كتب: سونيا العلي
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
داخل مخابر مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في محافظة حماة السورية، يعمل متخصصون على تربية حشرة ’أسد المن‘ وإنتاجها، ضمن مشروع للمكافحة الحيوية، يستهدف هجر المبيدات الكيميائية الضارة إلى أساليب طبيعية أكثر أمانًا على البيئة والصحة العامة، ويؤدي إلى تحسين جودة المحاصيل وزيادة قيمتها السوقية، ما يعود بالفائدة على المزارعين.
يوضح المهندس شادي سليمان -مدير دائرة المكافحة الحيوية بالمديرية- أن أساليب المكافحة الحيوية ”باتت ضرورةً ملحَّةً للوفاء بمعايير الجودة والسلامة الغذائية للمحاصيل، من حيث خلوها من متبقيات المبيدات، التي أدى استخدامها على نطاق واسع إلى اختلال التوازن البيئي وتدهور الموارد الطبیعیة“.
من هنا جاءت فكرة استخدام أسد المن في المكافحة، لكن حتى لا تلتبس الأمور فإن المنتج المتداول بيعًا وتوزيعًا لبثه في الحقول هو بيض الحشرة، والمستهدف النهائي المفترس للآفات هو طور اليرقة، لا الحشرة البالغة، ولا أي طور آخر.

يرقة حشرة ’أسد المن‘ المفترسة، تتغذى على الآفات الزراعية فوق ورقة نبات في بيئتها الطبيعية.
حشرة ’أسد المن‘ خضراء، متوسطة الحجم، يتراوح طولها ما بين 15-20 ملليمترًا، وتُعرف يرقاتها بقدرة عالية وسرعة في افتراس مجموعة واسعة من الآفات، وتستخدمها دول عدة ضمن أنظمة الزراعة العضوية، وتُتداول في بعض الأسواق مرفقةً بمعلومات عن استخداماتها وآلية إطلاقها تبعًا لنوع الإصابة.
يقول سليمان: ”يرقة الحشرة متميزة في السعي بحثًا عن الفرائس، وفي قدرتها على التكيف مع مجال واسع من البيئات الزراعية“.
بتلك البيئات تفترس اليرقات آفات زراعية مثل: المن والبق الدقيقي، حشرات البسيلا بمختلف أنواعها، بيض الفراشات حرشفية الأجنحة واليرقات الصغيرة لدودة الحشد الخريفية والذباب الأبيض، ويرقات حافرات الأنفاق وغيرها.
في سوريا، ظنها البعض حشرةً ضارةً لدى بداية ظهورها، ما دفعهم إلى رشها بالمبيدات، فأصدرت الجهات المعنية إيضاحات حول دورها النافع وأنها لا تسبب أي ضرر على صحة الإنسان.
للحصول على البيض، يوضح سليمان: ”نعمل على إكثار الحشرة وتربيتها في مخابر متخصصة، بتقنية مبتكرة تسمى ’الخلايا الفردية‘، إذ تُربى في ظروف دقيقة ومحكمة داخل حاضنات خاصة يُتحكم فيها بدرجات الحرارة والرطوبة والإضاءة؛ لتحقيق أعلى معدلات للتكاثر، وتغذى اليرقات على بيض فراشة الطحين المنتج في المركز، في حين تجري تغذية الحشرات البالغة على خليط خاص من العسل وحبوب الطلع والخميرة“.

بالغات ’أسد المن‘ تُربى داخل علب خاصة لضبط الحرارة والرطوبة وتحفيزها على وضع البيض.
يشير سليمان إلى أن تربية الحشرة استهدفت في البداية مكافحة بسلا الفستق الحلبي في محافظتي حماة وحلب، بعدما كبدتهما الآفة خسائر كبيرة، وقد أسهمت اليرقات المفترسة في تقليل قدرتها على التكاثر والانتشار كثيرًا، ما أدى إلى ارتفاع الطلب عليها من قِبل المزارعين.
بث بيوض الحشرة في الحقول؛ لتفقس وتخرج اليرقات -وفق سليمان- ”في الوقت المناسب، عند عتبة منخفضة للإصابة لا تتجاوز 2%، أوقف تفشي الآفة، والاستخدام أسهم في تقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، وخفف من الأعباء المالية على المزارعين“.
”وُزِّع أكثر من أربعة ملايين ومئتي ألف مفترس، على مساحة 1300 هكتار، لمكافحة بسلا الفستق الحلبي أساسًا وغيرها من الآفات“.

حاضنة مكتظة بفراشات الطحين، حيث تُجمع بيوضها لاستخدامها في تغذية يرقات المفترس.
وفق سليمان، تقنية الإطلاق الحقلي تستوجب التكرار كل 15 يومًا، وقت اعتدال الحرارة، بمعدل ألف إلى ألفي بيضة في الدونم وفقًا لنسبة الإصابة، وتوزع البيوض بانتظام على نواحي الحقل كافة، بأيدٍ خبيرة ومدربة، وبطبيعة الحال يُجرى تقييم قبل الإطلاق لتسجيل معطيات الحالة، وبعده للوقوف على نتائج استخدام المفترس.
”نخطط لزيادة الإنتاج لتوسيع نطاق استخدام المفترس في مكافحة دودة الحشد الخريفية وبسلا الحمضيات، استجابةً للطلب المتزايد“.
يملك المزارع عبد الرحمن الهشوم -(52 عامًا)، من بلدة مورك بريف حماة- حقلًا مزروعًا بأشجار الفستق الحلبي، ويروي تجربته قائلًا: ”الأمراض والآفات الزراعية تؤثر على الإنتاج كمًّا ونوعًا، واستخدام المبيدات أمرٌ مرهق ومكلف، كما أن اللجوء إلى المهربة غير مضمون النتائج ويعرض محاصيلنا الزراعية للضرر، لقد تكبدت خسارة، إضافةً إلى ما تتركه المبيدات من أثر سلبي“.

باحث يعمل داخل مختبر تربية فراشة الطحين، التي تُستخدم بيوضها كغذاء ليرقات ’أسد المن‘.
يقول الهشوم: ”لجأت إلى المكافحة الحيوية، ووجدتها الحل الأمثل لكل الآفات، فهي تمكث بالتربة مدةً طويلة، وآمنة على الإنسان“.
ويستطرد: ”ولا تسمح بظهور صفات المقاومة من قِبل الآفات الزراعية، عكس المبيدات الكيميائية التي يؤدي استخدامها المستمر والمتكرر إلى ظهور سلالات مقاومة، وبالتالي نضطر إلى البحث عن مبيدات جديدة“.
يرى المهندس الزراعي أحمد العبيد -من مدينة إدلب- أن هذه الخطوة ستقلل من استخدام المبيدات الحشرية وتحافظ على خصوبة التربة وتقلل تلوثها، مشيرًا إلى أن استخدام المبيدات بتركيزات عالية يؤدي إلى ذبول النباتات، إلى جانب التأثير السلبي على طعم الثمار ولونها وشكلها، مما يُفقدها قيمتها الاقتصادية.
العبيد، الذي يشرف على مشروعات زراعية عدة، يقول: ”المكافحة الحيوية أسلوب مستدام وفعال لمكافحة الآفات الزراعية، يقلل الضرر البيئي، وكذلك التأثير السلبي على صحة الإنسان من متبقيات المبيدات في المحاصيل الزراعية“.

تغذية يرقات مفترس ’أسد المن‘ داخل المختبر
ويأمل العبيد أن تحد هذه الطريقة من استخدام المبيدات؛ إذ تزيد مقاومة التربة للأمراض، مما يحسِّن خصوبتها ويزيد قدرتها على دعم المحاصيل على المدى الطويل، وأكد ”ضرورة إنشاء مختبرات أو وحدات لإكثار الأعداء الحيوية محليًّا في مناطق مختلفة من سوريا؛ لضمان توافر المفترسات في الوقت المناسب وبالكمية الكافية“.
ورغم النتائج الإيجابية التي تحدث عنها سليمان، لا يزال المشروع يواجه تحديات، أبرزها الاستخدام العشوائي للمبيدات الكيميائية واسعة الطيف، التي تقضي على الأعداء الحيوية المنتشرة طبيعيًّا، قبل أن تتمكن من أداء دورها، كما أن ثقافة المكافحة الحيوية ما زالت محدودةً بين المزارعين.
لذا يؤكد سليمان أهمية التوعية والإرشاد الزراعي، وتدريب المزارعين على التوقيت الصحيح للإطلاق الميداني للحشرة، لضمان فاعلية المكافحة ونجاح انتشار المفترس في الحقل.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقعSciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا