Skip to content

21/09/26

حرائق الجزائر خلفت اضطرابًا عميقًا في منظومة بيئية متكاملة

algeria_fires_veterinary_996x567
قافلة بيطرية تفحص حيوانات تضررت من حرائق الغابات في الجزائر، وسط خسائر واسعة طالت الثروة الحيوانية. حقوق الصورة:Riad Mazouzi/ SciDev.Net

نقاط للقراءة السريعة

  • غابات انتهت بها الحياة النباتية والحيوانية في الوقت ذاته
  • بعض المناطق المنكوبة قد تعجز عن استعادة غطائها النباتي وتنوعها الحيوي
  • حماية المنظومات الطبيعية وتعزيز قدرتها على الصمود والتكيف مع التغيرات المناخية

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[الجزائر، SciDev.Net] يسوق البنك الدولي أرقامًا مفزعة عن الحرائق بالجزائر، إذ سجلت بين عامي 1985 و2022 أكثر من 75 ألف حريق في الغابات، وفي كل عام، كان يحترق في المتوسط نحو 35 ألف هكتار، أي ما يعادل مساحة 50 ألف ملعب لكرة القدم.

والواقع أن هذا إجمال مخل يختزل -في أرقام عمياء- مآسي ”مزارعين ورعاة ماشية ومربي نحل وأُسرٍ فقدت سبل كسب عيشها بين عشية وضحاها“، لما امتد السعير إلى القرى وما حولها، تمامًا مثلما أتت نيران هذا الصيف على مصدر رزق شريفة الأحمر، ببلدية جمعة بني حبيبي، في ولاية جيجل، شرقي الجزائر.

من عشرين رأسًا من الغنم والمعز والبقر، لم يبق للأرملة التي تعول ثلاثة أبناء سوى عنزة واحدة.

تقول شريفة لشبكة SciDev.Net: ”لم تدع النيران كذلك 400 شبكة زيتون لي حتى تفحمت“، وهي لا تدري الآن كيف تعتاش هي وبنوها، ولا تعرف سبيلًا لتوفير المأكل والمشرب ومستلزمات الدراسة لهم، ولا تعلم كيف تعوض هذا الفقدان، وهل هذا ممكن أم لا؟

آلاف مسَّهم الضر مثل شريفة في جيجل هذه -أشد الولايات المنكوبة- حيث أحصت مديرية المصالح الفلاحية بالولاية 12,074 فلاحًا متضررًا، وفقد من الثروة الحيوانية 7,130 رأسًا من الماشية، وأكثر من 211 ألفًا من الدواجن، ومن الزروع أتلف أكثر من 425 ألف شجرة مثمرة، فضلًا عن خسارة 8351 خلية نحل ممتلئة و2414 خلية فارغة، وحتى الثاني من سبتمبر كانت عمليات حصر الخسائر لا تزال مستمرة.

وهي كذلك، أرقام خرساء لا تنطق بوصف دمار موائل الحياة البرية، وضياع مكوناتها من أحياء حيوانية ونباتية، وفقدان القدرة على التعافي مجددًا، فإلى جانب الخسائر المباشرة، يؤدي تدمير الغابات مثلًا إلى إضعاف الوظائف الحيوية لمستجمعات المياه، وتقليص قدرة الأراضي الطبيعية على تنظيم المياه وتخزينها.

في الحرائق الأخيرة وحدها، قدر نظام الإنذار والتنسيق العالمي للكوارث المساحة التي طالتها النيران بنحو 17,476 هكتارًا بحلول 7 سبتمبر، إذ شبت ثم استعرت بفعل الرياح وعوامل أخرى حتى امتد لهيبها إلى 16 ولاية، تركزت بالمناطق الشمالية، إلى جانب حرائق متفرقة في بضع ولايات في الغرب.

تتألف الغابات الجزائرية من الصنوبر الحلبي (68٪) والبلوط الفليني (21٪)، وهي تواجه -فضلًا على الحرائق- الرعي الجائر، والتوسع الزراعي، وتغير المناخ الذي يسهم في إزالة الغابات وتدهورها بمرور الوقت، وبالحرائق استحالت المساحات التي كانت تكتسي بحلة خضراء بهية إلى فحم ورماد.

وتحت سواتر الدخان، ورائحة شواء بغيضة مقبضة تملأ الأجواء وتزكم الآناف، هناك آلاف من القردة والثعالب والذئاب والشياهم والقنافذ والخنازير والأرانب وغيرها من حيوانات البرية، نفقت إما حرقًا أو خنقًا، أو تكسرت عظامها وهي تفر هاربةً تبتغي النجاة من الهلاك، ولكن لا مناص.

هذه الحيوانات ليست مجرد كائنات نافقة، وإنما هي أدوات ووسائل حفظ اتزان البيئة وصيانة نظام الطبيعة عن الخلل، على حد قول بسمة بلجاوي، الخبيرة في البيئة والتغيرات المناخية: ”ثمة اضطراب عميق اعترى منظومة بيئية متكاملة، من نباتات وحيوانات وكائنات دقيقة وتربة وموارد مائية وعلاقات إيكولوجية تراكمت في غضون عشرات وربما مئات السنين“.

صحيح أن البياطرة من مختلف الولايات هُرعوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مثل عبد الفتاح بوعجيل، لكن الخطب أفدح من الخيال، وأبعد عن المعالجة، ما دفعه لوصف كآبة المشهد لشبكة SciDev.Net بأنها ”كارثة، بأتم معنى للكلمة“.

لقد صارت حرائق الغابات في الجزائر أكثر تواترًا وأشد ضراوة.

البنك الدولي يقول: ”لا يقتصر الأمر على تواتُر الحرائق فحسب، بل امتد ليشمل شدتها وضراوتها أيضًا، إذ أسهمت موجات الجفاف الطويلة، وارتفاع درجات الحرارة، وتدهور الأراضي في زيادة وتيرة الحرائق الضخمة التي تنتشر بسرعة أكبر، وتحترق بدرجات حرارة أعلى، وتخلّف وراءها دمارًا أوسع نطاقًا، ولا يبدو أن هذا الاتجاه في طريقه للتباطؤ“.

من الحيوانات النافقة ما انتفخ، ومنها ما انتثر.

يقول بوعجيل: ”جثث الحيوانات النافقة تمثل خطرًا على البشر إذا اقترب منها إنسان، فلربما انفجرت بفعل الغازات المتراكمة فيها، وهي لا شك تمثل مصدرًا لعدد من الأمراض“، ناهيك بنهش بعض الحيوانات الناجية أجزاء من النافقات، وعند احتكاكها ببشر قد تنقل إليه المرض، أو تسربه إلى مصادر المياه عند ورودها للشرب منها.

ثم إن هناك آثار لما تظهر بعد، وإنما قد تظهر مع بدء موسم الأمطار، كما تحذر فاطمة الزهراء بداوي -مهندسة البيئة بمؤسسة سوناطراك الحكومية- التي تلفت النظر إلى احتمال انتقال نواتج تحلُّل الجثث إلى مصادر المياه، بما فيها المياه الجوفية، خاصةً مع تراكُم أعداد كبيرة من الجثث، وظلال الموت التي خيمت على معظم الأرجاء.

تحلُّل جثث الحيوانات في الطبيعة عملية طبيعية تعيد المواد العضوية والعناصر الغذائية إلى التربة، لكن ”تراكُم أعداد كبيرة منها في مساحة محدودة وخلال مدة قصيرة قد يرفع تركيز نواتج التحلل والمواد العضوية والميكروبات في البيئة المحيطة“.

تقول فاطمة لشبكة SciDev.Net: ”حجم الخطر يتوقف على أعداد الحيوانات النافقة وموقعها وطبيعة التربة وقربها من مصادر المياه؛ فمع هطول الأمطار قد تنتقل بعض نواتج التحلل مع الجريان السطحي إلى المجاري المائية، بينما يتوقف وصولها إلى المياه الجوفية على عوامل من بينها نفاذية التربة والصخور وعمق المياه الجوفية وكمية الأمطار“.

والأمر له بُعد آخر، إذ لما جاءت الأمطار بالفعل في الثاني عشر من سبتمبر الجاري، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرائق، ازدادت معها مخاطر انجراف التربة والجريان السطحي.

وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، يؤدي فقد الغطاء النباتي وتغيُّر خصائص التربة بعد الحرائق إلى تقليل قدرتها على امتصاص المياه، فتزداد كميات المياه الجارية فوق سطحها، حاملةً معها التربة والرماد والرواسب، خاصةً على المنحدرات.

تقول بسمة: ”نحن أمام مرحلة يجب أن ننتقل فيها من منطق إطفاء الحريق إلى حماية المنظومات الطبيعية وتعزيز قدرتها على الصمود والتكيُّف مع التغيرات المناخية“.

وتدعو إلى عملية إعادة تشجير مدروسة، تعتمد الأنواع المحلية المناسبة لحماية التربة، ”لا يكفي أن نزرع آلاف الأشجار ونقول إن الغابة عادت، الأهم هو أن نعيد بناء نظام بيئي قادر على الصمود“.

وتختتم بسمة: ”الغابة اليوم جريحة، لكنها ليست ميتة، وإذا رافقنا الطبيعة بالعلم، وبالحماية، يمكن مع الوقت أن تعود أقوى وأكثر قدرةً على مواجهة تحديات المستقبل“.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا