كتب: عمرو راجح
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة، SciDev.Net] في قاعة هادئة بمدينة القاهرة، انطلقت ’صرخة‘ نفر من أطباء وباحثين وأعضاء في منظمة الصحة العالمية، اجتمعوا في المكتب الإقليمي للمنظمة لشرق المتوسط في السادس عشر من يوليو الجاري، يرفعون أصواتهم دفاعًا عن مرضى ’المايستوما‘ المنسيين في زحام أولويات العالم الصحية.
’المايستوما‘، أو ’قدم مادورا‘ كما كان يُطلق عليه في البداية، هو داء التهابي مزمن، يبدأ من إصابة في القدم، ثم ما يلبث ببطء وبالتدريج، ليصل إلى أي جزء في الجسم، وقد تؤول عقباه إلى بتر طرف، وربما انتهى مصير المصاب إلى الموت.
وجه الحاضرون نداءً إلى العالم، داعين إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر الالتفات إلى معاناة المُهْمَلين من الفقراء المصابين بهذا المرض الخطير المزمن، والذي يصيب عشرات الآلاف في مناطق استوائية، دون أن يجدوا مَن يمد لهم يد العون.
بلغت درجة إهمال مواجهة المرض، أنه لا يوجد سوى مركز وحيد في العالم مَعْنِي بتشخيص مرضى المايستوما وعلاجهم، وهو ’مركز أبحاث المايستوما‘، الذي أُسِّسَ عام 1991 في السودان، ”دون تمويل، ودون معرفة كافية بالمرض، وفي أوضاع شديدة السوء“، وفق مدير المركز ومؤسسه أحمد فحل.
الدكتور فحل، يصف المايستوما بأنه: ”ندبة أصابت الوعي البشري“، و”مرض أكثر الفقراء فقرًا، وأحد أكثر الأمراض المهملة في كوكبنا“.
ويُدعى المايستوما أيضًا الورم الفطري، وهو مرضٌ شائعٌ ومتوطن في العديد من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، يعانيه المزارعون والعمال الذين يسيرون حفاةً على التربة المترعة بالكائنات الدقيقة -من البكتيريا والفطريات- المسُببة للمرض، والتي يتخطى عددها السبعين نوعًا، نتيجة تعرُّضهم للجروح من جرَّاء الأشواك النباتية، أو بسبب براز الحيوانات.
يتربص المرض بمَن يعيشون في بيئات فقيرة، ولا يكتفي بالبالغين، فنحو 30% من المصابين أطفال.
يقول فحل: ”المايستوما مُعْضِلَة مرضية تدمر الإنسان في المجتمعات الهشة، وتتركه بلا تعليم أو وظيفة أو حياة اجتماعية، وتصمه بالعار“، هذا -بطبيعة الحال- في حال نجاة المريض من الوفاة.
يبدأ الداء بتكتلات غير مؤلمة، وجيوب متعددة، تنشأ تحت الجلد وتستمر في النمو وتتطور إلى قرح نازفة تحوي ’حبيبات‘ شبيه بالرمل، ومع إهمال العلاج بسبب غياب التشخيص والعلاجات الفاعلة، يفتك المرض بالعضلات والعظام والبنى العميقة، ما يؤدي إلى تشوه الأطراف، الأمر الذي يستدعي بترها، ومع تفاقُم الحالة وفقدان السيطرة، تصبح الوفاة نتيجةً محتملة.
يواجه مرضى المايستوما -وكذلك مركز أبحاثه- عددًا كبيرًا من التحديات، أولها عدم توافر علاج نهائي للمرض، إذ يُعالج النوع البكتيري بخليط من المضادات الحيوية، أما ذاك فطري المنشأ فيُعالج بمادة ’إتراكونازول‘، التي يتطلب العلاج بها تناولها مرتين يوميًّا مدةً طويلة.
وقد طور المركز بالتعاون مع بعض الجهات البحثية العالمية دواءً جديدًا للنوع الفطري باسم ’فوسرافوكونازول‘، وهو الآن في مرحلة الترخيص من قِبَل وزارة الصحة السودانية، ويتسم بفاعليته وعدم الحاجة إلى تناوله إلا مرتين أسبوعيًّا، ورغم ذلك فهو يمثل محاولةً للتخفيف عن المرضى، لا للقضاء النهائي على المرض.
ويتمثل التحدي الثاني في انعدام معرفة المرضى بتفاصيل هذا الداء العضال، وبالتالي صعوبة التشخيص السليم ومن ثم الكشف المبكر عن المرض، ما دفع المركز إلى تأسيس منشأتين في ولايتي سنّار وكسلا بالسودان، بالأساس للتوعية والتثقيف.
من المنشأتين تنطلق حملات ميدانية تتضمن مجموعةً مُدَرَّبةً من المختصين الذين يتواصلون مع أبناء القرى المهمشة لتعريفهم بالمرض، ومحاولة الكشف عن الإصابات الموجودة، والحث على سرعة التوجه إلى المركز، كذلك ينشر المركز الكتيبات والأفلام التوعوية.
لا يقتصر عمل المركز على العناية بالمرضى من السودان، ”نتعاون حاليًّا مع 58 حالة من مصر والسعودية واليمن وإثيوبيا وكينيا وبنجلاديش عبر قسم الطب عن بُعد الموجود بالمركز، وكذلك يُمكن للمرضى التواصل معنا مباشرةً عبر الموقع الإلكتروني للمركز أو من خلال تطبيق ’واتس آب‘ ومركز خدمة العملاء الهاتفي“، كما يقول فحل لشبكة SciDev.Net.
أما التحدي الأكبر فيتمثل في ”تطوير اختبار في موقع الرعاية للكشف عن المرض، وهو فاعل ورخيص وسهل الاستخدام في القرى والمناطق النائية، خاصةً أن سُبُل التشخيص الحالية مُكَلِّفة، وغير دقيقة، وتتوافر فقط داخل أروقة المركز والنقاط التابعة له“.
ويُعَلِق فحل: ”الوصول إلى علاج فاعل يتطلب توفير المساواة فيما يتعلق بالدراسات البحثية، ومزيد من التعاون الدولي، وتقديم حلول خارج الصندوق“، وجاء التعقيب سريعًا من إحدى الحاضرات قائلة: ”المايستوما دليل على غياب العدالة الاجتماعية“.
وكأن مرضى المايستوما لا يكفيهم ما يعانونه في صمت، وجاءت الحرب في السودان لتقف عقبةً إضافيةً تحول بين المرضى والعلاج، إذ أُصيب أحد مباني المركز ببعض الأضرار من جرَّاء القتال بين القوات المسلحة وميليشيات الدعم السريع، وتلفت العينات البكتيرية والفطرية بسبب انقطاع الكهرباء.
ورغم ما سبق يؤكد فحل أن هذه الأمور لم ولن تمنع عمل المركز، قائلًا: ”سنبدأ من جديد لاستعادة ما فقدناه، وما زلنا نقدم خدماتنا قدر المستطاع للمرضى رغم الحرب“.
وبسؤاله عن إمكانية الحد من الإصابة بالمرض، يوضح فحل أن ”هذا أمرٌ مستحيل، لأن مسببات المرض موجودة في التربة بالفعل، والمصابون من الفقراء أصحاب التعليم الضعيف، يفتقرون إلى وسائل الحماية المناسبة والمعرفة“.
ليست مجرد ’صرخة‘، إنها نداءات ودعوات إلى العالم بما فيه من مؤسسات بحثية وتمويلية لإعادة النظر في مأساة صامتة اسمها ’المايستوما‘ يعاني منها الفقراء بلا حول ولا قوة، فهل من مجيب؟
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا