Skip to content

26/12/25

ثقل البحث العلمي يعود للشرق.. أَيَغْتَنِم الخليج العربي الفرصة

image_996x567
مختبر حديث يجسد انتقال ثقل البحث العلمي عالميا نحو الشرق مع إعادة رسم خريطة الابتكار والمعرفة حقوق الصورة:Arne Hoel - World Bank. CC license: (CC BY-NC-ND 2.0 DEED).

نقاط للقراءة السريعة

  • تحولات بخريطة البحث العلمي، وقتها يمثل فرصة نادرة، لإعادة بناء المنظومة العربية
  • ثمة مشكلة بدول الخليج العربي، ترتبط بطبيعة تنظيم البحث العلمي، واستقراره، ومساراته المهنية
  • التحدي لم يعد في اجتذاب الباحثين المغادرين لأمريكا بقدر ما يكمن في القدرة على الإبقاء عليهم

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

لم تعد الولايات المتحدة -التي تصدرت المشهد العلمي العالمي عقودًا- البيئة الوحيدة الأكثر تأثيرًا في البحث العلمي كما كانت، خلال السنوات الأخيرة، واجه الباحثون داخل الجامعات والمراكز البحثية الأمريكية تضييقًا متزايدًا في التمويل، وتقلبًا في السياسات، وتعقيدات بيروقراطية أثرت مباشرةً في قدرتهم على التخطيط طويل الأجل لمساراتهم البحثية والمهنية.

يتجلى هذا التحول في تراجُع ترتيب الولايات المتحدة إلى المرتبة الثانية في تصنيف مؤشر نيتشر لقادة البحث العلمي لعام 2025، مع انخفاض في حصتها خلال العام الماضي، مما يعكس تغييرًا في موقعها النسبي على الخريطة البحثية العالمية.

دفعت هذه التحولات أعدادًا متزايدةً من العلماء إلى إعادة النظر في بقائهم داخل المنظومة الأكاديمية الأمريكية، لا بحثًا عن امتيازات مادية أكبر، بل عن بيئة بحثية أكثر استقرارًا ودعمًا واستمرارية، وبينما تحاول دول أوروبية وآسيوية استقطاب هذه الكفاءات، يبرز سؤال محوري: إذا لم تعد أمريكا الوجهة الأولى، ولم تنجح أوروبا وحدها في ملء الفراغ، فمَن يمتلك اليوم المقومات ليكون البديل؟

في هذا السياق، يقدّم الخليج نفسه أحد الخيارات المحتملة، مستندًا إلى استثمارات واسعة في البنية التحتية العلمية، وبيئة بحثية متعددة الجنسيات، وحوافز مادية ومعيشية مغرية، لكن هل يكفي هذا لتحويل المنطقة إلى وجهة علمية جاذبة فعلًا؟

لماذا يغادر الباحثون الولايات المتحدة؟

شهد المجتمع العلمي في الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين حالةً من القلق وعدم اليقين، على خلفية تغيّرات في سياسات التمويل وأولويات الحكومة تجاه البحث العلمي، منذ عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، تصاعدت المخاوف داخل الأوساط الأكاديمية من تراجُع الدعم المؤسسي للعلوم، خاصةً في مجالات الصحة، والبيئة، والطاقة، والمناخ، والعلوم الاجتماعية والسلوكية.

بلغت هذه المخاوف ذروتها في مايو الماضي، عندما نشر مكتب الإدارة والميزانية التابع للمكتب التنفيذي للرئيس توصيات ضمن مقترح موازنة عام 2026، تضمنت خفضًا حادًّا في تمويل أبرز المؤسسات العلمية في البلاد، مثل المؤسسة الوطنية للعلوم والمعاهد الوطنية للصحة ووكالة حماية البيئة ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

هذا الخفض الحاد في التمويل يعني أن آلاف المشروعات البحثية باتت مهددةً بالتوقف.

يوضح ماهر القاضي -الأستاذ المساعد في قسم الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس- أن أثر ذلك ينعكس مباشرةً على استقرار الباحثين داخل المنظومة الأكاديمية، ويُفقد الباحث القدرة على التخطيط طويل الأجل، سواءٌ لمشروعه العلمي أو لمساره المهني.

في هذا المناخ، نشرت مجلة ’نيتشر‘ في مارس الماضي نتائج استطلاع شمل نحو 1600 باحث يعملون داخل الولايات المتحدة، كشفت عن تحوُّل لافت في المزاج العلمي هناك، أشار نحو 75% من المشاركين إلى أنهم يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة، متجهين إلى أوروبا أو كندا، أو ”إلى أي مكان يدعم العلوم“، وفق تعبير أحد المشاركين في الاستطلاع.

وعبّر عددٌ من الباحثين في الاستطلاع عن شعورهم بأن البيئة البحثية في الولايات المتحدة لم تعد تسمح بالتخطيط طويل الأجل، أو توفر الاستقرار اللازم لإنتاج معرفة علمية رصينة، قال أحدهم: ”أنا حقًّا أحب بلدي، لكن الكثير من الموجهين ينصحونني بالرحيل الآن“.

وتأتي نتائج هذا الاستطلاع في سياق تحذيرات متكررة نشرتها مجلة نيتشر وتقارير علمية متخصصة، تشير إلى أن حالة عدم الاستقرار في تمويل البحث العلمي داخل الولايات المتحدة باتت تؤثر في قرارات الباحثين المهنية، وتدفع عددًا متزايدًا منهم إلى البحث عن بيئات بحثية بديلة أكثر وضوحًا واستدامة.

غازلت دول أوروبية الباحثين المتضررين، وحاولت استقطابهم عبر حزم تمويل وبرامج تعاون عابرة للحدود، غير أن هذه الجهود، رغم زخمها، لم تُجب بالكامل عن سؤال حول البديل طويل الأمد، إذ لا تزال المنافسة شديدةً والقدرة الاستيعابية محدودة، ما يفتح الباب أمام مناطق أخرى لمحاولة ملء الفراغ الذي يخلّفه تراجُع الدور الأمريكي.

إذا لم تكن أمريكا ولا أوروبا.. فمَن يملأ الفراغ؟

جرى رصد مجموعة من الدول التي قدمت حوافز ملموسة لاستقطاب طلبة الدكتوراة وباحثين في المراحل المبكرة من مسارهم الأكاديمي، في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها تمويل البحث العلمي في الولايات المتحدة، وجاءت في مقدمتها كندا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا، إلى جانب الصين وكوريا الجنوبية، في المقابل، لم تَرِد دول الخليج العربي ضمن الدول التي تناولها التقرير بوصفها أطلقت مبادرات مماثلة، رغم ما شهدته خلال السنوات الأخيرة من توسُّع في البنية التحتية البحثية وزيادة في الإنتاج العلمي.

ورغم هذا الغياب، تُظهر بيانات تحليلية طويلة المدى نموًّا ملحوظًا في حجم الإنتاج العلمي في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أظهرت دراسة تحليلية ارتفاعًا مستمرًّا في عدد الأبحاث العلمية الصادرة عن جامعات ومراكز بحثية في دول مثل السعودية وقطر والإمارات، خلال خمسة وعشرين سنة، بدءًا من عام 1996، مع توسُّع واضح في مجالات العلوم والتقنية والهندسة، وحين حل عام 2020 بلغ عدد المقالات العلمية الصادرة عن الباحثين في السعودية نحو38,000  مقال، بينما سجّلت قطر زيادةً في المنشورات بمعدل نمو بلغ نحو 77.6 ضعفًا مقارنةً ببداية المدة، ما يعكس توسعًا ملموسًا في النشاط البحثي.

ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا: لماذا لم تظهر دول الخليج الثلاث ضمن قائمة الدول التي رصدتها مجلة «نيتشر»؟ وهل لدى هذه الدول بالفعل قدرة مؤسسية على استقبال الباحثين المتأثرين بقرارات إدارة ترامب؟ ولماذا لم تُترجم هذه القدرات إلى مبادرة إقليمية واضحة لاستقطاب العلماء، على غرار المبادرات التي أطلقتها المفوضية الأوروبية؟

على حد قول هشام صابر، المدير التنفيذي السابق لمكتب برامج البحث العلمي بمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، فإن دول الخليج استوعبت بالفعل أعدادًا كبيرةً من الباحثين من خارجها خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن ”نسبتهم تتراوح بين 80% و90% من إجمالي الباحثين العاملين في هذه الدول“.

ويضيف: ”القدرة الاستيعابية انخفضت في السنوات الأخيرة مقارنةً بما كانت عليه قبل نحو 15 عامًا، مع بدء هذه الدول في إنتاج كوادرها البحثية المحلية، ما يجعل استقبال مزيد من الباحثين يواجه بعض الصعوبة“.

من جانبه، يرى القاضي أن هذا الوضع لا ينفي امتلاك دول الخليج فرصةً حقيقيةً في المرحلة الحالية، ويستحضر القاضي تجربة مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما استطاعت استقطاب علماء أجانب لبناء مجتمع علمي قوي في ظل توافُر بنية تحتية بحثية مناسبة ومقابل مادي جيد، معتبرًا أن دول الخليج تمتلك اليوم مقوِّمات مشابهة.

ويشير صابر إلى أن بعض دول الخليج طورت بالفعل برامج محددة لاستقدام الباحثين من الخارج، موضحًا أن مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار ”أطلق زمالات للباحثين العرب النازحين من مناطق الصراع، مثل فلسطين وسوريا واليمن والسودان، بهدف تمكينهم من استكمال مساراتهم البحثية والاستفادة من خبراتهم“.

ويتفق هايرو لوجو-أوكاندو -عميد كلية الاتصال بجامعة الشارقة في الإمارات- مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن ”دول الخليج تنفق إنفاقًا مكثفًا على تطوير البحث العلمي، خاصةً في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتعمل على بناء جامعات قادرة على أداء دور بحثي متقدم“.

عراقيل أمام التحول إلى وجهة علمية أولى

رغم ما تملكه دول الخليج من إمكانيات مالية وبنية تحتية حديثة، يرى عدد من الباحثين أن هذه المقومات لم تُترجم بعدُ إلى منظومة بحثية قادرة على المنافسة مع النماذج الراسخة عالميًّا، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، ويُجمع هؤلاء على أن المشكلة لا تتعلق بندرة الموارد، بقدر ما ترتبط بطبيعة تنظيم البحث العلمي، واستقراره، ومساراته المهنية.

يرى عادل الشربيني -باحث ما بعد الدكتوراة في قسم علم الوراثة اللاجيني بمستشفى هايدلبرج الجامعي- أن الفرصة مواتية لدول الخليج لبناء مجتمع علمي قوي، لكنها مشروطة بتغيير نمط تنظيم البحث العلمي، ويقول: ”البيئة العلمية في أوروبا عامة وألمانيا خاصة منظمة.. منظمة على أساس تكتلات بحثية لكل تخصص، وتحتد داخلها المنافسة بين الباحثين والمؤسسات البحثية، الأمر الذي يدفع البحث العلمي إلى الأمام دائمًا“.

ويضيف موضحًا أحد الفروق الجوهرية بين النموذجين: ”قبل تأسيس المؤسسة البحثية في أوروبا، يتواصل مسؤولو المشروع البحثي مع الباحثين المستهدفين أولًا للتعاقد معهم، ثم يسعون إلى الحصول على التمويل اللازم للمشروع، وأخيرًا ينتقلون إلى مرحلة البناء، وهو عكس ما تتبناه بلدان الخليج، إذ تبدأ بالبناء ثم تبحث لاحقًا عن الباحثين“.

وينعكس هذا النمط -وفق الشربيني- على طبيعة الاستثمار البحثي في المنطقة، ويقول: ”أعتقد أن الاستثمار في المجال البحثي ببلدان الخليج يهدف إلى تأسيس الجامعات التي تقدم الخدمات التعليمية أولوية أولى، لا المعاهد المتخصصة التي تستهدف إجراء بحوث معمقة“.

من جانبه، يشير أوكاندو إلى تحدٍّ آخر واجهه خلال عمله البحثي في دول الخليج، يتمثل في غياب التمويل المركزي المنظم، ويقول: ”البحث العلمي في المنطقة يُختزل في الغالب في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، مع وجود سوء فهم واسع لطبيعة البحث في مجالات أخرى مثل العلوم الإنسانية والاجتماعية“.

ويوضح أوكاندو أن هذا الخلل ينعكس عمليًّا في تقييم مقترحات هذه الأبحاث من قِبل لجان أخلاقية تركز في الغالب على الطب أو الهندسة، ما يخلق إشكاليات حقيقية أمام الباحثين العاملين في هذه التخصصات.

ويرى أوكاندو أن أحد أبرز العوائق البنيوية أمام تطور البحث العلمي في الخليج يتمثل في غياب أطر تمويلية إقليمية مشتركة، على غرار برامج الاتحاد الأوروبي مثل هورايزون، ”من الصعب داخل البلد العربي الواحد أن تجد تمويلًا وطنيًّا يستطيع الباحثون التنافس من أجله، إلا أن هذا الأمر يدفع الجامعات والمعاهد البحثية للتعاون فيما بينها“.

من جهته، لا ينفي صابر وجاهة بعض هذه الانتقادات، لكنه لا يراها مانعًا حاسمًا أمام تطور المنظومة البحثية الخليجية وهجرة العلماء إليها، ”صحيح أن بلدان الخليج لا تضم تكتلات بحثية كهذه الموجودة في أوروبا، لكن من الممكن أن تكون هذه البلدان جزءًا من هذه التكتلات البحثية مستقبلًا“.

ويضيف: ”في قطر، تتعاون الجهات البحثية مع نحو 60 إلى 70 دولة حول العالم، وقدمت الدولة في السابق برامج عدة لتعزيز استقطاب الباحثين دون عوائق، أبرزها برنامج جسور“.

ورغم ذلك، يرى صابر أن البيئة البحثية في الدول العربية والنامية لا تزال في طور التطور مقارنةً بالنماذج الأوروبية الراسخة منذ قرون، موضحًا: ”الأنظمة البحثية الناضجة تتبنى نهج البناء من أسفل إلى أعلى، إذ يحدد الباحثون أنفسهم بوصلة البحث العلمي، بعكس الدول النامية التي تتبنى منهجًا من أعلى إلى أسفل، يحدد فيه أصحاب المصلحة إستراتيجيات البحوث واتجاهاتها“.

إلى جانب التحديات البنيوية، فإن شريف أبو الحديد -نائب مدير مركز مقاومة مضادات الميكروبات الأسبق بمدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، والمدرس الحالي بكلية التكنولوجيا الحيوية في جامعة النيل بمصر- يلفت إلى تحديات عملية تواجه الباحثين العاملين في الخليج.

يقول الشربيني: ”الاتجاه البحثي في هذه البلدان غير واضح لكثير من الباحثين حول العالم، ومن الشائع في الأوساط العلمية أن العمل البحثي في الخليج يقدم مزايا عدة، مثل المقابل المادي المجزي، لكنه لا يضمن تطورًا مهنيًّا كافيًا، ولا تدعمه منظومة سلسلة توريد قوية“.

وفي تقييمه لطبيعة التمويل البحثي في دول الخليج، يرى أوكاندو أن المشكلة لا تكمن في مستوى التمويل، الذي يكون في كثير من الأحيان سخيًّا، بل في كيفية توجيهه، ويوضح أن بعض المشروعات البحثية تُعامل باعتبارها ’مشروعات مدللة‘، فتتحول إلى ما أسميه ”أهدافًا رائجة“، أي أن فكرةً ما تصبح فجأةً موضع اهتمام واسع وتستحوذ على الموارد، ثم تفقد هذا الاهتمام بعد مدةٍ قصيرةٍ عندما تتغير الأولويات.

ويضيف أوكاندو أن هذا النمط يؤدي إلى تراجُع الدعم قبل أن تنضج المشروعات البحثية وتحقق فائدتها المرجوة، بحيث ”يقتل العاجل المهم“، وتفقد الدول فرصة الاستفادة من تراكُم المعرفة على المدى الطويل.

ويدعم القاضي هذا الرأي، مشيرًا إلى أن ضعف سلاسل التوريد البحثية يمثل عقبةً على مستوى المنطقة العربية بكاملها، ويقول: ”توافُر مكاتب الإمداد بمستلزمات البحث العلمي العالمية داخل المنطقة العربية شرط أساسي لبناء منظومة بحثية قوية ومستقرة“.

كما يشير القاضي إلى وجود تصورات سلبية متداولة في بعض الأوساط الأكاديمية الغربية حول طبيعة البحث العلمي في الخليج، موضحًا: ”تنتشر بين بعض العلماء –خاصةً في الغرب– معلومات قد تبعدهم عن الاتجاه إلى قطاع البحث العلمي في الخليج، منها أن المؤسسات البحثية تهدف إلى استقدام باحثين ينتجون إنتاجًا بحثيًّا غزيرًا بغض النظر عن جودته، الأمر الذي يُسهم في رفع تصنيف الجامعات، دون تأسيس معرفة علمية قوية“.

ويضيف القاضي أن عددًا من الجامعات بات يركز على رفع تصنيفه العالمي عبر المشاركة في أبحاث ضخمة ترفع المؤشرات الرقمية دون أن تقدم بالضرورة قيمةً معرفيةً حقيقية، لافتًا إلى انتشار ما يسميه ”مصانع الأوراق البحثية“، التي تنتج عددًا كبيرًا من الدراسات منخفضة التكلفة، في مقابل أبحاث نوعية قليلة لكنها عالية القيمة العلمية، ويؤكد أن ”التصنيفات ومعدل الاستشهادات لا تعكس دائمًا جودة البحث“، مشيرًا إلى أن بعض الأبحاث الحاصلة على جوائز نوبل لم تكن ذات معدلات استشهاد مرتفعة.

تعليقًا على هذه النقطة، يرى صابر أن الاهتمام بالإنتاج البحثي ليس حكرًا على دول الخليج، ويقول: ”الاهتمام بالنشاط البحثي موجود في كل مكان؛ لأنه يرفع قيمة الجامعة، وهو أمر ليس سيئًا بالضرورة“.

لكنه يميز بين مسألتين أساسيتين تواجهان المنظومة البحثية الخليجية: ”القدرة على استقدام الباحثين من جهة، والقدرة على الإبقاء عليهم من جهة أخرى، وهذه الأخيرة تمثل المشكلة الحقيقية“.

ويوضح صابر أن دراسات أُجريت حول معدل الدوران الوظيفي للباحثين تشير إلى أن مدة بقاء الباحث في المؤسسات البحثية الخليجية تتراوح غالبًا بين سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات، مُرجعًا ذلك إلى عاملين رئيسين: ”صعوبة التقدم الوظيفي، وانعدام استقرار السياسات والتمويلات البحثية“.

يوافق أوكاندو على مدى سخاء التمويلات البحثية في بلدان الخليج، لكنه يشير إلى تحدٍّ بنيوي يرتبط مباشرةً بعدم استقرار السياسات التمويلية، يتمثل في تعامل بعض الجهات التمويلية مع مشروعات بحثية باعتبارها ”أهدافًا إستراتيجيةً عصرية“، على حد وصفه، ويعني بذلك أن مشروعًا ما قد يتحول إلى ما يشبه ’الموضة‘ لمدة محددة، قبل أن يفقد زخمه وينخفض الدعم الموجّه إليه مع تغيُّر الأولويات البحثية، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى توقُّف الدعم قبل أن تنضج المشروعات البحثية وتحقق المنفعة المرجوَّة، مشيرًا إلى أن ”هذا الأمر يتكرر في عدد من المؤسسات البحثية الخليجية“.

ورغم هذه التحديات البنيوية والتشغيلية، لا تُختزل جاذبية دول الخليج للباحثين في الأبعاد المؤسسية وحدها، إذ يشير عدد من الباحثين إلى أن عوامل اجتماعية وثقافية ومتعلقة بالهوية تؤدي دورًا متزايد الأهمية في قرارات الانتقال والاستقرار، خاصةً بالنسبة للباحثين من أصول عربية وإسلامية.

 الخليج أكثر جاذبيةً للباحثين العرب والمسلمين

لا تتجلى جاذبية دول الخليج لبعض الباحثين العرب والمسلمين في المؤشرات المؤسسية وحدها، بل في اعتبارات يومية تتصل بالاندماج الاجتماعي والاستقرار الأسري، وهي عوامل باتت تؤدي دورًا متزايد الأهمية في قرارات الانتقال والعمل طويل الأمد.

يرى صابر أن هذه الميزة تمثل عامل جذب نسبيًّا لا يتوافر بالدرجة نفسها في أوروبا أو الولايات المتحدة، ”التقارب الثقافي يسهم في تسهيل اندماج الباحثين واستقرارهم، مقارنةً ببيئات قد يشعر فيها بعضهم بالغربة أو التمييز“، سواء على المستوى الشخصي أو الأسري.

ويعكس هذا الطرح ما أشار إليه علي مختار محمود -باحث ما بعد الدكتوراة في معهد السرطان الوطني بالمعاهد الوطنية للصحة في أمريكا- الذي يقول: ”تمتلك الولايات المتحدة وأوروبا –خاصةً ألمانيا– أفضل منظومات البحث العلمي إداريًّا وتمويليًّا وتقنيًّا، لكن هذه البلدان لها ثقافة مغايرة لثقافتنا، ونمط حياة مختلف قد يؤثر في الباحث نفسه، وإن لم يؤثر فيه فقد يؤثر في أسرته وأبنائه“.

ويضيف محمود أن ”هذا البُعد يمثل مصدر قلق حقيقيًّا لبعض الباحثين، خاصةً في ظل تصاعُد النقاشات السياسية والمجتمعية في الغرب“، مؤكدًا أن وجهة النظر هذه تختلف من باحث إلى آخر، لكنها حاضرة في حسابات كثيرين عند اتخاذ قرارات الانتقال أو الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، يرى محمود أن دول الخليج تسعى بجدية إلى بناء منظومات بحثية متطورة، مدعومة بقدرات اقتصادية واضحة، ويقول: ”توجد دراسات تؤكد نمو البحث العلمي في دول الخليج العربي، ربما لا تزال المنظومة البحثية تعاني بعض الضعف فيما يتعلق بجودة بعض المخرجات، لكن التعاون الدولي والتطبيق الصناعي للدراسات البحثية غالبًا ما يعوض هذا الفارق“.

بُعد آخر لهذه الجاذبية، يشير إليه يورج ماتياس ديتيرمان، أستاذ التاريخ المشارك في برنامج الفنون والعلوم الليبرالية بكلية فنون التصميم، جامعة فيرجينيا كومنولث في قطر، يتمثل في أن البيئة البحثية بدول الخليج تتميز بديناميكيتها وتنوعها الثقافي، يقول: ”أحب في هذه البلدان التنوع الثقافي، ففي مدن مثل الدوحة والرياض ستجد عددًا كبيرًا من باحثي ’الجنوب العالمي‘ المتميزين القادمين من دول واجهوا صعوبات في الحصول على تأشيرات للعمل في الولايات المتحدة، مثل اليمن وإيران“.

أقصى الشرق يتحرك أسرع.. والخليج أمام اختبار حاسم

بينما لا تزال دول الخليج في مرحلة بناء منظوماتها البحثية، يشير باحثون إلى أن خريطة الوجهات العلمية العالمية لم تعد حكرًا على الولايات المتحدة، مع تزايُد توجه الباحثين المغادرين نحو أوروبا وكندا والصين، حيث تتوافر مسارات مهنية أكثر وضوحًا واستقرارًا.

يرى أحمد عثمان -المحاضر الأول في قسم هندسة الطاقة بكلية الهندسة والتكنولوجيا والتصميم في المملكة المتحدة- أن هذا التوجه لا يرتبط فقط بجاذبية هذه الوجهات، بل بطبيعة المسارات المهنية الواضحة التي توفرها، ويوضح أن هذه الدول ”تمتلك أنظمة توظيف وترقية أكاديمية متراكمة تاريخيًّا، تجعل الباحث يعرف بدقة ما الذي ينتظره خلال عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، من حيث التثبيت الوظيفي، والترقِّي، والتقاعد، وتعليم الأبناء“.

كما يشير إلى أن سياسات الإقامة الدائمة والجنسية في كندا وعدد من الدول الأوروبية تمثل عاملًا حاسمًا في قرارات الانتقال، ”إذ لا ينقل الباحث مشروعه العلمي فقط، بل ينقل أسرته ومستقبلها“.

ويضيف عثمان أن الصورة الذهنية والشبكات العلمية القائمة تؤدي دورًا مهمًّا، إذ يمتلك كثير من الباحثين المغادرين للولايات المتحدة علاقات بحثية سابقة في أوروبا أو الصين، ما يجعل الانتقال امتدادًا طبيعيًّا لمسار مهني قائم، في حين لا تزال صورة الخليج لدى جزء من المجتمع العلمي مرتبطةً بوظائف قصيرة الأجل ذات رواتب مرتفعة، أكثر من كونها مسارًا بحثيًّا طويل الأمد.

الاستفادة من الباحثين المتأثرين بتراجُع التمويل في الغرب لا تتطلب بالضرورة هجرتهم الكاملة، يقول عثمان: ”يمكن الاستفادة من هؤلاء العلماء دون هجرتهم إلى المنطقة، عن طريق تقديم كراسي أستاذ زائر وأستاذيات مشتركة تتيح لهم الاحتفاظ بوظائفهم في الجامعات الغربية، والارتباط الرسمي الجزئي بالمؤسسات البحثية“.

ويضيف عثمان أنه من الآليات الممكنة أيضًا ”تنظيم برامج زيارات بحثية منتظمة وقصيرة الأجل مرتبطة بمشروعات محددة، إضافةً إلى إنشاء مراكز بحثية أو معامل افتراضية عابرة للحدود، تضم فرقًا بحثيةً مقيمةً في أوروبا أو أمريكا أو آسيا، وتحصل على تمويل مشترك“، مشيرًا إلى أن هذه المعامل العابرة للحدود يمكن أن تخدم ملفات حيوية مثل تحلية المياه، والأمن الغذائي، والطاقة النظيفة، وتغيُّر المناخ.

 ماذا يحتاج الخليج ليواكب هذا المسار؟

يربط عثمان قدرة أي منظومة بحثية على المنافسة بوجود بيئة داخلية داعمة، تتجاوز الحماس الفردي للباحثين، ”نجاح منظومة البحث العلمي يتطلب تمويلًا طويل الأجل وتنافسيًّا، وتأسيس بنية داعمة حول الباحث، تشمل مكاتب الدعم البحثي، وإدارات نقل التكنولوجيا، وحاضنات أعمال تحول النتائج العلمية إلى منتجات وخدمات وفرص استثمارية“.

ويتفق صابر مع هذا، مؤكدًا أهمية ما يسميه ”البيئة الداعمة والمحفزة“، ويقول: ”العامل الرئيس الذي يفتقر إليه الوعي الجمعي في المجتمع العلمي العربي هو تعزيز الأمن الوظيفي ووضوح مسارات الترقية، وتيسير انتقال الباحثين بين الوظائف، إلى جانب تمكينهم من امتلاك مشروعاتهم الخاصة“.

ويؤكد صابر أن دول الخليج بدأت بالفعل اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه بهدف الإبقاء على العلماء.

يشير أوكاندو إلى أن بعض دول الخليج اتخذت بالفعل خطوات لتسهيل استقطاب الباحثين، مثل منح ”التأشيرات الذهبية“، التي تستمر عشر سنوات، لأصحاب المواهب في الإمارات وسلطنة عمان، ومنح الجنسية للعلماء المتميزين في السعودية، ومكررًا أن التحدي لم يعُد في اجتذاب الباحثين بقدر ما يكمن في القدرة على الإبقاء عليهم، ويتساءل عمَّا إذا كانت هذه الدول قادرةً على الالتزام بتمويل مشروعات بحثية طويلة الأجل تمتد من 15 إلى 20 عامًا، مثل مشروعات الحوسبة الكمومية.

ويرى أوكاندو أن من بين الآليات التي قد تحفز الباحثين على الاستمرار توفير إقامات دائمة وخطط تقاعُد واضحة.

فيما يضيف ديتيرمان أن الإبقاء على الباحثين قد يتطلب أيضًا مزيدًا من الحرية الأكاديمية، إلى جانب استقطاب العلماء الذين تعرّضوا لقطع التمويل في الولايات المتحدة، أو واجهوا أشكالًا من التمييز.

من جانبه يرى الشربيني أن الاستفادة من نماذج مطبقة في دول مثل الصين قد يساعد في تطوير الباحثين العرب، مشيرًا إلى تجارب تمويل باحثين مقيمين في أوروبا بشكل كامل، مقابل استهداف عودة عدد منهم إلى بلدانهم بعد اكتساب الخبرة وبناء الشبكات العلمية اللازمة.

أما القاضي فيرى أن توقيت هذه التحولات يحمل فرصةً نادرةً لإعادة بناء المنظومة البحثية العربية، ويقول: ”لا يوجد وقت أكثر مناسبةً من الوقت الحالي لتطوير هذه المنظومة؛ لأن بعض العلماء يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة، بينما يفكر آخرون في مغادرة أوروبا بسبب التحديات الاقتصادية، ويتجهون إلى الشرق، مثل سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية، إلى جانب الصين“.

 البوصلة تتجه شرقًا

تشير المعطيات مجتمعةً إلى أن خريطة البحث العلمي العالمي تمر بمرحلة إعادة تشكيل واضحة، في ظل تراجُع نسبي للاستقرار داخل المنظومة الأمريكية، ومحاولات أوروبية نشطة لم تكتمل بعد، مقابل صعود واضح لنماذج آسيوية شرقية أكثر تنظيمًا واستدامة، وفي هذا المشهد، لا يزال الخليج أمام اختبار حاسم يُملي عليه تحويل موارده وبنيته التحتية إلى منظومات بحثية قادرة على الاستمرار، لا الاكتفاء بدور الوجهة المؤقتة.

يدعو صابر الباحثين العرب المقيمين في الخارج إلى ”متابعة التطورات المتسارعة في منظومات البحث العلمي بدول الخليج، والتفاعل مع الفرص والمشروعات البحثية الجديدة التي تطرحها هذه البلدان“، مشيرًا إلى منصات رقمية متخصصة مثل منصة إنولايت في قطر، التي تتيح للباحثين الاطلاع على البرامج البحثية والفرص المتاحة، لافتًا إلى أن دولًا خليجيةً أخرى توفر منصاتٍ مماثلةً لعرض أنشطتها البحثية.

ويؤكد صابر أن بناء بيئة بحثية مستدامة يتطلب مشاركةً فاعلةً من الباحثين أنفسهم، ”في النهاية، تنمو البيئة البحثية بجهود الباحثين ذاتهم، لا الجامعات أو المؤسسات البحثية وحدها“.

ويختتم صابر بتوجيه دعوة مباشرة إلى الباحثين العرب في الخارج لطرح أفكار ابتكارية على المؤسسات البحثية الخليجية، وتقديم مقترحات ومشروعات مشتركة مع الباحثين المحليين، بما يسهم في بناء منظومة بحثية أكثر رسوخًا واستدامة.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا