كتب: حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] لم يكن محمد أبو كليلة يفكر يومًا أن أكياس البلاستيك التي يرميها الناس في القمامة ستكون مدخلًا لمشروعه الرائد، فالشاب الثلاثيني، الحاصل على ماجستير إدارة الأعمال وطالب الدكتوراة، لا سابق علاقة له بتدوير المخلفات، بل إن شرارة الفكرة لم تبدأ في مصر، بل على بُعد آلاف الكيلومترات، خلال زيارة إلى جورجيا وأذربيجان، لم يكن العمل الهدف من ورائها.
يقول أبو كليلة لشبكة SciDev.Net: ”ما لفت نظري هناك نظافة الشوارع، والطريقة التي ينظر بها الناس والسلطة إلى المخلفات، كانوا يتعاملون معها كأنها مورد لا عبء“.

عاد أبو كليلة إلى مصر وهو يحمل فكرةً تراوده: لماذا لا نحول نفاياتنا من نقمة إلى نعمة؟ وأسس شركة شبابية ناشئة أطلق عليها ’تايليستك‘، برأسمال لم يتجاوز 80 ألف جنيه مصري (1600 دولار).
اعتمد على معدات بسيطة تفرم العبوات البلاستيكية، كزجاجات المياه وعبوات الشامبو وغيرها من المخلفات البلاستيكية، وتجهيزها لإعادة استخدامها في الصناعة.
لكن مع الوقت، اصطدم بتحدٍّ لم يكن في الحسبان، وهو أكياس البلاستيك أحادية الاستخدام، التي لا تصلح لإعادة التدوير ولا لإعادة الاستخدام، والتي كانت عبئًا على الشركة وتكلفها مبالغ كبيرة للتخلص منها بطريقة آمنة، دون تلويث للبيئة.
يتذكر أبو كليلة تلك اللحظة الفارقة قائلًا: ”قلت لنفسي: بدلًا من إنفاق أموال للتخلص منها، لماذا لا أبحث عن طريقة تمكنني من الاستفادة منها؟“.
بدأ رحلة التفتيش في الأبحاث العلمية، ووقع على دراسة لفريق هندي، جربت إدخال الأكياس في خلطة الأسمنت لعمل بلاط الأرصفة، مستبدلةً غبار المحاجر بجزء من الرمل ، لكن أبو كليلة لم يرد نسخ التجربة فقط، بل أراد ابتكار تركيبة مصرية خالصة.
وبالتعاون مع مهندس كيميائي وآخر إنتاجي، توصل إلى مزيج جديد يدمج أكياس البلاستيك -مكونًا رئيسًا- مع مواد طبيعية ومعدنية من البيئة المصرية، ويُضاف إلى خلطة تصنيع بلاط الأرصفة والإنترلوك وقرميد الأسقف وتجليد الجدران، وتقدمت الشركة بطلب لتسجيل براءة اختراع هذا الابتكار في مكتب براءات الاختراع المصري.

وما إن تم تصنيع النماذج الأولى، حتى عرضها أبو كليلة على المركز القومي للبحوث، لإخضاعها لاختبارات مقارنةً بالبلاط الأسمنتي التقليدي، وكانت المفاجأة في تفوق البلاط المصنَّع من أكياس البلاستيك في كل الاختبارات.

اختبارات التحمل أظهرت تفوق بلاط البلاستيك المعاد تدويره على البلاط الأسمنتي التقليدي
شملت الاختبارات ’تحمُّل الضغط‘، فبينما كان البلاط التقليدي يتحمل حتى 50 ميجا باسكال، سجل البلاط الجديد 63 ميجا باسكال، وفي ’مقاومة البري‘، سجل معدل تآكل 1 ملم فقط، مقابل 3 ملم في التقليدي، أما ’امتصاص المياه‘، فكان 1% فقط للبلاط البلاستيكي، مقابل 5% للبلاط التقليدي.
كما أثبت المنتج الجديد كفاءةً في اختبارات العمر الافتراضي ومقاومة الحرارة والحد من انتشار الحريق، إذ يمكنه الصمود من 10 أعوام إلى 29 عامًا دون استبدال، وأداؤه مماثل للبلاط التقليدي أو أفضل، مع مقاومة عالية للَّهب في حال نشوب النيران.
كل هذه المزايا تعطي المنتج الجديد ميزةً تنافسيةً في السعر تجعله يفوق التقليدي قليلًا، فضلًا عن أخرى تتمثل في إمكانية تصنيعه بألوان متعددة، وفق الطلب، بعكس المنتجات التقليدية، بالإضافة إلى أنه أخف وزنًا، وبالتالي أيسر في التركيب وأقل في تكاليف النقل.

إمكانية إنتاج البلاط الجديد بألوان متعددة حسب الطلب تضيف ميزة جمالية وتسويقية كبيرة
توضح مرام سعودي -أستاذ الهندسة الإنشائية بالجامعة الأمريكية في القاهرة- أن أحد الأسباب الرئيسية لتفوق هذا المنتج هو خفة وزنه، ”أكياس البلاستيك مصنوعة من مواد منخفضة الكثافة مثل البولي إيثيلين، ما يجعل المنتج أخف وأسهل في التركيب، دون تضحية بالقوة أو المتانة“.
وتضيف مرام أن الشكل الذي يتخذه البلاستيك داخل الخلطة -سواء ألياف أو حبيبات- يخلق فراغات صغيرة تسهم في خفة الوزن دون تأثير كبير على قوة التحمُّل، ما يمنحه ميزةً تسويقيةً مهمة.
وترى أن ”الجدوى الاقتصادية هي العامل الحاسم لنجاح المشروع“، فرغم اعتماده على خامة غير مستغلة، وهي أكياس البلاستيك، إلا أنها ليست المكون الوحيد، ويجب أن يكون الربح مكافئًا لتكلفة توفير الخامات الأخرى التي تدخل في الإنتاج.
نجاح التجربة دفع فريق ’تايليستك‘ إلى إطلاق خط إنتاج متخصص لهذا البلاط، وبدأت الشركة بيع كميات منه لعدة مؤسسات محلية، وتخطط لزيادة الإنتاج بعد افتتاح مصنعها الجديد قرب مدينة الإسكندرية (شمال القاهرة) خلال أيام، وتطمح الشركة لإعادة تدوير نحو 1500 طن من البلاستيك سنويًّا، مما سيمثل دفعةً قويةً لحماية البيئة وتقليل النفايات البلاستيكية.
ولا يخشى أبو كليلة من التوجهات نحو تقليل استخدام أكياس البلاستيك في مصر، رغم أن منتجه يعتمد عليها، ويقول: ”مصر تنتج سنويًّا نحو 13 مليار كيس بلاستيك، وحتى لو صدر قرار بحظرها اليوم، فإن الكمية المتراكمة في البيئة تكفينا عقودًا“.
وتتوافق أهداف ’تايليستك‘ مع التوجه الحكومي إلى استخدام بلاط الإنترلوك بديلًا للأسفلت، لأسباب اقتصادية وبيئية، ففي عام 2014-2015، خصصت الحكومة مليار جنيه لاستبدال الإنترلوك بالأسفلت، بتكلفة أقل وبمساهمة أكبر في دعم الصناعة المحلية.

وهكذا، فإن قصة أبو كليلة ليست مجرد مشروع بيئي، بل هي تجربة ملهمة لشاب رأى في القمامة فرصة، وفي نفايات البلاستيك كنزًا، وحول فكرته إلى منتج، وأثبت أن الابتكار ليس حكرًا على المختبرات.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا