Skip to content

02/06/26

إعادة تدوير المياه الجوفية مجدية في تخزين الكربون بالمعدنة داخل صخور البازلت

ea3335e0-b46d-49e0-b87d-5b796c4f72d7
انبعاثات الصناعات الثقيلة تمثل تحديا متزايدا يدفع الباحثين لتطوير تقنيات تخزين الكربون داخل الصخور البازلتية. حقوق الصورة:Curt Carnemark / World Bank. CC license: (CC BY-NC-ND 2.0 DEED).

نقاط للقراءة السريعة

  • تفتقر مناطق بجزيرة العرب وشمال أفريقيا إلى خزانات مياه جوفية مالحة ومصائد رسوبية مُلائمة للتخزين التقليدي للكربون بحقن الغاز عالي الضغط والكثافة أسفل طبقات صخرية غير منفذة
  • نجاح مشروع تجريبي على نطاق صناعي، صُمم للتخلص من الكربون داخل صخور بازلتية في غرب السعودية، قرب منطقة تتميز بوجود مصادر انبعاث كبيرة لثاني أكسيد الكربون
  • يتجاوز نجاح التجربة حدود المملكة، إذ يُمكن تكييف هذه العملية بسهولة لاستخدامها في مناطق أخرى ذات تكوينات صخرية مماثلة

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة، SciDev.Net] تغلب باحثون على عائق لوجستي رئيس، يقف حجر عثرة أمام ’معدنة‘ ثاني أكسيد الكربون تحت سطح الأرض في المناطق القاحلة؛ لتخزينه عن طريق إذابته في المياه الجوفية المعاد تدويرها، وضخه بالمكان نفسه تقريبًا.

تحويل ’الروح الشاذة‘ أو ’الهوجاء‘ -أو ’الجامحة‘ كما أطلق عليه قديمًا- إلى معادن صلبة مستقرة، تقنية واعدة للتخلص الدائم من انبعاثات الكربون، الناجمة عن استخراج النفط وتكريره، وتوليد الطاقة، ومحطات تحلية المياه، والصناعات الثقيلة.

لكن مشكلة حبس الكربون في باطن الأرض وحصره بالمعدنة تتلخص في أنها عملية قد تتطلب كميات من المياه العذبة أو المحلاة، تفوق كتلة ثاني أكسيد الكربون المراد تخزينها بما يتراوح بين 20 و50 ضعفًا أو أكثر.

من ثم، لجأ فريق بحثي -يضم خبراء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في السعودية (كاوست)- إلى استغلال مياه الصخور البركانية القاعدية الداكنة على سواحل البحر الأحمر في عملية ’التمعدن‘ هذه، ونجحت.

نهجٌ جديدٌ يزيل العقبة لاستخدامها على نطاق واسع، ويفتح الباب أمام نشر هذه التقنية عالميًّا.

وحلٌّ يبدو مثاليًّا، أتى في وقت تواجه فيه دول الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضغوطًا متزايدةً لخفض الانبعاثات دون التخلِّي عن مصادر دخلها وثرائها.

ففي دراسة نُشرت مؤخرًا بمجلة ’علوم الأرض‘، إحدى إصدارات ’نيتشر‘، برهن الباحثون على إمكانية تخزين الكربون داخل صخر البازلت، بالخلط مع المياه الجوفية المستخرجة منه، ثم حقنهما في الصخور البركانية المسحوبة منها.

تأتي الدراسة في وقت لا تزال فيه الانبعاثات عند مستويات قياسية؛ إذ بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة عالميًّا 37.4 مليار طن في 2023، في حين تجاوزت انبعاثاته الناجمة عن احتراق الوقود في الشرق الأوسط ملياري طن في العام نفسه، وفق وكالة الطاقة الدولية.

أرقام توضح مدى إلحاح وضرورة تخزين الكربون في قطاعات إنتاجية بالمنطقة، يصعب خفضها مثل الأسمنت والصلب والبتروكيماويات والتكرير.

في النهج الجديد، حقن الباحثون 131 طنًّا من ثاني أكسيد الكربون في صورة ماء مكربن داخل تكوينات بازلتية بمنطقة جيزان غرب السعودية، وتمعدُن نحو 70% من الكربون المحقون خلال نحو عشرة أشهر.

وتقدر الدراسة أن تكوينات البازلت في جيزان قد تستوعب نظريًّا نحو 4.2 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يجعل الموقع مهمًّا بالنسبة للانبعاثات الصادرة عن الأنشطة الصناعية بالمنطقة.

آلية إذابة ثاني أكسيد الكربون في المياه الجوفية المعاد تدويرها وحقنه داخل الصخور البازلتية ليتحول إلى معادن مستقرة تحت الأرض. (الرسم توضيحي مقتبس من Oelkers et al. Nature 2006 ومعدل بالذكاء الاصطناعي)

”معدن الكربون ليس جديدًا في الطبيعة، إذ تزيل الأرض سنويًّا نحو 0.4 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون عبر التجوية والتمعدن الطبيعي“، كما يوضح إريك أولكرز، أستاذ الجيوكيمياء الزائر بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية والمؤلف الرئيس للدراسة.

”لكن الأنشطة البشرية تضيف إلى الغلاف الجوي نحو 100 ضعف هذه الكمية“.

ويشرح: ثاني أكسيد الكربون يذوب في الماء مكونًا حمضًا ضعيفًا يساعد على إذابة معادن السيليكا وإطلاق عناصر تتحد مع الكربون، لتكوين معادن كربونية.

يقول أولكرز لشبكة SciDev.Net: ”معادن يمكن أن تبقى مستقرةً لأكثر من 200 مليون سنة“.

وتكمن أهمية التجربة -كما يوضح أولكرز- في أن التقنية لم تحتج إلى مياه خارجية، إذ يعتمد النظام على سحب المياه من بئر بالتكوين الجيولوجي، وإذابة ثاني أكسيد الكربون فيها ثم إعادة حقنها في بئر أخرى، وبعد تحول الكربون إلى كربونات يمكن تدوير المياه مرةً أخرى، في دارة شبه مغلقة في التكوين نفسه.

يؤدي التفاعل في باطن الأرض إلى تكوين معادن كربونية، مما يُزيل ثاني أكسيد الكربون من الماء، وعندما تعود المياه إلى السطح، يُمكن إضافة المزيد من ثاني أكسيد الكربون.

يوضح أولكرز أن كل بيئة جيولوجية تحتاج إلى حل مختلف لتخزين الكربون؛ ففي حين تمتلك بعض مناطق الخليج خزانات غازية قد تصلح للتخزين التقليدي، تفتقر مناطق أخرى في الشرق الأوسط إلى هذه البنية.

ويشير إلى أن هذه البيئات البركانية موجودة بمصر وشمال أفريقيا، وأن ”أجزاء من ساحل البحر الأحمر تضم صخورًا بازلتيةً مشابهةً لتلك التي أُجريت عليها الدراسة“.

من الناحية الاقتصادية، يشير أولكرز إلى أن هذه التقنية قد تكون تنافسية، خاصةً إذا كانت المنشآت الصناعية قريبةً من مواقع التخزين.

ويستطرد: ”تكلفة التخزين في آيسلندا قد تصل إلى نحو 5 دولارات للطن، بينما تقدر في الإمارات بحوالي 15 دولارًا للطن“، وهي تكلفة يعدها منخفضةً مقارنةً بالضرائب المفروضة على الوقود في كثير من الدول.

ويقول أولكرز إن هذا النهج يقلل الحاجة إلى إمداد خارجي بالمياه، ويخفض تراكُم الضغط تحت السطح مقارنةً ببعض أشكال التخزين التقليدي.

وكذلك ”يتجاوز مشكلةً جوهريةً في المناطق الجافة التي قد يكون فيها استخدام المياه لأغراض تخزين الكربون موضع انتقاد سياسي واجتماعي“.

ويرى عبد الحميد أحمد كليو -أستاذ الجيومورفولوجيا المساعد المتفرغ بجامعة المنصورة في مصر- أن انتشار الصدوع والشقوق في الحرات البركانية على جانبي البحر الأحمر ”يفتح الباب أمام التفكير في هذه الصخور كأحواض طبيعية لاحتجاز الكربون“.

من جانبه، يقول محمد توفيق، المتخصص في جغرافية المناخ التطبيقي، والأستاذ بجامعة سوهاج في مصر: إن المعدنة تضيف طبقة أمان مقارنةً بالتخزين الغازي التقليدي، لأنها تخرج الكربون من الدورة المناخية لمدد طويلة جدًّا.

لكنه يؤكد -في الوقت نفسه- أن هذه التقنية يجب ألا تقدم باعتبارها بديلًا لخفض الانبعاثات أو التوسع في الطاقة المتجددة، بل بحسبانها أداةً مكملةً للتعامل مع الانبعاثات التي يصعب التخلص منها في الصناعات الثقيلة.

ويريد جواد الخراز -المؤسس والمدير التنفيذي لشبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ- أن يبرز الفرق الجوهري بين تجربة جيزان والتخزين التقليدي، وأنه يكمن في مصير الكربون نفسه.

ففي التخزين التقليدي يُحقن ثاني أكسيد الكربون غالبًا في صورة غازية أو كثيفة داخل خزانات ملحية عميقة أو حقول نفط وغاز مستنفدة، ويعتمد الأمان على بقاء الغطاء الصخري مانعًا للتسرب.

أما في البازلت، أو أي صخر قاعدي داكن، فإن معدنة الكربون توفر ”أمانًا ذاتيًّا“ أكبر، على حد قول الخراز، لأنه ”يجعل الكربون جزءًا من القشرة الأرضية بدلًا من بقائه غازًا مضغوطًا“.

ومن الناحية الاقتصادية يقول الخراز لشبكة SciDev.Net: ”تكلفة التخزين المعدني قد تكون منافسةً مقارنةً بأساليب التخزين التقليدية، لأن ضغط الحقن في تجربة جيزان كان أقل كثيرًا من الضغوط المطلوبة عادةً في التخزين التقليدي، ما قد يخفض استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل“.

ويستطرد: ”لكن نجاح هذه التقنية يتطلب تمويلًا وبنيةً تحتيةً وأطرًا تنظيميةً واضحة، خصوصًا في الدول النامية التي لديها تكوينات بازلتية لكنها لا تملك قدرات ماليةً أو مؤسسية مماثلة لدول الخليج“.

ويضيف الخراز أن ”تكلفة حفر الآبار العميقة، وإنشاء شبكات أنابيب محكمة، وتشغيل منظومة القياس والمراقبة، ستظل عناصر حاسمةً في تحديد الجدوى الاقتصادية للتقنية“.

وتتفق هذه الملحوظات مع تحديات أشارت إليها الدراسة؛ إذ رصد الباحثون نظام جريان معقدًا، يجمع بين مسارات سريعة عبر الشقوق والفوالق وأخرى أبطأ داخل الصخور، وهو ما قد يعقد التنبؤ بسلوك الخزان عند التوسع الصناعي.

كما تشير الدراسة إلى أن ترسب المعادن داخل الصخور قد يقلل تدريجيًّا من المساحات المتاحة لتدفق السوائل، وهو ما قد يحد من السعة الفعلية للتخزين عند التوسع الصناعي.

يرى الخراز أن الدراسة نقلت التقنية من النطاق المختبري إلى نطاق تجريبي صناعي ناجح، بما قد يرفع مستوى نضجها التكنولوجي تمهيدًا للتطبيق التجاري.

ويردف: ”غير أن قيمتها المناخية ستعتمد في النهاية على طريقة استخدامها: هل ستكون وسيلةً لإدارة الانبعاثات الصعبة في المصانع الضخمة ومحطات التحلية، أم مبررًا لإطالة عمر الوقود الأحفوري؟“.

يبين أولكرز أن فريقه يعمل حاليًّا على عدة مشروعات لدمج هذه التقنية مع إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون، وهو ما قد يفتح المجال أمام تقليل انبعاثات بعض الصناعات الثقيلة.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا