Skip to content

13/11/25

الحشرة القرمزية تهدد التين الشوكي بالشرق الأدنى وشمال أفريقيا

05_996x567
إصابة الحشرة القرمزية تنتشر سريعًا بين التين الشوكي في ليبيا، حيث تحتمي الحوريات بطبقة شمعية بيضاء تعيق المكافحة. حقوق الصورة:Amr Fathallah/ SciDev.Net

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[طرابلس، أغادير، SciDev.Net] في أقل من عقد تحولـت الحشرة القرمزية إلى كابوس زراعات التين الشوكي، إذ انتشرت سريعًا في دول لم تكن على دراية كافية بالآفة، ولا مستعدة لمكافحتها، بل وتوانت عنها.

كان الظهور الأول للآفة القرمزية في لبنان عام 2012، ومن ثم إلى أرض فلسطين عام 2014، قبل أن تضرب بقوة في المغرب منذ نهاية عام 2014، وتتمدد لاحقًا في سوريا والأردن، وفي تونس رصدت الإصابات الحقلية الأولى عام 2021، وفي الجزائر، أُعلن عن أول رصد للحشرة عام2024 ، كما أشارت تقارير محلية إلى ظهورها في ليبيا خلال العام نفسه.

من ثم، ترى تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن معظم الحزام المنتج للتين الشوكي بالشرق الأدنى وشمال أفريقيا صار تحت تهديد مباشر.

الحشرة القرمزية حشرة قشرية رخوة، إناثها تعتاش على الصبار والتين الشوكي، موطنها الأصلي المكسيك ووسط أمريكا، وتتغذى على العصارة النباتية وتتكاثر بسرعة، أما ذكورها المجنحة، فهي مزعجة للبشر ولا تؤذي النبات. بعد التزاوج، تضع الإناث البيض الذي يفقس بسرعة لتخرج حوريات دقيقة تفرز مادة شمعية بيضاء على أجسامها لحمايتها، ما يجعل وصول المبيدات إليها شديد الصعوبة، ومع ارتفاع درجات الحرارة وامتداد مواسم الحر والجفاف، وجدت هذه الآفة في مناخ المنطقة بيئةً ملائمةً للانتشار، إذ تنمو وتتكاثر بسرعة في البيئات الدافئة أو الساخنة، قليلة الأمطار.

أمام هذا التهديد المتصاعد، سلكت دول شمال أفريقيا مسارات مختلفة في الاستجابة والمكافحة.

تراكم الطبقة الشمعية على الحوريات يجعل وصول المبيدات شبه مستحيل، ما يؤدي لتفاقم الإصابات.

ففي المغرب، جرى تطوير أصناف مقاومة للحشرة ووضع برنامج وطني للمكافحة يعتمد على البحث العلمي والمكافحة الحيوية والمبيدات الحيوية.

يقول رشيد بوهرود -الباحث بالمعهد الوطني للبحث الزراعي في المغرب- لشبكة SciDev.Net: ”منذ عام  2018 طورنا ثمانية أنواع من الصبار المقاومة للحشرة القرمزية“.

ويضيف بوهرود: ”التجارب الأولى بدأت مباشرةً بعد الإعلان عن انتشار الحشرة عام 2016، بجمع 249 نوعًا من الصبار من مجموعة المعهد في أكادير، وزُرعت في بلدية تامدة الواقعة بنطاق سيدي بنور في قلب الحقول شديدة التلوث، وتمت متابعة مقاومتها على مدار العام، وفي عام 2018 تم تسجيل الأنواع الثمانية في الكتالوج الرسمي للأصناف لدى المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية“.

”برنامج محاربة الحشرة القرمزية يدخل في إطار إستراتيجية وطنية وضعتها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بمشاركة عدة مؤسسات إلى جانب المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية“، وفق توضيح عاطفة قدا، المديرة الجهوية التابعة للمكتب بجهة سوس ماسة.

أُسند تنفيذ البرنامج إلى المعهد الوطني للبحث الزراعي بالشراكة مع المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي والمديريات الجهوية للفلاحة والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة ’إيكاردا‘.

ويقوم البرنامج على ثلاث ركائز رئيسة: المكافحة البيولوجية، والمبيدات الحيوية، وانتقاء الأصناف المقاومة، مع تجهيز بنية تحتية تجريبية على مساحة 4 هكتارات بمحطة الاستثمار الفلاحي بالزمامرة.

الانتشار الكثيف للحشرة القرمزية يهدد الأصناف الحساسة، وسط مخاوف من خسارة أنواع محلية وهجينة نادرة.

أما في تونس فقد انتقلت السلطات مؤخرًا  إلى ’السلاح الأخير‘ عبر إطلاق الدعسوقة المكسيكية لمهاجمة الحشرة القرمزية بعد سنوات من الاعتماد على المبيدات الكيميائية.

بعد سبع سنوات من تجربة المغرب، واجهت تونس المصير ذاته حين سُجلت أول إصابة بالحشرة القرمزية في سبتمبر 2021 بولاية المهدية، وسرعان ما انتشرت إلى نحو عشر ولايات من بينها المنستير وسوسة وصفاقس والقيروان.

ينتقد التونسي فوزي الزياني -الخبير في السياسات الزراعية- تأخُّر السلطات التونسية في مكافحة الآفة عند بدايتها: ”منذ ظهور الآفة أوصى الخبراء بضرورة الاستعانة بالدعسوقة المكسيكية واستيرادها من المغرب، لكن السلطات لم تتجاوب إلا بعد سنتين ونصف، أي بعد تفاقُم المشكلة“.

ويضيف الزياني: ”للأسف لحق ضرر كبير بالعديد من زارعي التين الشوكي، كما أثر سلبًا على النساء اللواتي كن يعملن في جني الثمار وبيعها“.

ويُستخدم التين الشوكي في علف الماشية، خاصةً في فصل الصيف عندما تتناقص الأعشاب والحشائش، نظرًا لما يحتويه من ماء ومن قيمة غذائية عالية، ”2 كجم من التين يعادل 1 كجم من الشعير العلفي“.

وفي أكتوبر الماضي، أطلقت السلطات التونسية آلاف الدعاسيق المكسيكية في ولاية القصرين، في إطار أول حملة واسعة للمكافحة البيولوجية؛ لإيقاف الكارثة.

مزارعون في ليبيا يحاولون إبطاء تفشي الآفة بالرش والحرق، في ظل غياب برامج منظمة للمكافحة الحيوية حتى الآن.

يقول نور الدين بن نصر، الخبير في التنمية الزراعية والريفية، والذي عمل سابقًا بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو): ”أُعطيت الأولوية لولاية القصرين؛ لكونها منطقة التين الشوكي في تونس، وتحوي أكبر غرساته“.

ويشير بن نصر إلى أن القصرين تحتوي على أصناف من التين الشوكي تُعد الأفضل عالميًّا، بالإضافة إلى وجود نحو 13 معملًا بالولاية لاستخلاص زيت بذور التين الشوكي، الذي له استخدامات تجميلية عدة.

ويوضح بن نصر أن المبيدات الكيميائية لم تحقق نتائج تُذكر؛ لأن ”الحشرة تتمركز في الأجزاء السفلية من الألواح، كما تحميها طبقة شمعية تجعلها عصيةً على الرش، لذلك يبقى النهج الأمثل هو الإدارة المتكاملة للآفة عبر التقليم والمراقبة والتدخل المبكر والمكافحة البيولوجية“.

أما عن الأصناف المقاوِمة، فيشير إلى وجود ثمانية أصناف مقاوِمة يجري إكثارها في منابت الدولة، لكنه يوضح أن ”معظمها لا ينتج ثمارًا أو كثيف الأشواك، ما يحد من قيمته التجارية، ويمكن استخدامه لأغراض الحماية الزراعية فقط“.

وبشأن المخاوف من تأثير إدخال الدعسوقة المكسيكية على البيئة؛ لكونها دخيلةً على شمال أفريقيا يقول بن نصر: إنها حشرة لا تفترس إلا الحشرة القرمزية فقط، وسينتهي وجودها بنهاية الآفة.

أما ليبيا فدخلت متأخرةً إلى معركة مكافحة الآفة؛ فلا تزال في المراحل الأولى من المواجهة، معتمدةً بدرجة أكبر على الرش والحرق، في ظل عدم وجود برامج منظمة لاستقدام المفترسات الحيوية أو نشر أصناف مقاومة، حتى الآن.

سجلت ليبيا أول ظهور للحشرة القرمزية في مايو 2024 في منطقة الطويبية بشمال غرب البلاد، بعد أن جلب أحد المزارعين لوح تين شوكي مصابًا من تونس دون أن يدري، وسرعان ما انتشرت الآفة وأصابت مناطق قريبة مثل جودائم وأبوصرة والحرشة والمعمورة والماية، وفق مصطفى الزروق، رئيس فرع الساحل الغربي للمركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي.

يقول الزروق لشبكة SciDev.Net: ”البؤر الجديدة لم تكف عن الظهور، فهذه الحشرة سريعة الانتشار، وقد أدى ذلك إلى تضاؤل إنتاج ثمار التين الشوكي التي تلقى رواجًا كبيرًا في السوق الليبية وتُعرف باسم سلطان الغلة“.

ويوضح فتحي الطاهر -أخصائي وقاية النبات بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية في ليبيا، بحكومة الوحدة الوطنية- أن ”نوع التين الشوكي المزروع في ليبيا حساس جدًّا لهذه الآفة، وهو النوع السائد من الشرق إلى الغرب“.

ويضيف: ”التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما في زيادة انتشارها وتكاثرها“.

أما عدنان سبيطة -باحث سابق بمركز البحوث الزراعية في طرابلس- فيشير إلى أن الأنواع المزروعة في ليبيا ثلاثة رئيسة (أصفر وهو السائد، أحمر، أبيض الثمرة)، إلى جانب نحو 40 نوعًا هجينًا أُدخلت ضمن مشروع المشرق- المغرب بالتعاون مع مركز إيكاردا، نهاية القرن الماضي.

ويقول سبيطة: ”إن الأنواع المزروعة في الهيرة والفتائح دُمرت بفعل التعديات والإعصار دانيال، ولم يتبق سوى العينات المزروعة في محطة تاجوراء“، مبديًا خشيته من وصول الآفة إلى هذه المنطقة.

ويرى بن نصر أن ”على ليبيا حماية هذه الأصناف النادرة بإكثارها في حقول خاصة مغطاة بشباك ضد الحشرات، وحفظ الأنواع الأخرى السائدة حفاظًا على التنوع البيولوجي للنبات“.

أما الزياني فيدعو السلطات الليبية إلى ”التحرك سريعًا وجلب الدعسوقة المكسيكية، وإلا تكرر خطأ تونس في التأخير، فكل شهر تأخير يعني اتساع رقعة الإصابة“.

وبينما تكشف تجربة شمال أفريقيا أن التأخر في المواجهة مكلف، يبقى الرهان على التعاون الإقليمي السبيل الأنجع لإنقاذ هذا المورد الزراعي من الاندثار.

تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى ضرورة تطوير برامج تدريبية ومراكز إكثار إقليمية للمفترسات الحيوية، وتوسيع التعاون مع مراكز البحث مثل إيكاردا والمعهد الوطني للبحث الزراعي في المغرب، بما يضمن نقل المعرفة إلى الدول التي لا تزال في المراحل الأولى من المواجهة.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا