كتب: أشرف أمين
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[هايدلبرج، SciDev.Net] على مدار الشهور الماضية لم تتوقف شركات الذكاء الاصطناعي عن إظهار إمكاناتها، لا في إعداد رسائل الدكتوراة فحسب، بل في حل عدد من المعادلات الرياضية، بعضها استعصى على العلماء لعقود.
كان هذا وغيره، داعيا إعلان “اختلال حاد في مواءمة الذكاء الاصطناعي في مجال الرياضيات“، الذي صدر في 11 سبتمبر الماضي، ووقعه عدد من أبرز علماء الرياضيات الحاصلين على ميدالية فيلدز، وهي واحد من أعلى درجات التكريم، تمنح كل أربع سنوات لعدد قليل من شبابهم، وتوصف بأنها “نوبل في الرياضيات”.
وكذلك لإطلاق “إعلان ليدن”، من قِبل علماء الرياضيات في يونيو الماضي، ووقعه أكثر من أربعة آلاف، للتعبير عن ضرورة وضع أطر ضابطة لاستخدام التكنولوجيا في البحوث وحماية النزاهة العلمية والشفافية.
والإعلان له دعوة تتمحور حول اتخاذ إجراءات للتصدي للتحديات التي يفرضها استخدام الذكاء الاصطناعي في أبحاث الرياضيات.
وترددت أصداء التحولات الطارئة على المجتمع البحثي بسبب الذكاء الاصطناعي في ملتقى هايدلبرج الثالث عشر لعلماء الرياضيات وعلوم الحاسب، الذي أقيم في المدة من 13 إلى 18 سبتمبر بألمانيا.
وما بين قبول الأمر الواقع بمحاولة التكيف، أو الدعوة لتأطير تنظيمي، إلى الرفض والإنكار، تراوحت آراء كبار العلماء المشاركين بالملتقى، ومنهم الحاصلين على جوائز ‘تورينج‘ “نوبل في الحوسبة”، وآبل، التي تمنحها النرويج في الرياضيات معادلة لجائزة نوبل المرموقة.
الأمر الوحيد الذي اتفق عليه الجميع، هو صعوبة التكهن بالمستقبل، خاصة وأن وتيرة التطورات المتلاحقة، تسارعت لدرجة الحدوث كل عدة أسابيع، وبالتالي يبدو التفكير في مستقبل الرياضيات والعلوم الأساسية بعد عامين أو خمس درب من الخيال.
يزداد المشهد تعقيدا عند التفكير في مستقبل شباب الباحثين بالدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط والذين يعتمدون تماما على مهاراتهم الذهنية في حل المعادلات كما كان الحال لقرون طويلة، واليوم هم مطالبون بتوفير موزانات لخدمات الآلة الذكية لإنتاج البحوث الدولية أسوة بأقرانهم.
أيتراجع الباحثين بالدول النامية عن دراسة الرياضيات؟ أونشهد نهاية مهنة “باحث رياضيات” برمتها مثل الكثير من الوظائف التي يتم استبدالها “بالوكيل الذكي”؟
العالم الأمريكي، تشارلز بينيت الحاصل على جائزة تورينج عام2025 ، ويُعدّ أحد الآباء المؤسسين لنظرية المعلومات الكمومية، يقول أن ما نشهده حاليا يشبه الثورة الصناعية، ولكن في مجال المعلومات، إذ يولد هذا التحول فرصا عديدة لزيادة الإنتاجية، ولكنه يتسبب أيضا في الكثير من الاضطرابات والتحولات الجذرية.
يقول بينيت لشبكة SciDev.Net: “ما يحدث في علم الرياضيات لا يعني إلغاء دور البشر في طرح أسئلة مثيرة للاهتمام وتحديد مسارات البحث”.
“الأمر يشبه إلى حد ما تذمر من كنا نطلق عليهم ‘الحاسوب البشري’ والذين كانوا يقومون بإجراء حساباتهم الرياضية باستخدام المسطرة الحاسبة منذ القرن الثامن العشر حتى ستينات القرن الماضي حين تم استبدالهم بالكمبيوتر”.
يحدد بينيت المشكلة: “ليست في الآلة، وفق تقديره، ولكن في الذين سيستخدمونها ممن يشغلون مناصب، وربما لهم دوافع معادية للمجتمع، فهؤلاء يمكنهم إحداث أمور كارثية”.
مآلات لطالما انتقد معطياتها وبداياتها، مايكل هاريس، أستاذ الرياضيات بجامعة كولومبيا في أمريكا؛ أحد أشد المعارضين للذكاء الاصطناعي في بحوث الرياضيات، وهو يعرب -منذ خمس سنوات- عن ذلك في عبر نشرته الدورية، وهو أحد كاتبي “إعلان ليدن”، وداعمي إعلان “الاختلال“.
وحول الدور الذي يمكن أن يؤديه علماء الرياضيات وشباب الباحثين في الدول النامية، في ظل صعوبة توافر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمعاملهم، أوضح هاريس أن هناك أنواعا مختلفة من الرياضيات يمكنهم التركيز عليها، مثل الرياضيات التطبيقية ورياضيات الصناعة.
وبالنسبة لأي دولة نامية، فإن “التنمية” تعني -على وجه الخصوص- امتلاك كوادر من علماء الرياضيات المؤهلين للإجابة عن الأسئلة الفنية.
يقول هاريس لشبكة SciDev.Net: “من غير الصحي إطلاقاً أن تجد أي دولة نفسها معتمدة على صناعة خارجية لتلبية احتياجاتها من القدرات الفكرية”، وبالتالي يجب أن تمتلك خبراء بشريين وتحافظ على وجودهم.
ومع ذلك، يرى هاريس أن الكفاءة في حل هذه المشكلات ستعتمد مستقبلاً على أساليب الذكاء الاصطناعي -التي يرى معظم الناس أنها ستكون مهمة لتبسيط الحسابات وتحسين استغلال الموارد- لذلك ينبغي أن تتوفر لدى العلماء الوسائل اللازمة للوصول إلى هذه التكنولوجيا.
وفي هذا الإطار، يشير هاريس إلى نقاشات حول إمكانية تطوير ذكاء اصطناعي مخصص للعلوم والتكنولوجيا وفق نموذج تعاوني دولي بعيدا عن المصالح التجارية، وعلى غرار نموذج “مختبر سيرن”. كما يشير “إعلان ليدن” إلى ضرورة توفير نماذج ذكاء إصطناعي متاحة للعامة، خاصة وأن أحد المخاوف الرئيسة للمجتمع العلمي تتمثل في عدم تكافؤ فرص الوصول للتكنولوجيا.
ويحذر هاريس من أن “المؤسسات والجامعات الأكثر ثراءً وحدها قد تتمكن من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي ودفع رسوم الاشتراك، وهو ما لا نتمنى حدوثه”.
ثم إن هناك “تحركات يشهدها المجتمع العلمي غير مسبوقة، ولا يعلم بوجود مثيل لها في التخصصات الأخرى” يركز هاريس على الإشارة إليها.
لعل من أبرز تلك التحركات إطلاق عدد من العلماء وشباب الباحثين منذ أيام ‘رابطة الرياضيات الإنسانية’ والتي تعهد الموقعون عليها بعدم العمل مع أي من شركات الذكاء الاصطناعي، أو استخدام تقنياتها التجارية، أو الاستعانة بها في كتابة أوراقهم البحثية، فيما ترفض مجموعة فرعية أصغر داخل الرابطة استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث بأي شكل.
كما أطلق عدد من العلماء منصة أخرى بعنوان “براهين وحوافز“، والتي تتيح لعلماء الرياضيات كتابة مقالات مطولة حول رؤيتهم لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط بين الرياضيات والذكاء الاصطناعي؛ فبينما يرى البعض أن استخدام النماذج اللغوية الكبيرة أمر مقبول، يرى آخرون ضرورة تجنب الذكاء الاصطناعي تماماً.
أما ليزلي لامبورت، عالم الحاسبات الأمريكي، الفائز بجائزة تورينج عام 2013 لإسهاماته العميقة في توريث التماسك والترابط لأنظمة الحوسبة الموزعة، فيوضح أنه من المؤكد أن شباب الباحثين بالدول النامية يواجهون صعوبات جمّة لم يضطر هو لمواجهتها عندما كان في سنهم.
“نحن نشهد حاليا نهاية مهنة التكويد والتي يقوم بها الذكاء الاصطناعي بصورة أفضل وأسرع من البشر”.
“وما يزيد الأمر سوءا أن التعليم الجامعي تحول إلى تدريب من أجل سوق العمل دون تعلم حقيقي أو إعداد للمستقبل. ففي الماضي، كان الهدف من الالتحاق بالجامعة هو التعلم بالمعنى الشامل ولولا ما تلقيته من دراسة متعمقة في الرياضيات لما تميزت في علوم البرمجة”.
يقول لامبورت لشبكة SciDev.Net: “لا أحد منا يعلم ما الذي سيكون مهما أو ذا قيمة بعد عشر سنوات من الآن. لذا، أنصح الطلبة بتعلم أمور تثير اهتمامهم وتوسع آفاقهم ومداركهم”.
ويبدي بينيت تفاؤلا، وهو “يشير إلى أن الكثير من الاكتشافات العلمية في المستقبل ستنتج عن تعاون الإنسان والآلة، وهو أمر إيجابي للغاية”.
في حين يحذر هاريس “من اتساع فجوة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بين الباحثين، خاصة في الدول النامية”.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا