المناخية، إذ لا تنشط الحشرة في درجات الحرارة المرتفعة جدًّا أو المنخفضة جدًّا، ما يعني أن ذروة انتشارها تكون في فصلي الربيع والخريف، وتحديدًا في شهري مارس وأبريل، ثم سبتمبر إلى نوفمبر، يُتوقع أن تنخفض أعداد الآفة نسبيًّا خلال أشهر الصيف شديدة الحرارة.
لن تُغني المكافحة عند الاكتفاء ”بحرق جذوع النخيل المصاب“؛ لأن العذارى في الشرانق تكون عادةً في المحيط الخارجي بساق النخلة أو في قواعد الكرب، أما اليرقات فتسكن قلبها المنهوش.
يقول الشفيع لشبكة SciDev.Net: ”غالبًا لا تصل الحرارة إلى اليرقات التي تحفر عميقًا داخل الجذع، بل يجب فرم النخيل المصاب باستخدام آلات مخصوصة“.
”تشمل الطرق الحديثة لإدارة مكافحة هذه الآفة فحص النخيل كل 45 يومًا من قِبل أشخاص مدربين، إما عن طريق الملاحظة البصرية لأعراض الإصابة، أو باستخدام حساسات صوتية رقمية متوافرة تجاريًّا“، وفق الشفيع.
تدريب المزارعين، وبناء قدرات المهندسين الزراعيين المسؤولين عن مكافحة السوسة، أمران بالغا الأهمية، كما يوضح الشفيع، مؤكدًا إتمام هذا، إلى جانب أن فرض اللوائح الصارمة للحجر الزراعي من قِبل وزارة الزراعة والبلديات يُعد أمرًا ضروريًّا للسيطرة على انتشار السوسة.
ويضيف: ”يجب دمج كل هذه الأساليب ضمن حزمة واحدة من الإدارة المتكاملة للآفات، بهدف الحفاظ على مستوى الإصابة دون العتبة الاقتصادية المسببة للضرر، وهي نسبة إصابة لا تتجاوز 1%“.
يوافقه الرأي محمد الكيلاني، رئيس لجنة مكافحة سوسة النخيل بالمركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي في بنغازي، مؤكدًا أهمية وضع خطة وطنية شاملة للمكافحة، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، أسوةً بالدول الأخرى في المنطقة.
يقول الكيلاني للشبكة: ”دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتعاون مع الفاو لمكافحة هذه الآفة، ما عدا ليبيا، فحكوماتها المتعاقبة تغط في سبات عميق، والمنظمة لن تتدخل من دون طلب رسمي من ليبيا“.
ويتابع: ”الفرق العاملة في الواحات تفتقر إلى المُعدات الحديثة في الكشف عن السوسة، وآلات فرم الأشجار والإمكانيات اللوجستية الأخرى، ويفتقرون إلى المعرفة حول التقنيات الحديثة المتبعة لمكافحة سوسة النخيل، ويحتاجون إلى التدرُّب عليها“.
والمشكلة الأكبر هي النقص الحاد في الكوادر البشرية المدربة، بالنظر إلى كثرة أعداد أشجار النخيل وامتداد المزارع على مساحات واسعة وتداخُلها، وفق الكيلاني.
ويحذر الكيلاني: ”لا نتمنى أن يصل الحال بمزارع الواحات كما وصل بمزارع ضواحي بنغازي، التي دُمرت بأكملها تقريبًا، وتجاوزت نسبة الإصابة فيها 60%، وامتد الأمر إلى إصابة نخيل الزينة في حدائق المدينة ومتنزهاتها“.
كذلك يحذر بترون: ”أشجار النخيل هي مصدر الدخل لمجتمعنا المحلي، إذا لم تسعفنا الحكومة والجهات المختصة، فسنتكبد خسائر فادحة“.
يقول موسى لشبكة SciDev.Net: ”نتوقع أن يتأثر إنتاجنا خلال الموسم القادم بحوالي 10% إذا استمر انتشار الآفة بهذا المعدل“.
ويستطرد: ”لم نعد نكترث بمدى تأثُّر إنتاجنا، بل صار همنا الأول هو إيقاف هذه الحشرة الخطرة من الانتقال إلى المزارع الأخرى، وإفساد ما بنيناه منذ سنوات طويلة“.
وفي الختام يؤكد الطاهر: ”الأمر يفوق قدرة الفلاحين والبلدية، والمطلوب خطة إستراتيجية كاملة تضعها الدولة، وبرنامج وطني خاص لمكافحة هذه الآفة، تطلقه الحكومة“.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا