كتب: حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] كان يُفترض أن يكون السودان من أكثر دول المنطقة حظًّا واستقرارًا، إثر اكتشافات معدنية، وفرت فرصةً تاريخيةً للتنمية والازدهار الاقتصادي، لكن ثروته من الذهب انقلبت باندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى وقودٍ لصراعٍ دامٍ يلتهم الحاضر ويهدد المستقبل.
وصارت السيطرة على مناجم الذهب وشبكات تهريبه أحد محركات النزاع الرئيسة ومصدرًا لتمويله، وفي القلب منه مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث تحولت المعركة على أطرافها إلى سباق محموم للسيطرة على الثروات المعدنية المحيطة بها.
المحتربون -وعلى رأسهم ميليشيات الدعم السريع- ينشدون الهيمنة على المدينة وتأمين طرقها المؤدية شمالًا وغربًا نحو مناطق التعدين الكبرى مثل جبل عامر وكبكابية والسريف، وضمان الوصول إلى مسارات التهريب الإقليمية الممتدة نحو تشاد وليبيا، التي تُستخدم في نقل الذهب ومقايضته بالوقود والسلاح.
واستخراجه على النحو الجاري حاليًّا، واستخلاصه في ظل الظروف والأحوال الراهنة صيَّره لعنةً على كل حي في أرض السودان المنكوب؛ إذ لمأساة الاحتراب على الذهب وجهٌ آخر لا يقل خطورةً عن أخطار الحرب.
فالتعدين الأهلي السائد في هذه المناطق -بما يحمله من استخدام واسع لمواد شديدة السُّمِّيَّة، فائقة التلويث- يهدد بتحويل أجساد السكان إلى بيئات خصبة لأمراض صامتة لا يقل تأثيرها تدميرًا عن قصف المدافع.
كما أن بطن الفاشر لا يكتنز الذهب وحده، بل هناك ركاز ثمين لم يُستخرج كله بعد، وفق عبد الباقي الجيلاني، وزير المعادن السوداني السابق.
يقول الجيلاني لشبكةSciDev.Net : ”الفاشر تقع ضمن نطاق إقليم دارفور الغني بموارد معدنية متنوعة تشمل الذهب، والرصاص والزنك، والكروميت، واحتياطيات من البوكسيت والكاولينيت، بالإضافة إلى مؤشرات على وجود اليورانيوم والحديد وأنواع من الحجارة الصناعية مثل الحجر الجيري والرخام“.
ويضيف: ”هذه التشكيلة الجيولوجية اجتذبت اهتمامًا اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا بالإقليم منذ عقود، وتمنح مدينة الفاشر أهميةً خاصة، لكونها بوابةً بين حقول الذهب في شمال دارفور (جبل عامر ومحيطه) والحدود مع تشاد وليبيا التي تُستخدم للتهريب والإمداد“.
ورغم حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصاديـة، ثمة تقرير صادر عن المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس) في مارس 2025، تشير بياناته إلى أن إنتاج السودان من الذهب 64 طنًّا عام 2024 وفق المعلن رسميًّا.
ذلك بطبيعة الحال غير المنهوب، ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن الكمية الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، إذ إن جزءًا كبيرًا من ذهب شمال دارفور يُهرب عبر تشاد إلى دول إقليمية، وهو ما يجعل من السيطرة على الفاشر بوصفها حلقة اتصال رئيسية بشبكات التهريب، ساحة حرب.
وفق التقرير ذاته؛ استُخرج حوالي 10 أطنان من الذهب بقيمة 860 مليون دولار من المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع في عام 2024، على الرغم من الجدل حول دقة هذا الرقم في ظل تراجُع إنتاج جبل عامر خلال العام نفسه.
يقدر الجيلاني أن ”الإنتاج الحقيقي للذهب في السودان يصل إلى 200 طن سنويًّا، يُهرب منه (85%) عبر الحدود المفتوحة والمطارات“، ما يحرم الاقتصاد الوطني موردًا حيويًّا كان يمكن أن يغير ملامح التنمية في البلاد.
يطغى الحديث عند ذكر معارك الفاشر عن الذهب ويتمحور حوله، لكن الأمر -في تقديره- أعمق من ذلك بكثير.
يوضح الجيلاني: ”العالم يشهد منذ عام 2021 ما يمكن اعتباره الثورة الصناعية الخامسة التي تعتمد على مجموعة من المعادن الحرجة مثل الليثيوم، والتانتالوم، والعناصر الأرضية النادرة، والتي تقوم عليها صناعات الأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتكنولوجيا البلوك تشين، والطاقة الخضراء“.
ويضيف: ”مع كل ثورة صناعية، يُعاد رسم خريطة العالم وفقًا لتوزيع الموارد، والصراعات الحالية حول العالم، بما فيها السودان، ليست سوى وسيلة لإعادة تقسيم للثروات والموارد، عبر وكلاء محليين“.
وحتى الآن، يعتمد الوكلاء المحليون في النزاع السوداني -من جماعات مسلحة وميليشيات- بشكل كبير على عوائد التعدين الأهلي الذي يستخرج الذهب فقط بوسائل بسيطة وسريعة العائد، أما الأطراف ’الإقليمية‘ المحركة لهذه الصراعات فتضع أعينها على المعادن الحرجة الإستراتيجية التي لا تزال الأرض السودانية حُبلى بها، كما يشير جيلاني.
ويأتي نحو 85% من الذهب السوداني عبر التعدين الأهلي، الذي يمارسه سكان ريفيون، في مناطق واسعة بالبلاد، يفتقرون غالبًا إلى الوعي بالمخاطر الكيميائية المرتبطة به.
يقدر حسن بخيت -رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين والموارد الطبيعية- ”عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليوني شخص“.
حول أخطار إنتاج الذهب بالسودان يقول بخيت لشبكة SciDev.Net: ”يعتمد التعدين الأهلي على وسائل بدائية تنطوي على أخطار بيئية وصحية جسيمة، بسبب استخدام الزئبق والسيانيد في عمليات الاستخلاص“.
هذا النشاط، الذي كان في الأصل وسيلةً لتأمين المعيشة، تحول تدريجيًّا إلى أحد روافد اقتصاد حرب متصاعدة، بعد أن فرضت المجموعات المسلحة سيطرتها على مناطق التعدين أو بدأت في فرض ضرائب ورسوم غير رسمية على المنقِّبين الأهليين.
ويحذر بخيت من أن غياب التنظيم قد يجعل هذا القطاع أكثر هشاشةً أمام نفوذ الجماعات المسلحة.
ومع احتدام القتال اليوم حول الفاشر، وما تمثله من قيمة في إقليم دارفور الغني بالمعادن، يبدو أن الاستخدام المستبيح للمواد السامة في استخراج الذهب، ليس سوى أحد مظاهر انهيار أعمق، ستكون له عواقب بيئية وصحية واقتصادية سيتكشَّف خطرها على الأرجح في المستقبل القريب.
يقول الجيلاني: ”يجب أن نعترف بأن التعدين السطحي في حد ذاته ليس أزمة، ولكن المشكلة في أدوات تنفيذه، التي لا تمكِّننا من إدارة الموارد على نحوٍ جيد“.
والمشكلة الأعمق -في تقديره- هو أن ما يجري في السودان اليوم لا يمكن اعتباره ”تعدينًا أهليًّا“ بالمعنى التقليدي، بعد أن تجاوزت أعماق الحفر عشرات الأمتار وأصبحت المعدَّات الثقيلة جزءًا أساسيًّا من العملية، ما يجعلها أقرب إلى تعدين صغير غير منظم، ”يحتاج إلى إدخاله تحت مظلة القانون واللوائح الجيولوجية“.
ورغم التحديات، يرى جيلاني أن ”المنع ليس حلًّا، بل التنظيم، كما فعلت دول مثل غانا وتنزانيا، بدعم من مبادرات عالمية نفذها البنك الدولي ومرفق البيئة العالمي“.
ويقترح الجيلاني تجميع الحرفيين في تعاونيات صغيرة على مساحات محدودة (2–4 كم²)، وتحويل النشاط إلى تعدين صغير منظم يخضع لقواعد واضحة، بما يضمن حماية البيئة والاستفادة من موارد البلاد المعدنية دون إهدارها أو تهريبها.
ومع تأكيده أن الحلول ممكنة لأنها أثمرت في دول أخرى، إلا أنه يعترف في الوقت نفسه بأن ”الصراع الحالي لا يبشر بخير“.
ويختم قائلًا: ”إذا لم يستفق السودانيون ويتجاوزوا هذه الأزمة، ويسعوا إلى تنظيم قطاع التعدين لحماية المواطن والبيئة، فإن دماءهم ستظل الوقود الرخيص لمعركة كبرى تُحسم فوق تراب بلادهم، بينما يذهب ذهبهم ومعادن الثورة الصناعية الخامسة إلى غيرهم“.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا