كتب: محمد وليد الجموسي
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[تونس، SciDev.Net] قبل نحو عامين، لم تكن إيناس عليّة تتخيل أن شغفها بتربية الطيور سيقودها إلى مشروع لتربية دودة القبّابي أو دودة الجريش الصفراء أو طراوة، وكلها أسماء ونعوت للطور اليرقي من خنفساء دودة الوجبة.
كانت إيناس -التي تنتمي إلى أسرة فلاحية بولاية زغوان شمال شرقي تونس- حريصةً على توفير غذاء لطيورها، لا يقتصر على الحَب فحسب، بل يحاكي ما يحدث في الطبيعة، حيث تبحث الطيور عن الحشرات والديدان إلى جانب الحبوب.
ورغم أن دراسة إيناس كانت في مجال الصناعات التقليدية، ظلّ قلبها معلَّقًا بالأرض، وفيّةً لشغفها بالفلاحة الذي رافقها منذ الطفولة، ومع بحثها عن مصدر بروتيني لطيورها دلفت إلى خوض تجربة تربية الدودة بنفسها.
رويدًا رويدًا انزلقت الفكرة إلى مشروع تربية وإنتاج مكملات للأعلاف، إلى جانب إنتاج سماد عضوي طبيعي من مخلفات تربية دودة القبابي، في بلد يمثل توفير الأعلاف فيه مشكلةً للمربين.
في تونس، يعوَّل على استيراد كميات كبيرة من المواد الأولية الداخلة في تصنيع الأعلاف، ومن بينها الذرة وفول الصويا، ففي عام 2024، بلغت قيمة واردات البلاد من الذرة نحو 252 مليون دولار، فيما بلغت قيمة واردات فول الصويا نحو 319 مليون دولار في عام 2023 لكمية تقارب 533 ألف طن.
وتشير التقديرات إلى استمرار ارتفاع الطلب، إذ يُتوقع أن تصل واردات تونس من فول الصويا إلى نحو 595 ألف طن في موسم 2026/2027، مقابل 580 ألف طن في الموسم السابق، مدفوعةً جزئيًّا بزيادة الطلب على الأعلاف الحيوانية.
ومع الاعتماد على استيراد هذه المواد، يتأثر منتجو الأعلاف والمربون بتقلُّبات الأسعار وارتفاع تكاليف الاستيراد، ما يدفع إلى البحث عن مصادر محلية بديلة للبروتين يمكن دمجها جزئيًّا في الأعلاف، ومن بينها الحشرات.
بدأت إيناس تجربتها بكميات صغيرة من دودة القبّابي، فما لبثت أن تحولت التجربة إلى شركة ناشئة تحمل اسم ‘Vitadood’، انطلقت في النصف الثاني من عام 2024 لإنتاج مكملات للأعلاف من يرقات الدودة، إلى جانب سماد عضوي من مخلفات الإنتاج.
سرعان ما اكتشفت إيناس أن تربية هذا النوع من الديدان تتطلب دقةً وصبرًا، فدودة القبّابي تحتاج إلى بيئة مضبوطة بعناية، لأن أي خلل بسيط قد يؤثر على دورة الإنتاج بأكملها.
توضح إيناس إن إحدى أهم خطوات التربية تتمثل في توفير الظروف المناسبة لنمو الحشرة، موضحةً أنها تحافظ في مشروعها على درجة حرارة تتراوح بين 26- 30 درجة مئوية، ووفقًا لتجربتها، ساعد هذا التحكم على تقليص دورة الإنتاج إلى مدة أقصاها أربعة أشهر، في حين تمتد إلى نحو ستة أشهر في الظروف الطبيعية.
وتمر الحشرة خلال دورة حياتها بأربعة أطوار، تبدأ بالبيضة، ثم اليرقة، وهو الطور الذي يُستخدم في إنتاج مكونات الأعلاف، قبل أن تتحول إلى عذراء ثم خنفساء بالغة، لتبدأ دورةً جديدة.
تشرح إيناس لشبكة SciDev.Net مراحل الإنتاج قائلة: ”تبدأ العملية بتهيئة المكان وإعداد الوسط المناسب لتربية اليرقات، ثم متابعة نموها مع توفير الغذاء وصرامة في الحفاظ على النظافة، حين تصل إلى الحجم المناسب، تجمع اليرقات وتفرز، ويُخصص جزءٌ منها للتجفيف وإنتاج مكملات الأعلاف، بينما يُعاد جزءٌ آخر إلى دورة الإنتاج“.

دودة القبّابي تمثل المادة الخام الأساسية لإنتاج مكملات أعلاف عالية البروتين وسماد عضوي طبيعي.
تتميز يرقات الحشرة بمحتواها المرتفع من البروتين، وإن كانت نسبته تختلف باختلاف ظروف التربية ونوعية الغذاء وطريقة المعالجة، تقول إيناس: ”نسبة البروتين قد تتراوح بين 50 و65%“، وهو ما يتسق مع دراسات أظهرت أن محتوى اليرقات من البروتين يمكن أن يتجاوز 50% من وزنها الجاف، إلى جانب احتوائها على نسب مرتفعة من الدهون وعناصر غذائية أخرى.
وفي دراسة على دجاج التسمين، وجد الباحثون أن إضافة مطحون اليرقات المجففة بنسبة 4% إلى العليقة حسنت النمو وكفاءة تحويل الغذاء خلال المرحلة الأولى من التربية، وهي نسبة مقبولة، في حين كانت بعض الأحماض الأمينية الأساسية في طحين اليرقات مقاربةً لمستوياتها في كُسب الصويا، وخلصت الدراسة إلى إمكانية استخدام الدودة مصدرًا بروتينيًّا بديلًا في أعلاف الدواجن، مع الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد أفضل مستويات دمجها.
ولا تتوقف الاستفادة من دورة الإنتاج عند اليرقات ذاتها، وإنما يمكن استخدامها في إنتاج سماد عضوي من الفضلات الصلبة الناتجة عن تربيتها، المعروفة باسم’Frass‘، والكلمة قريبة من حيث النطق بلفظة ’براز‘ العربية، وربما كان أصلها كلمة ’فرث‘ التي تعني بقايا الطعام في كروش الأنعام.
وجدت دراسة قارنت مخلفات الدودة بسماد معدني يحتوي على النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، أن مخلفات الدودة كانت مماثلةً له في كفاءته في تحسين الكتلة الحيوية لنبات الشعير، كما ساهم في تنشيط النشاط الميكروبي في التربة، وخلص الباحثون إلى أن في هذه المخلفات إمكانيات لاستخدامها بديلًا جزئيًّا أو كاملًا للأسمدة المعدنية.
تقول إيناس، استنادًا إلى تجربتها: ”إن استخدام المنتج يمكن أن يزيد إنتاج بعض النباتات بنسبة تصل إلى 15%“، مشيرةً إلى إمكانية استخدامه مع أنواع مختلفة من المحاصيل والنباتات.
وتقدر إيناس أن تأسيس مشروع صغير إلى متوسط لتربية دودة القبّابي، يحتاج إلى استثمار أولي يتراوح بين 8 و10 آلاف دينار تونسي، وفق حجم المشروع ونوع التجهيزات المستخدمة.

نجاح تربية دودة القبّابي يعتمد على التحكم الدقيق في الحرارة والنظافة طوال دورة الإنتاج الكاملة.
لكن إلى أي مدى يمكن أن تتجاوز تجربة إيناس نطاق المشروع الفردي، لتصبح تربية دودة القبّابي جزءًا من حلول مشكلة الأعلاف في تونس؟ وهل يمكن بالفعل أن تسهم في توفير مصدر محلي للبروتين يخفف -ولو جزئيًّا- من الاعتماد على المواد الأولية المستوردة؟
يرى مختصون وعاملون في هذا المجال أن الفكرة تحمل إمكانيات واعدة، لكن توسيع استخدامها يظل مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها كلفة الإنتاج، والقدرة على الوصول إلى أحجام تجارية، وضمان جودة المنتج وسلامته.

عذارى دودة القبّابي تواصل تطورها الطبيعي وصولًا إلى مرحلة الخنافس البالغة المسؤولة عن التكاثر.
من بين العاملين في هذا المجال مكرم بالحاج مولدي، صاحب مشروع لتربية دودة القبابي في منطقة الهوارية بمحافظة نابل، الذي سعى إلى التعاون مع جامعات ومختبرات علمية لتحسين الإنتاج وتطوير منتجات مشروعه.
يقول مولدي لشبكة SciDev.Net: إن الطلب على بروتين الحشرات وعلى أعلاف الأسماك والدواجن، بالإضافة إلى السماد العضوي الناتج عن مخلفات التربية، يشهد إقبالًا، مشيرًا إلى أن شركته نجحت في الانفتاح على عديد الأسواق الأوروبية ومن بينها فرنسا وهولندا، إلى جانب بعض الأسواق في أفريقيا وآسيا.
غير أنه يشير في المقابل إلى وجود جملة من التحديات، أبرزها نقص الإطار التنظيمي، ونقص التجهيزات اللازمة لتطوير الإنتاج وتحسين جودته، مشيرًا إلى أن ”عدد المشاريع الناشطة في هذا المجال والمرخص لها في تونس لا يتجاوز ستة مشاريع“، في مؤشر على أن الأمر لا يزال في مراحله الأولى.
وقد وجد السماد الناتج عن مخلفات التربية طريقه أيضًا إلى بعض الأنشطة الزراعية.

مكرم بالحاج خلال تتويجه بجائزة أفضل مشروع أخضر عن مشروعه لتربية دودة القبّابي في تونس.
يقول نظمي عبد الرحمن -صاحب شركة متخصصة في تشتيل الفواكه الاستوائية والنباتات العطرية والأشجار المثمرة- إنه وجد في مخلَّفات دودة القبّابي موردًا طبيعيًّا مهمًّا ساعده على تطوير مردودية ضيعته وتحسين جودة إنتاجه، معتبرًا أن ”كلفتها مناسبة مقارنةً بالقيمة المضافة التي توفرها“.
كما يعرب منصور الغريبي -وهو من هواة تربية الطيور- عن رضاه الكبير عن استعمال دودة القبّابي غذاء مكمّلًا لطيوره، مشيرًا إلى أنه مصدر غني بالبروتينات عالية الجودة، متغنيًا باحتوائه على عناصر معدنية وفيتامينات ضرورية لنمو الطيور.
ترى نزيهة العايب -الباحثة المتخصصة في تغذية الحيوان بالمركز الجهوي للبحوث الفلاحية بسيدي بوزيد- أن التغيرات المناخية -لا سيما تراجُع كميات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة- تزيد الضغوط على الموارد العلفية المحلية مع تراجُع إنتاجية المراعي، لذا برزت أهمية البحث عن بدائل محلية ومستدامة.
تقول نزيهة لشبكة SciDev.Net: تتراوح نسبة البروتين في دودة القبّابي بين 38% و50%، إضافةً إلى احتوائها على نسب معتبرة من الدهون.
وتشير إلى أن دراسات وتجارب تطبيقية أظهرت أن دمج دقيق دودة القبّابي بشكل جزئي في علائق الدواجن والأسماك يمكن أن يُسهم في تحسين معدلات النمو وبعض المؤشرات الصحية للحيوانات.
وتضيف نزيهة أن استغلال مخلفات تربية الدودة سمادًا عضويًّا يعزِّز من القيمة البيئية لدورة الإنتاج.
مخلفات تربية دودة القبّابي (Frass) يمكن استخدامها سمادًا عضويًا طبيعيًا يدعم خصوبة التربة ونمو النباتات.
ورغم عديد المؤشرات الإيجابية، تؤكد نزيهة أن استخدام دودة القبّابي في الأعلاف يحتاج إلى مزيد من الأبحاث لتقييم تأثير مستويات الإدماج المختلفة على صحة الحيوان، والمردود الإنتاجي، وجودة المنتجات الحيوانية، وذلك بهدف ضمان اعتمادها في إطار منظومة تغذية آمنة وفعالة ومستدامة.
وبالنسبة لإيناس، يظل الطموح أكبر من حجم مشروعها الحالي؛ فهي تتطلع مستقبلًا إلى تطوير منتجات تتجاوز مكملات الأعلاف والسماد العضوي، من بينها استخلاص الزيوت من يرقات الدودة واستخدامها في إنتاج مكملات غذائية ومستحضرات تجميل.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا