Skip to content

07/07/26

ملياران يُعانون ”فقر التبريد“

Children cooling off with clean, piped water in Khan Village, Lao PDR.
أطفال يبردون أنفسهم بمياه الصنبور في قرية خان، جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، عام 2015. حقوق الصورة:Asian Development Bank (CC BY-NC-ND 2.0)

نقاط للقراءة السريعة

  • فقر التبريد يمس ملياري نسمة بالبلدان منخفضة الدخل والمتوسطة
  • مخاطر الحرارة تتفاقم بسبب سوء الإسكان والرعاية الصحية والتعليم
  • خطط العمل المواجهة للحر قد تُسهم في حل المشكلة حال تطبيقها وتمويلها

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة] يُواجه أكثر من ملياري نسمة في بعض أفقر المجتمعات مستوياتٍ عاليةً من ”فقر التبريد“، حيث يتعرضون لحر شديد يُهدد معاشهم دون وسائل آمنة أو ميسورة التكلفة للابتراد، وفقًا لتحليل جديد.

وتُحذر دراسة نُشرت في مجلة ’نيتشر الاستدامة‘ من أن موجات الحر متزايدة التكرار والشدة تُسبب ارتفاعًا حادًّا في الأخطار الصحية والوفيات على مستوى العالم، وأن الفئات الأكثر تعرضًا للخطر هي الأقل قدرةً على التكيف.

يأتي هذا في الوقت الذي تُعاني فيه أجزاء من الهند وباكستان درجات حرارة تتجاوز 45 درجة مئوية.

وكذلك حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من ارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في جميع أنحاء العالم خلال الأشهر المقبلة بسبب ظاهرة إل نينيو.

في معرض تعريف مصطلح ’فقر التبريد‘ يبين جياكومو فالشيتا -من المركز الأورومتوسطي لتغيُّر المناخ، والمؤلف الرئيس للدراسة- أنه ”لا يقتصر على الافتقار إلى مكيف هواء فحسب“، على حد تعريفه.

يقول فاشيتا لشبكة SciDev.Net : ”ما نسميه فقر التبريد المنهجي، يشير إلى الظروف التي يُحرم فيها الأفراد من تحقيق الأمان الحراري“.

وأوضح أن خطر الحرارة يتفاقم عندما يفتقر الناس لا إلى أجهزة التبريد فقط، بل أيضًا إلى السكن اللائق والرعاية الصحية والمعلومات الكافية حول مخاطر الحرارة.

حلّلت الدراسة بيانات من أكثر من مليون أسرة في 28 دولة، معظمها في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

من بين ما يقرب من ثلاثة مليارات شخص شملتهم الدراسة، يعيش حوالي 1.2 مليار في مناطق تعاني فقر تبريد متوسطًا، ويواجه حوالي 550 مليونًا حرمانًا شديدًا من التبريد، وهناك حوالي 600 مليون آخرون يكابدون حرمانًا عاليًا في أبعاد متعددة، وفقًا لحسابات الدراسة.

توضح عزيزة محمد -أستاذ الجغرافيا البشرية والدراسات الحضرية بجامعة القاهرة في مصر- أن الدراسة تُحوّل النقاش حول الحر من قضية مناخية بحتة إلى قضية تنموية واجتماعية ومكانية.

تقول عزيزة لشبكة SciDev.Net: ”لا يكمن الخطر الحقيقي في المناخ وحده، بل في التفاعل بين الحر والفقر وجودة الإسكان وضعف الخدمات الصحية وغياب البنية التحتية الملائمة“.

وتُعدّ جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المنطقتين الأكثر تضررًا، لأسباب مختلفة؛ ففي جنوب آسيا، يعيش ما يقرب من 80% من السكان في العينة في مناطق يتجاوز فيها مؤشر فقر التبريد المنهجي 55 من 100.

ويقول فالشيتا: إن التعرُّض الواسع النطاق للحرارة والرطوبة في دول مثل الهند ونيبال وبنجلاديش يتضافر مع وجود أعداد كبيرة من العمالة العاملة في العراء، ونقص في التعليم، وقلة في الوصول إلى المعلومات، وضعف في سياسات التبريد.

أما هارجيت سينج -الناشط المناخي والمدير المؤسس لمؤسسة ساتات سامبادا للمناخ- فيقول: إن جنوب آسيا ”تقف في خطوط الجبهة الأمامية لأزمة المناخ“، إذ تواجه ”مزيجًا قاتلًا من الهشاشة الجغرافية وعدم المساواة الاقتصادية النظامية“.

 ويوضح سينج أن الخطر لا يكمن في الحر وحده، بل في الحرارة الرطبة التي تُضعف قدرة الجسم على تبريد نفسه عن طريق التعرّق؛ ففي منطقة ذات كثافة سكانية عالية وعمالة غير رسمية، لا يُعدّ اللجوء إلى غرفة مكيفة خيارًا متاحًا لمعظم السكان.

أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فالدراسة اكتشفت أن مخاطر الحر الشديد ناجمة عن ضعف البنية التحتية الوقائية، وقد سمى فالشيتا كلًّا من إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وملاوي دولًا تعاني حرمانًا شديدًا في جودة الإسكان والمياه والصرف الصحي والطاقة، فضلًا عن نقص المساحات الخضراء والمائية المُبرّدة.

وحتى في المناطق الأقل حدةً من حيث الحرارة والرطوبة، فإنه حذّر من أن ”الغياب شبه التام للبنية التحتية الوقائية يعني أن أي تفاقُم للحرارة سيكون كارثيًّا“.

وقدرت الدراسة أن حوالي 1.5 مليار شخص يعيشون في مناطق بلا بنية تحتية كافية ويفتقرون إلى الظروف الصحية الملائمة لمواجهة الحرارة، ويندرج أكثر من 90% من سكان إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وملاوي وزامبيا ضمن هذه الفئة.

في المقابل، سجلت مصر مستويات منخفضة نسبيًّا من ”فقر التبريد“ (40 من 100)، على الرغم من تعرُّض 82% من سكانها لدرجات حرارة ورطوبة خطرة، وقد حققت أداءً جيدًا في مجالات البنية التحتية والاجتماعية والسياساتية.

وتُسلط الدراسة الضوء على أن السكن غير اللائق يضاعف من مخاطر الحر؛ إذ تُصبح المنازل المبنية بمواد بدائية للأسقف والأرضيات والجدران مصائد للحرارة بدلًا من أن تكون ملاذًا آمنًا.

يشير سينج إلى أن الملايين من فقراء الحضر يعيشون في مساكن ذات أسقف من الصفيح أو الأسبستوس، ما قد يجعل درجات الحرارة داخل البيوت أعلى بخمس درجات مئوية من الخارج، كما أن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وتلوث المياه، وبؤس الصرف الصحي يحُد من التبريد والترطيب والحماية.

ويزيد ضعف الرعاية الصحية من حدة الخطر، وفقًا للدراسة، وحددت نيبال واليمن وباكستان وبنجلاديش وغواتيمالا من بين الدول الأكثر حرمانًا في هذا الصدد، يوضح فالشيتا أن محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية تعني أن الأمراض المرتبطة بالحرارة، والتي يمكن علاجها، قد تكون قاتلة.

والعمال الذين يعملون في العراء -سواء في الزراعة أو البناء أو النقل أو التجارة غير الرسمية- أكثر تعرضًا للخطر، إذ يقضون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة.

يشير فالشيتا إلى أن النساء والأقليات العرقية والدينية وكبار السن والأسر الفقيرة والأطفال هم الأكثر تضررًا؛ لأنهم أكثر تعرضًا للعيش في مساكن رديئة، ويفتقرون إلى المعلومات والرعاية الصحية، ولديهم أقل موارد للتكيف.

كانت معايير التعليم والعمل هي الشكل الأكثر انتشارًا لفقر التبريد الذي تم تحديده في الدراسة.

نحو 2.2 مليار شخص، أي ما يقرب من 75% ممن شملتهم الدراسة، يعيشون في مناطق محرومة وفقًا لهذا المنظور، تحتل الهند المرتبة الأولى، حيث يواجه 95% من سكانها الحرمان، تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيبال ورواندا وملاوي.

ولا يمكن أن يحل المشكلة تكييف الهواء، الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة ويُرهق شبكات الكهرباء الهشة، وهذا محل اتفاق بين تتفق الدراسة والخبراء.

يقول فالشيتا: ”إن معالجة فقر التبريد من خلال توزيع أجهزة تكييف الهواء وحدها لن يكون كافيًا ولا مستدامًا“.

ولا يساور سينغ أي شك: ”لا يمكننا بأي حال من الأحوال حل هذه الأزمة بالتكييف فقط“.

مفهوم “فقر التبريد” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتخذ أشكالًا مختلفة، وفق جواد الخراز المؤسس والمدير التنفيذي لشبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ. ففي دول الخليج لا ترتبط المشكلة غالبًا بعدم توفر أجهزة التكييف، وإنما بما يسميه “العدالة الحرارية”، إذ يظل العمال في قطاعات مثل البناء والخدمات اللوجستية والزراعة معرضين لساعات طويلة من الحر الشديد في أماكن مفتوحة، رغم توافر التكييف في مساكنهم. أما في دول مثل لبنان واليمن، فيظهر فقر التبريد بصورة مختلفة نتيجة أزمات الطاقة والانقطاع المتكرر للكهرباء، ما يجعل امتلاك أجهزة التكييف غير كافٍ في غياب الكهرباء.

ويحذر الخراز من أن الاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف التقليدية ليس حلًا مستدامًا، لأنها ترفع استهلاك الكهرباء وتزيد الانبعاثات، كما تسهم في تفاقم ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية” عبر طرد الهواء الساخن إلى الشوارع، وهو ما يرفع درجات الحرارة في المدن ويزيد الحاجة إلى المزيد من التبريد.

ويضيف أن الحل لا يكمن في زيادة أعداد أجهزة التكييف، بل في أنظمة تبريد أكثر كفاءة، وأكواد بناء تراعي المناخ، والتوسع في المساحات الخضراء، وتشريعات تحمي العمال من الإجهاد الحراري. ويشير إلى أن الإمارات وقطر والسعودية بدأت بالفعل تطبيق مبادرات في هذه المجالات، مثل أنظمة تبريد المناطق، ومعايير البناء المستدام، ومشروعات التشجير الحضري.

بدلًا من ذلك، تدعو الدراسة إلى سياسات منسقة ومنخفضة التكلفة تشمل الإسكان والمياه والصحة والعمل والتخطيط الحضري.

يقول فالشيتا إن التصميم الأفضل للمساكن يمكن أن يخفض درجات الحرارة الداخلية دون استهلاك طاقة، توسيع المساحات الخضراء والأشجار والحدائق والمسطحات المائية يمكن أن يوفر تبريدًا على مستوى المجتمع، بينما يُعد تحسين المياه والصرف الصحي تدخلًا فعالًا للتبريد والصحة في آن واحد.

يضيف سينج: طلاء أسطح الصفيح أو الخرسانة بطلاء أبيض عاكس لأشعة الشمس يمكن أن يخفض درجات الحرارة الداخلية بمقدار درجتين إلى خمس درجات مئوية، في حين يوفر القش والطين عزلًا حراريًّا بأسعار معقولة، ويدعو إلى إنشاء ملاجئ تبريد عامة مزودة بمياه شرب مجانية للعاملين في العراء، واستعادة المساحات الخضراء والمسطحات المائية في الحضر، وتوسيع نطاق استخدام مراوح التيار المستمر الأفرجونية عالية الكفاءة.

وتقول تشاندني سينج، الأستاذ المشارك في المعهد الهندي للمستوطنات البشرية: إن السياسات بالغة الأهمية، وتضيف أن حماية البنية التحتية الزرقاء والخضراء، وقوانين البناء المراعية للمناخ، مثل سياسة الأسطح الباردة في الهند، يمكن أن تُسهم في حل المشكلة.

يعتقد فالشيتا أن خطط العمل الصحية لمواجهة الحر قد تُسهم في الحد من فقر التبريد، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تكاد تكون معدومة.

ويقول هارجيت سينج: إن مدنًا في الهند وباكستان وبنجلاديش قد طبقت خططًا لمواجهة الحر، لكن العديد منها يفتقر إلى القوة القانونية والميزانيات اللازمة.

ويرى أنه على الحكومات اعتماد فترات راحة إلزامية للعاملين في العراء، وقوانين بناء تتكيف وتغيُّر المناخ لتوفير مساكن بأسعار معقولة، وتعويضات مالية للعمال الذين يتقاضون أجورًا يومية عندما تجبرهم تحذيرات الحر على البقاء في منازلهم.

لكن تشاندني سينج حذرت قائلة: ”لا يمكن التغلب على الحر الشديد بالتكيف إلى ما لا نهاية؛ فلكل شيء حدود“.

هذا الموضوع أُنتج عبر النسخة الدولية لشبكة SciDev.Net.

** تم تحديث التقرير بتاريخ 12 يوليو بتعليقات إضافية للدكتور جواد الخراز، من إعداد محررة النسخة العربية.