كتب: حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] تباشر الجرافات ومعدات الحفر الثقيلة عملها في بسط ملاءة طينية فوق الكثبان الرملية؛ بغية تثبيتها؛ لإيقاف العواصف الرملية والغبارية في جنوب العراق.
وكانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي قد وجهت بتنفيذ مشروع جديد يمتد خمس سنوات، واستئناف الجهود وتعزيزها لمكافحة التصحر وتفاقم ظاهرة العواصف الرملية والغبارية في فصلي الربيع والصيف.
وقدرت وزارة البيئة العراقية أن البلاد قد تشهد نحو 243 عاصفة سنويًّا، مع احتمال ارتفاع عدد الأيام المغبرة إلى 300 يوم سنويًّا بحلول عام 2050 في حال عدم اتخاذ إجراءات صارمة.
التوجيه جاء بعد نتائج وصفت بالإيجابية حققها مشروع دولي سابق اعتمد على حزمة من التدخلات البيئية، وفق إفادة لشبكة SciDev.Net من بسام كنعان عبد الجبار، مدير عام دائرة الغابات ومكافحة التصحر بوزارة الزراعة العراقية.
المشروع الدولي أُطلق عام 2023، بشراكة بين برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ’الموئل‘ والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، ويمتد حتى نهاية عام 2026، وبلغ تمويله نحو 13 مليون دولار.
حاليًّا، تواصل الحكومة التدخلات، التي تستهدف منطقة الكطيعة بغرب محافظة ذي قار، والتي اختيرت بعناية، بعد دراسة اعتبرتها أحد أبرز مصادر العواصف الرملية بالجنوب، وتنفق عليها بتمويل وطني، مستندةً إلى الدروس المستفادة من العمل الذي شارف على الانتهاء.
يشير عبد الجبار إلى أن جهود تثبيت الكثبان الرملية في العراق تعود إلى عام 1978، لكنها ظلت محدودة النطاق لسنوات طويلة بسبب ضعف التمويل، قبل أن يتيح المشروع الدولي توسيع التدخلات.

حفر لاستخراج طبقات طينية تستخدم مباشرة في تثبيت الكثبان الرملية دون استهلاك مياه
بين السماوة والناصرية، تكتسب المنطقة المستهدفة أهميةً خاصة، نظرًا إلى أن العواصف الرملية المنبعثة منها عابرة للحدود، إذ يمتد تأثيرها إلى دول مجاورة مثل الكويت والسعودية وقطر.
وفضلًا عن المشكلات الصحية للسكان، وتعليق الرحلات الجوية، فإن آثار هبوب العواصف ”تأتي مباشرةً على طريق دولية سريعة، حيث تشهد حوادث متكررة نتيجة انزلاق المركبات، وتدني مستوى الرؤية“، وفق عبد الجبار.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه العواصف الرملية في العراق تصاعدًا ملحوظًا من حيث التكرار والشدة، بفعل آثار التغير المناخي.
أما المشروع الدولي الذي يقترب من النهاية، فقد اعتمد على حزمة متكاملة من التدخلات البيئية، مبنية على منهج علمي لتحديد المناطق الأكثر تأثرًا بالعواصف الغبارية، وجمع بين التحليل المكتبي واستخدام صور الأقمار الصناعية لرصد مصادر الغبار النشطة، وتتبُّع تغيُّر الغطاء النباتي، وحركة الرمال، واستُكملت هذه المعطيات بزيارات ميدانية وحفر اختبارية محدودة للتحقق من خصائص التربة وملاءمتها لتطبيق التقنية، وفق إفادة محمد نصار -مدير برنامج الموئل في العراق- لشبكة SciDev.Net.
شملت التدخلات تثبيت الكثبان الرملية بالتغطية الطينية، إلى جانب استعادة الغطاء النباتي عبر غرس نحو 30 ألف شتلة، وتوزيع أربعة أطنان من البذور المحلية المقاومة للجفاف، فضلًا عن إنشاء قنوات ري بطول 39.5 كيلومترًا، وتوفير شبكة كهرباء بطول 7.5 كيلومترات لتشغيل المضخات.

متابعة ميدانية لأعمال الحفر ضمن مراحل إعداد مواقع تثبيت الكثبان الرملية
بالنسبة للتغطية الطينية، يوضح نصار أنها تقوم على زيادة وزن سطح الكثيب وتعزيز تماسك حبيباته، عبر فرش طبقة طينية مضغوطة بسماكة تتراوح بين 25 و30 سنتيمترًا، ما يحد من قدرة الرياح على تحريك الرمال، ويُهيئ في الوقت ذاته بيئةً أوليةً تساعد على تثبيت الغطاء النباتي لاحقًا.
ولا يتطلب الأمر استخدام المياه في أثناء التنفيذ، ولا يعتمد على نقل مواد من مسافات بعيدة، إذ يُستخرج الطين محليًّا من المناطق المحيطة بالكثبان نفسها، عبر أعمال حفر محدودة، تتراوح أعماقها بين متر وستة أمتار، تصل إلى الطبقات الغنية بالطين، وتُستخدم مباشرةً في تغطية الكثبان، ما يقلل الكلفة والأثر البيئي.
يقول نصار إن جدولة الأعمال خلال موسم الأمطار تتيح الاستفادة من الرطوبة الطبيعية في تحقيق التماسك والدمك السطحي، وهو ما يمنح هذه المقاربة أهميةً خاصةً في بلد يعاني شحًّا مائيًّا مزمنًا، دون منافسة الاستخدامات الزراعية أو المنزلية.
لكن أحمد إسماعيل -من المركز القومي للبحوث بمصر- تساءل حول قدرة التغطية الطينية على تحقيق نتائج طويلة الأمد، مشيرًا إلى احتمالات حدوث اضطراب موضعي للتربة نتيجة أعمال الحفر.
ويعتبر إسماعيل -الأستاذ بقسم البلمرات والمخضبات في معهد بحوث الصناعات الكيماوية العضوية التابع للمركز- أن المعاملات الكيميائية لتثبيت التربة قد تحقق درجات أعلى من الاستدامة عبر تكوين قشرة أكثر تماسكًا وصلابة.
يقول إسماعيل للشبكة: ”التحفظات البيئية المرتبطة بالتثبيت الكيميائي يمكن تجاوزها باستخدام منتجات صديقة للبيئة“، مشيرًا إلى تجربة سابقة طور خلالها مستحلبًا بوليمريًّا يخفف بالماء ويرش على الرمال، ما يؤدي إلى تماسك حبيباتها دون آثار سامة، أو تلوث للمياه الجوفية.
غير أن نصار يرجح كفة التغطية الطينية، موضحًا أن هذه التقنية طُبقت خلال تسعينيات القرن الماضي وأثبتت فاعليتها، إذ ظلت بعض المواقع المعالجة مستقرةً لأكثر من ثلاثة عقود.

شتلات مزروعة فوق كثبان مثبتة بالطين ضمن حزمة متكاملة لاستعادة الغطاء النباتي
وفريق المشروع يعمل حاليًّا على إعداد دراسة علمية محكمة لتقييم العمر الافتراضي للتدخلات، وفق نصار، الذي يشير إلى أن ”النتائج الأولية تُظهر أن استقرار التربة قد يمتد من 20 إلى أكثر من 100 عام، تبعًا لشدة الرياح وعوامل التعرية“.
ولا ينكر نصار احتمالات الاضطراب الموضعي للتربة، لكنه يؤكد أن إدارتها تتم عبر تحديد دقيق لنطاق الحفر، وتجنُّب الأراضي الزراعية والمناطق الأثرية، وضمان تصميم هندسي آمن يسمح بإعادة الاستقرار الطبيعي بعد انتهاء الأعمال.
وعند المقارنة بالتثبيت الكيميائي، يشير نصار إلى أن هذه الأساليب، إلى جانب آثارها البيئية المحتملة، تعاني تراجعًا في المتانة تحت درجات الحرارة المرتفعة وسرعات الرياح الشديدة، ويستشهد بتجربة ميدانية للبنتونايت على مقطع بطول 100 متر خلال موسم الصيف، فشلت نتيجة الحرارة العالية.
ويختم قائلًا: ”التغطية الطينية لا تُستخدم وحدها، وليست حلًّا منفردًا، بل تُستغل ضمن حزمة متكاملة من التدخلات، بما يحول مناطق المصدر من بؤر لانبعاث الغبار إلى أراضٍ أكثر استقرارًا وقابلة للإنتاج على المدى الطويل، ويعزز فرص الاستدامة البيئية والاقتصادية في واحدة من أكثر مناطق العراق هشاشة“.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا