Skip to content

26/05/26

التوظيف بالذكاء الاصطناعي وحده يفتقر إلى العدالة والشفافية

ia-refugiados-converted
يساعد الذكاء الاصطناعي سكان دول الصراع واللاجئين على الوصول إلى فرص عمل ودخل رغم مخاطر الاستغلال والتهميش. حقوق الصورة:Taken from the Facebook page of the Jesuit Refugee Service Latin America and the Caribbean.

نقاط للقراءة السريعة

  • منصات توظيف بالذكاء الاصطناعي تنشط لخدمة الباحثين عن العمل ببلدان الصراع واللجوء
  • غياب العنصر البشري تمامًا يمثل سلبيةً تعظم من الجور وتقلل من الإنصاف والشفافية
  • محاولة لتلافي هذا العيب بقصر الدور الآلي على الفرز والتقييم في البداية فحسب

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[إدلب، الضفة الغربية، SciDev.Net] في بلد محتل، وأرض يعيث فيها جنود الاحتلال فسادًا، وكسب المال عزيز المنال، والصغير والكبير متعطل في الغالب عن العمل، تخرجت الفلسطينية تالا يونس منذ خمس سنوات.

والحال كذلك، ظلت تالا بلا عمل، ولم تتمكن من الحصول على وظيفة، لكنها حصلت أخيرًا على فرصة عمل عبر منصة التشغيل التابعة لوزارة العمل الفلسطينية.

بالنسبة لتالا بدأت الحياة الآن؛ فهي تعمل محاسبة في شركة لتعبئة الأعلاف بمحافظة قلقيلية شمالي الضفة الغربية في فلسطين.

توضح تالا أن المنصة سهلت وصولها إلى فرصة عمل عبر فرز الطلبات ومطابقتها مع احتياجات المشغّل، ما أتاح لها التعاقد على وظيفة قريبة من مدينتها.

تقول تالا لشبكة SciDev.Net: ”وضعي الوظيفي مستقر من حيث الراتب وظروف العمل“، مشيرةً إلى وجود متابعة من قِبل الوزارة لوضعها الوظيفي بعد التحاقها بالعمل.

تعكس تجربة تالا اتجاهًا متصاعدًا في مناطق النزاع واللجوء، حيث تفتح منصات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي أبوابًا جديدةً للعمل، مع اتجاه باحثين عن وظائف إلى هذه الأدوات بوصفها مسارًا أسرع للوصول إلى الفرص المتاحة وسط أزمات اقتصادية متفاقمة وارتفاع البطالة.

لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن غياب الشفافية والاعتماد المفرط على القرارات الآلية.

ويأتي هذا التوجه في وقت يتزايد فيه الاعتماد عالميًّا على المنصات الرقمية في عمليات التوظيف، مع توسُّع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في فرز السير الذاتية، وتحليل المهارات، ومطابقة المتقدمين مع الوظائف المناسبة.

أما في بيئات النزاع واللجوء، حيث يواجه الباحثون عن عمل تحديات إضافية تشمل محدودية الفرص وصعوبة الوصول المباشر إلى أصحاب العمل، فإن هذه الأدوات تكتسب أهميةً أكبر.

في فلسطين، أطلقت وزارة العمل ’المنصة الوطنية لمواءمة فرص العمل‘، وهي منصة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لربط الباحثين عن عمل بالمشغلين، ضمن مسعى حكومي لتنظيم سوق العمل وتسهيل الوصول إلى الفرص المتاحة، بما يسهم في خفض نسب البطالة وتعزيز كفاءة التشغيل.

تبلغ نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية نحو 38%، في حين تتجاوز في قطاع غزة 80%، وفق الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين.

وعن آلية عمل المنصة تقول وزيرة العمل الفلسطينية إيناس العطاري لشبكة SciDev.Net إنها ”تعتمد على تحليل بيانات المستخدم وتحويلها إلى مهارات، ثم مواءمتها مع الوظائف المتاحة، مع إظهار نسبة التوافق بين المتقدم والوظيفة وتحديد فجوات المهارات المطلوبة، وتوجيه المستخدم إلى برامج تدريبية لسدها“.

وتضيف إيناس: ”يجري التحقق من بيانات المتقدمين، فبمجرد إدخال رقم الهوية يتم الربط مع جهات حكومية عدة، تشمل وزارات الداخلية والتربية والمالية والاقتصاد، بما يضمن موثوقية المعلومات المقدمة إلى أصحاب العمل“.

بلغ عدد المسجلين في قاعدة بيانات الباحثين عن العمل بالمنصة أكثر من 600 ألف شخص في الضفة الغربية وقطاع غزة، في حين تجاوز عدد الشركات المسجلة وأصحاب العمل 43 ألف جهة عمل، وتوضح إيناس أن ”المنصة تضم فرص عمل محلية ودولية وعن بُعد، وتشمل وظائف من دول عدة من بينها قطر وتركيا والسعودية ومصر والبرازيل“.

يرى مختص البرمجة والحلول الرقمية الفلسطيني وسيم صبرة أن المنصة تمثل فرصةً حقيقيةً وفعالةً للباحثين عن عمل، خاصةً في ظل التحديات التي تواجهها سوق العمل، إذ تُسهم في اختصار الوقت والجهد عبر جمع الفرص المتاحة في موقع واحد، وتسريع عملية المطابقة بين المهارات والوظائف.

ويضيف صبرة للشبكة أن ”اعتماد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في مواءمة مهارات الباحثين مع احتياجات المشغلين، يزيد من فرص الحصول على عمل ملائم ويحد من العشوائية في التقديم“.

لكن صبرة يشير في الوقت نفسه إلى أن الاعتماد المتزايد على ’الملف الرقمي‘ والكلمات المفتاحية قد يؤدي أحيانًا إلى خسارة بعض أصحاب الكفاءة فرصًا وظيفية بسبب عدم توافق طريقة عرض مهاراتهم مع آليات الفرز المستخدمة.

وفي حين تبدو هذه المنصات فرصةً واعدةً لبعض الباحثين عن العمل، فإن تجارب أخرى تكشف وجهًا مختلفًا أكثر تعقيدًا، خاصةً عندما تتحول قرارات التوظيف إلى عمليات آلية يصعب فهمها أو الاعتراض عليها.

تعكس تجربة روعة الشيخ أحمد، وهي سورية لاجئة في لبنان تعمل في مجال البرمجة والتصميم، بعض التحديات المرتبطة بالاعتماد على هذه المنصات، إذ تقول إنها واجهت مشكلات متكررة في أثناء التقديم على فرص عمل عبر منصات رقمية.

يالروعة مثال روعة، إنها من سوريا التي طحنتها الحرب طحنًا لعقد ونصف، وسوت أكثر أرضها بالأرض، وانعدمت فيها المعايش تقريبًا، ولاجئة إلى لبنان، بلد الحروب والأزمات التي تنتهي، ومن بينها شح العمل، وندرة الفرص.

تقول روعة لشبكة SciDev.Net: ”قدمت سيرتي الذاتية للعمل في أحد المواقع، ولكن تم رفض الطلب خلال دقائق من التقديم دون تفسير“.

وتضيف أنها تقدمت لأكثر من عشر وظائف عبر منصات رقمية مختلفة، ”وكانت معظم الردود آلية، دون توضيح أسباب الرفض أو وجود جهة يمكن مراجعتها“.

تعتقد روعة أن التقييم يتم بشكل آلي ”ولا يعكس الخبرة الفعلية“، مع تجاهُل بعض الطلبات بسبب أخطاء في قراءة الأسماء العربية، أو صعوبة التواصل مع موظف بشري عند حدوث اعتراض.

في إحدى محاولات روعة، ”عندما حدث خطأ في تقييم عملي، حاولت التواصل لتقديم شكوى، لكنني تلقيت ردودًا آليةً فقط“.

وتزداد هذه المخاوف مع اعتماد بعض المنصات على خوارزميات غير واضحة قد تحول قرارات التوظيف إلى ما يشبه ’الصندوق الأسود‘، حيث لا يعرف المتقدم أسباب رفضه أو طريقة تقييمه.

يعلق محمد شراباتي -مدير منظمة ضع بسمتك– المعنية بدعم السوريين إنسانيًا وتنمويًا، بقوله: ”إن منصات التوظيف الرقمية أصبحت من أبرز المسارات التي يقصدها السوريون داخل سوريا وفي بلدان اللجوء بحثًا عن فرص عمل، موضحًا أنها تمثل ’نافذة مهمة‘ للباحثين عن العمل، خاصةً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة“.

لكنه يحذر من أن معظم هذه المنصات يعتمد على أنظمة تقييم ذكية تقوم بفرز السير الذاتية وترتيبها وفق كلمات مفتاحية، ثم ترشيح المتقدمين أو استبعادهم مباشرة.

ويضيف أن الإفراط في الاعتماد على التقييم الخوارزمي يؤدي إلى ضياع فرص عمل يستحقها بعض المتقدمين بسبب أخطاء في فهم البيانات، أو تلقِّي قرارات رفض دون توضيحٍ كافٍ للأسباب.

”المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية اتخاذ القرار“.

من ثم، ظهرت محاولات لإبقاء دور الإشراف البشري، كما في تجربة منصة ’نأمل‘، التي تخدم سوريين داخل البلاد وفي بلدان اللجوء إلى منصات رقمية متخصصة تربط أصحاب المهارات بفرص العمل عن بُعد.

تأسست ’نأمل‘ عام 2024 انطلاقًا من أبحاث حول الأوضاع الاقتصادية للاجئين في الشرق الأوسط، بهدف توفير بدائل أكثر استقرارًا للعمل، ولا تزال في مرحلة تجريبية، ولم تُطلق بعد مشروعات عمل مباشرة عبرها، وفق لورين تشارلز، المؤسسة المشاركة والمديرة التنفيذية لمبادرة ’نأمل‘.

توضح تشارلز لشبكة SciDev.Net أن الذكاء الاصطناعي ”يؤدي دورًا داعمًا“ داخل النظام، إذ يُستخدم في المطابقة الأولية بين المهارات واحتياجات المشروع.

وتؤكد أن هذه الأدوات تساعد أيضًا في تسهيل تحديد نطاق المشاريع في مراحلها الأولى، ومساندة المؤسسات غير التقنية على توضيح احتياجاتها، بما يدعم تقليل الأعباء الإدارية.

”هذا النهج يهدف إلى توجيه مزيد من الموارد بشكل مباشر إلى الفئات المتضررة عبر فرص عمل مدفوعة“، وفق تشارلز.

وردًّا على المخاوف المرتبطة بغياب الشفافية وهيمنة القرارات الآلية، تؤكد تشارلز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل التقييم البشري، ولا يتخذ قرارات التوظيف أو الدفع أو التعاقد، موضحةً أن ”جميع عمليات المطابقة والتعاقد والتسليم تخضع للإشراف والمساءلة البشرية“، بما يقلل من مخاطر التحيُّز أو الغموض أو الإقصاء غير المقصود.

وبينما توسع هذه المنصات فرص الوصول إلى العمل في بيئات النزاع واللجوء، يرى مختصون أن فاعليتها تظل مرتبطةً بوجود رقابة بشرية وآليات واضحة للإنصاف والتواصل.

وتلخص سابينا ديوان -المديرة التنفيذية لشبكة JustJobs الدولية المعنية بقضايا العمل والتنمية- هذا التوازن قائلةً: ”عندما يتعلق الأمر بالعمليات البشرية والتنمية البشرية، لا يمكن إخراج الإنسان من المعادلة“.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا