Skip to content

22/12/25

س و ج حول توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية

EXQL0600_001_996x567
خلال محاضرة عامة، يناقش عرفان كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أبحاث الصحة النفسية وممارساتها وحدودها الأخلاقية المهنية حقوق الصورة:Arfan Ahmed/ SciDev.Net

نقاط للقراءة السريعة

  • بإمكان الذكاء الاصطناعي دعم الصحة النفسية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المُعالِج البشري، والجمع بينهما أمثل طريقةً وأهدى
  • قد يكون نافعًا بالنظر إلى النقص الكبير في أعداد الأطباء النفسيين، وإلى صعوبة الوصول إلى معالج حقيقي، خصوصًا في الدول النامية
  • من المقبول أن نُكَيِّف نماذج المعالجة بالذكاء الاصطناعي، لا أن ننسخها، بل نُنشئ أنظمة تتحدث العربية، وتحترم ثقافتنا، وتناسب قيم مجتمعاتنا

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

تحولت بعض مشاهد روايات وأفلام الخيال العلمي إلى واقع ملموس، نشهد حاليًّا طفرةً في مجال الذكاء الاصطناعي.

وكما غَيَّر الكثير من قواعد اللعب، في مختلِف المجالات، اقتحم الذكاء الاصطناعي ساحات الرعاية الصحية بكل قوة وجسارة، ويومًا بعد يوم، نرى ونسمع عن تطبيقات واعدة، توشك أن تغير شكل الخدمة التي عهدناها! ولا تُستَثنى الصحة النفسية من ذلك.

لعقود طويلة اعتمدنا على الحوار المباشر بين المريض وطبيبه النفسي من أجل التشخيص والعلاج، أما في الوقت الحالي فبمقدور برمجيات الدردشة الذكية أن تُجري مثل هذا الحوار وأن تحلل البيانات السلوكية، ما يتيح خدمة التقييم النفسي والمتابعة لجمهور أوسع وبصورة أكثر فاعلية، وما يُيَسِّر تقديم الدعم النفسي الفوري والتعرف على الأنماط الخطرة والإبلاغ عنها!

إلا أن هذا التطور الهائل، يأتي كذلك -مثل أي جديد- مشوبًا ببعض الشك والريبة حول القدرات الفعلية للذكاء الاصطناعي في التعامل مع المشاعر البشرية وتعقيدات السلوكيات الإنسانية، ناهيك بقدراته على تقديم المساعدة والدعم، وإلى جانب هذا، فسؤال الخصوصية المقترن بانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في العموم مطروح كذلك، لا سيما أن طالب الخدمة مجبر على مشاركة مشاعره وانفعالاته ومكنونات نفسه بدقة وصدق.

في هذا السياق، تركز أبحاث عرفان أحمد -الأستاذ المساعد في كلية وايل كورنيل للطب بقطر- مؤخرًا على تطبيقات التكنولوجيا في المجالات الطبية المختلفة، بما فيها الصحة النفسية واستخدامات الذكاء الاصطناعي.

كذلك تولى عرفان سابقًا إدارة مشروع الدردشة الصحية المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جامعة حمد بن خليفة، كما قاد تأسيس مركز الذكاء الاصطناعي للطب الدقيق بالكلية، ويشغل حاليًّا منصب منسق المركز.

وفي حواره مع شبكة SciDev.Net، يستعرض عرفان الطفرة التي تَعِدُ بها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية، ويحدد الأدوار التي قد تؤديها، كما يجيب عن التساؤلات المتشككة بخصوص أبعاد قدراتها، ومعايير الأمان والخصوصية.

 

يتحدث البعض حاليًّا إلى روبوتات الدردشة حديث الأصدقاء، وقد يطلبون منها المساعدة والدعم، هل بإمكان الذكاء الصناعي وروبوتات الدردشة أن تؤدي دور الطبيب النفسي؟ وما الذي يحتاج مطورو روبوتات الدردشة إلى فعله من أجل دمجها في منظومات الرعاية الصحية الحالية؟

تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ونشرها بنجاح في الرعاية الصحية يعتمد على الإسهام المبكر والمتواصل لأصحاب المصلحة، على اختلاف مشاربهم من أطباء ومرضى وإداريين وعلماء في مجال البيانات ومتخصصين في تكنولوجيا المعلومات.

عندما لا تشارك هذه الفئات بقدرٍ كافٍ، غالبًا ما تواجِه جهود الدمج مقاومةً وتقل كفاءتها وتنحرف أهدافها عن المراد، قد يرتاب الأطباء الذين لا يشاركون في التطوير في أنظمة الذكاء الاصطناعي أو يجدونها غير مناسبة لبيئة العمل في دنيا الواقع، وهو ما يؤدي إلى الحد من تقبُّلها.

وتظل مشاركة المرضى مهمةً بالقدر ذاته؛ إذ تساعد الشفافية فيما يتعلق بخصوصية البيانات وأمنها والاستخدام الأخلاقي لها في بناء الثقة والحفاظ على الاستقلالية.

البشر يتعلقون فعليًّا بهذه الشخصيات الافتراضية أو الخيالية التي تمثلها روبوتات الدردشة، نعرف ذلك من خلال واحدة من أوائل أوراقنا البحثية عنها، والتي يعود تاريخها إلى عام 2020، حين كانت التكنولوجيا لم تزل أولية، وقبل ظهور تطبيقات مثل شات جي بي تي والنماذج اللغوية الكبيرة.

وفي دراسة أجريناها عام 2022، استكشف فريقي آراء المستخدمين ومدى رضاهم ومواقفهم تجاه  تطبيقات الدردشة الخاصة بالقلق والاكتئاب عبر تحليل موضوعي لتقييمات المستخدمين لأحد عشر تطبيقًا.

أظهرت النتائج عدة نقاط، من بينها القدرة على تقديم الدعم الاجتماعي، توفر روبوتات الدردشة للمستخدمين إحساسًا بالراحة عن طريق تقدير إنجازاتهم حتى أصغرها، وتشجيعهم، وهو ما يعزز إيمان المستخدمين بأنفسهم، ويعينهم على تجاوز قلقهم الاجتماعي.

أما النقطة الفرعية الثانية فتُظهر أن لروبوتات الدردشة قدرةً على تزويد المستخدمين بالأدوات التي تعينهم على تجاوز المشكلات المتعلقة بالسيطرة على الذات، وهو ما يتيح للمستخدمين الوصول إلى حلولهم الخاصة وزيادة الثقة بالنفس وتقوية الإرادة، بالإضافة إلى تقبُّل الذات كما هي.

وتذهب النقطة الثالثة إلى أن روبوتات الدردشة تهب التحكم في التقلبات المزاجية ومتابعتها من أجل علاجها بصورة أفضل، إلى جانب ذلك، فروبوتات الدردشة سهلة الاستخدام وتتطلب الحد الأدنى من الدعم، لذلك نجد بعض التشابه بين الطبيب النفسي والمعالج الافتراضي المُدار بالذكاء الاصطناعي.

وأخيرًا، بإمكان الذكاء الاصطناعي دعم الصحة النفسية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المُعالِج البشري.

لِنعتبره معاونًا يساعد البشر على تأمُّل ذواتهم وتتبُّع حالاتهم المزاجية والحصول على التوجيه عندما لا يتوافر المُعالِج، يستطيع الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات أن يُقَدِّم فكرةً أوليةً عن التشخيص، لكنه في الوقت الحالي على الأقل لا يحتاج -وفق ما أرى- إلى الخضوع لإشراف بشري فحسب، بل إنه أمر إلزامي.

إذا كان الأمر على هذه الصورة، فهل هي موثوقة؟ وإذا كان دورها محدودًا، فما هي المهمات الموكلة إليها تحديدًا؟

لاحظنا في بحثنا أن المستخدمين يصبحون حذرين بشأن ما يشاركونه ومع مَن يشاركون محادثاتهم الشخصية، ولا يزال الكثير من الأسئلة الأخلاقية والقانونية (المتعلقة بحماية البيانات) بلا إجابة.

إلى جانب ذلك، فالشعور بالانزعاج من حميمية الذكاء الاصطناعي يتَّسق مع نتائج دراسات سابقة، تُظهِر أن من المستخدمين مَن يُضفي على الأنظمة التقنية سمات بشرية، وهو ما يتسبب بشعور المستخدمين بالانزعاج حيال مشاركة المحتوى، واحتمالية شيوع البيانات، والارتياب العام من التطبيق.

والمحادثات غير الإبداعية تُعد كذلك عاملًا مهمًّا؛ إذ لا يحبذ المستخدمون المحادثات غير الذكية كثيرًا، عندما يكرر روبوت الدردشة نفسه، طارحًا أسئلة متشابهة طوال اليوم، تصير قدرته على الإبداع محل تساؤل، ويفقد المستخدمون اهتمامهم.

كما تبزغ أسئلة بشأن قابلية المستخدمين لتلقِّي نصائح علاجية من روبوتات الدردشة، التي قد توقع خوارزمياتها ضررًا عليهم، نعرف هذا من دراسات حديثة، أشارت إليها تقارير إعلامية حديثة تناولت حالات انتحار.

على ذلك، روبوتات الدردشة موثوقة في حالات الدعم البسيط، مثل المساعدة الذاتية [وهي أساليب يمكن للمرء استخدامها بنفسه لتحسين صحته]، أو التذكيرات [وهي إشعارات يرسلها التطبيق لمساعدة الشخص على الالتزام بخطة العلاج]، إلا أن مسائل الصحة النفسية الخطيرة لا تزال تستلزم مشاركة متخصص، في الوقت الراهن على الأقل، إذ لا تزال التكنولوجيا في طور التطوير.

ولا يزال الهيكل الأفضل يتمثل في ذكاء اصطناعي يعمل مع البشر، لا بدلًا منهم، وهو ما يُعرَف تقنيًّا بمفهوم ’الإنسان في الحلقة‘، أي دمج خبرات الإنسان في مسار العمل الآلي.

لا يعني هذا أن روبوتات الدردشة هذه غير قادرة على الحلول محل البشر، بل أظن أن بإمكانها التفوق على البشر مستقبلًا بالنظر إلى الطريقة التي تمضي بها التكنولوجيا، المسألة أن اللوائح تكافح للَّحاق بالركب.

بالنظر إلى أن الذكاء الصناعي يجب أن يُدَرَّب على بيانات، فما نوع البيانات التي يجب تدريبه عليها لكي يؤدي دور الطبيب النفسي؟ وإذا أخذنا الاختلافات بين الشعوب في الحسبان، هل يمكن لنماذج العلاج النفسي الغربية أن تتعامل بكفاءة مع الحالات في منطقتنا؟

من الثابت أن النماذج اللغوية الكبيرة قد تنحاز إلى ثقافة معينة دون الأخرى، فإذا دُرِّب النموذج على بيانات مستمدة من مجتمعات أوروبية، فمن الطبيعي أن تعكس مخرَجاته ذلك السياق الثقافي وتلك البيانات.

في الوقت نفسه، من الممكن أن يُشَكِّل المستخدم تلك المحادثات، على سبيل المثال، قد يُوَجِّه المستخدم النموذج ليتسق مع ممارسات ثقافية معينة في سياق الصحة النفسية، إلا أن هذا يستدعي من المستخدم أن يكون على دراية مسبقة، ودرجة من الوعي الذاتي ليقود النموذج عن قصد إلى اتجاهٍ ما، والاعتماد على المستخدم ليقوم بهذا الأمر يطرح العديد من الإشكالات.

على الجانب الآخر، قد يقوم المطورون الذين يعرفون جمهورهم المستهدف بهذا التعديل قبل نشر النموذج، من الممكن تعديل النماذج الغربية وفق شعوب منطقةٍ ما أو ثقافةٍ ما، وفي حال كانت البيانات غير متوازنة، من الممكن استخدام تقنيات التعلم الآلي لإعادة الاتزان إليها قبل إدخالها إلى خوارزمية التدريب.

وعليه، فالإجابة نعم، من المقبول تمامًا استخدام النماذج الغربية، خصوصًا أن كثيرًا من المال والوقت قد أُنفِق لتطويرها.. لنعتبرها نماذجنا التأسيسية ونعَدِّلها لتتوافق مع أغراضنا.

يُستَخدم الذكاء الاصطناعي حاليًّا لرصد خطابات الكراهية واللغة غير اللائقة، فهل يمكن توظيفه لاكتشاف العلامات المبكرة للاكتئاب أو الإجهاد الناتج عن العمل الزائد والضغوط أو الاضطرابات النفسية؟ هل تتطلب مثل هذه المراقبة الآلية موافقةً مسبقة؟ وإذا ظهرت مثل هذه العلامات، فهل يتم إبلاغ الشخص نفسه أم جهات معينة؟ وما الضوابط الأخلاقية المرتبطة بمثل هذا الاستخدام، من حيث الموافقة والإبلاغ؟

نعم، بإمكان الذكاء الاصطناعي اكتشاف العلامات المُنذِرة في الكتابة والكلام، بل في أنماط النوم كذلك، من الممكن التعرُّف على الأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق والاكتئاب عن طريق استخدام النماذج التنبُّئية؛ لرصد لغة المستخدمين في وسائل التواصل الاجتماعي، فلديها القدرة على استكمال أساليب الفحص التقليدية.

يُعد التحليل المتواصل لبيانات وسائل التواصل الاجتماعي على طول الخط الزمني أمرًا جوهريًّا، وهو ما برز بوضوح إبان ذروة جائحة كوفيد-19 (2019-2020)، حين شهد هذا المجال توسعًا بحثيًّا ملحوظًا.

نحتاج إلى تطبيق بعض الاعتبارات الأخلاقية؛ فالنماذج التنبئية القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تتيح فرصةً للتعرف على الأعراض في مرحلة مبكرة، ربما قبل أن تمثل التداعيات النفسية والاجتماعية مشكلة.

إلا أن أي استخدام لهذه الإمكانيات يستلزم موافقةً مسبقة، أما الإشعارات التحذيرية فيجب أن تتوجه للشخص نفسه في المقام الأول أو لراعيه إذا كان معرضًا لخطر ظاهر، ثمة نقاشات مستمرة في هذا المجال تجري بشأن كيفية التعامل بمسؤولية مع مؤشرات الاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية.

ومن دون الدخول عميقًا في التفاصيل الفنية، أحد المناهج -على سبيل المثال- يتمثل في وضع حدود واضحة داخل النظام باستخدام كلمات مفتاحية أو محفزات سلوكية، فإذا رصد روبوت الدردشة لغةً تشير إلى أفكار انتحارية، فقد يبدأ تلقائيًّا إحالة الأمر إلى متخصص بشري.

وهذا يشبه الطريقة التي تعمل بها أنظمة دردشة خدمة العملاء؛ إذ الحديث يبدأ مع وكيل آلي، ولكن فور الوفاء بشروط معينة، ينتقل الحديث إلى شخص حقيقي، بالطريقة نفسها، لا يجب أن تستمر المحادثة بعد بلوغ عتبة معينة من دون تمريرها إلى أحد مقدمي الرعاية.

أما من حيث الخصوصية، فلا يتحتم على النظام مشاركة محتوى المحادثة، بل تكفي الإشارة إلى أن المستخدم يحتاج إلى الدعم، وإذا كان معلومًا من قبل أن المستخدم يعاني مشكلات نفسية، فقد تكون الإحالة جزءًا من خطة الرعاية الجارية.

وينبغي أن يواكب هذا الالتزامات الأخلاقية لدى التربويين أو الأطباء، يجب إرساء وسائل للحماية ومسارات للتصعيد بداخل أدوات الصحة النفسية القائمة على الذكاء الاصطناعي، فكما يحيل الأستاذ الجامعي طالبًا إلى خدمات الإرشاد عند ملاحظة مؤشرات مقلقة، ينبغي أن تتضمن أدوات الصحة النفسية القائمة على الذكاء الاصطناعي آليات حماية ومسارات تصعيد واضحة.

هل يؤمَن الحديث إلى نموذج ذكاء اصطناعي يؤدي دور المُعالِج النفسي، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه البيانات قد تُستَغَل أو تتسرب أو تتعرض للقرصنة؟ هل من الممكن حقًّا ضمان الخصوصية وحقوق المرضى؟

يعتمد الأمان -في نهاية المطاف- على الكيفية التي وفقها يجري تصميم النظام، من اللازم تشفير البيانات، وإخفاء هوية صاحبها، وحمايتها تحت مظلة قوانين الخصوصية.

والحكومات، على مستوى العالم، تحاول أن تحقق توازنًا بين إتاحة الفرصة للابتكار وفرض النظام، لأن الضوابط المفرطة في صرامتها قد تعوق التقدم، بالتأكيد يستطيع المطورون إنفاذ ضوابط متينة للخصوصية والأمن، لكن من المهم كذلك تحقيق الشفافية مع المستخدمين بشأن كيفية التعامل مع البيانات.

ورغم أن أي نظام متصل بالإنترنت لا يخلو من الأخطار بنسبة 100٪، فإن المعايير الصارمة والمسؤولية الواضحة تقللان كثيرًا من المخاطر، وتبنيان الثقة.

في المقابل، تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من بيانات المرضى الحساسة، ما يثير مخاوف حقيقية تتعلق بالخصوصية والأمان السيبراني.

إن تجميع البيانات على نطاق واسع -من السجلات الصحية الإلكترونية ومخزونات التصوير الطبي والأجهزة التي نضعها على أجسامنا [مثل الساعة الإلكترونية والنظارة الإلكترونية]- يزيد من مخاطر التعرض للهجمات، إذ تجعل الذكاء الاصطناعي المختص بالرعاية الصحية هدفًا أوليًّا للاختراق والولوج غير المصرح به.

والأبحاث كشفت أن الهجمات الخبيثة قد تستخلص بيانات تدريبية يمكن التعرف على هويتها من أنظمة الذكاء الاصطناعي، كاشفةً عن معلومات المرضى ومهددةً السرية، بل إن قواعد البيانات التي أُخفيت هويتها لا تزال مهددة، إذ تستطيع الخوارزميات المعقدة التعرف من جديد على هوية الأفراد أصحاب تلك البيانات من خلال مطابقة الأنماط والربط المتقاطع بين البيانات.

تزيد المسائل المتعلقة بملكية البيانات والتحكم بها من تعقيد المشهد؛ فلدى المرضى ومقدمي الخدمة ومطوري البيانات مصالح متضاربة فيما يتعلق بكيفية استخدام البيانات الطبية ومشاركتها والتربُّح منها.

قد تعزز التقنيات الناشئة -مثل قواعد البيانات المتسلسلة- من القدرة على التتبُّع، وضمان مراقبة استخدام بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدعم الأمن والثقة، إلا أنه من دون معايير عالمية متناغمة لتوطين البيانات [تخزينها ومعالجتها في بلدٍ ما]، سوف تبقى عمليات الذكاء الاصطناعي العابرة للحدود مفككة.

من ثم، فالنهج الدولي المنسق الذي يجمع بين الحماية التقنية والمواءمة القانونية والرقابة الأخلاقية ضروري لحماية الخصوصية دون كبح الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي الصحي.

هل من الممكن تصميم المُعالِج النفسي الآلي وفق الطلب، بحيث يناسب كل مستخدم للخدمة، تمامًا وكأنه طبيب شخصي؟ وإذا حدث هذا فهل هو أمر نافع أم ضار؟ وهل الأوثق ائتمان آلة أم إنسان؟ هل من المحتمل أن تكون الآلة المدربة أكثر تعاطفًا؟ خصوصًا أنها لا تصاب بالملل، وكيف نزيد من هذه الثقة؟

إن تقديم خدمة معالجة شخصية أمرٌ مفيد، فعندما ”تعرف“ روبوتات الدردشة عاداتك ولغتك، تزداد شبهًا بالبشر، استغلال كميات كبيرة من البيانات في ساعاتنا الذكية وهواتفنا المحمولة يمنح تبصرًا عميقًا بعاداتنا اليومية وأنماط حياتنا مثل النوم والنشاط ومعدل نبضات القلب، وقد تُستخدم هذه البيانات ضمن وسائلنا لتقديم خدمة معالجة شخصية، بحيث يكون الروبوت -عند بدء التفاعل- على دراية بسلوكيات المستخدم اليومية.

وعندما تتدخل روبوتات الدردشة تكون على علم بالفعل بأنك قد نمت متأخرًا في الليلة الماضية أو لم تمارس تمريناتك المعتادة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الرعاية والتعاطف الإنسانيين، رغم أنها تتحسن في هذا الشأن مع تطور التكنولوجيا.

 لكن قد تكون الروبوتات نافعةً بالنظر إلى النقص الكبير في أعداد الأطباء النفسيين على مستوى العالم، وربما يكون من الصعب الوصول إلى شخص حقيقي، خصوصًا في الدول النامية.

علاوةً على ذلك، روبوتات الدردشة قد تكسر الحاجز الذي نجده لدى بعض الأشخاص في بعض المناطق، حيث لا يزال الحديث إلى أحدهم عن الصحة النفسية وصمةً حقيقية، ومن دون تلك الروبوتات لن يسعى هؤلاء الأشخاص لطلب المساعدة، الأبحاث تُظهِر أن الإجهاد العاطفي يحدث، إذ يعمل الأطباء مع الناس على نحوٍ متواصل، وقد يتضاءل مستوى التعاطف لديهم بمرور الوقت.

على الجانب الآخر، وفي اتساق، يستجيب روبوت الدردشة بالأسلوب نفسه طوال الوقت، مع ذلك، ففي حين يستطيع روبوت الدردشة محاكاة التعاطف في النصوص، إلا أن تعاطفه ليس تعاطفًا إنسانيًّا حقيقيًّا، وهو ما ينطوي على بعض المخاطر.

وربما إذا بدأ المستخدم يثق بشدة بروبوت الدردشة، فمن المحتمل أن يوجهه (وتوجهه الخوارزمية) توجيهًا خطأً من دون قصد، وفي أسوأ الحالات، وعند غياب وسائل الحماية المناسبة، قد يستجيب روبوت الدردشة على نحو غير ملائم لشخص يبوح بأفكار انتحارية.

لذلك يجب تحديد نقطة للتصعيد، عندها يقف النظام ويُحَوِّل المستخدم إلى متخصص بشري، إنها النقطة التي يصير عندها مفهوم ”الإنسان في الحلقة“ ضروريًّا، يجب أن نضمن -نحن التقنيون- وجود إشراف بشري، في الوقت الحالي على الأقل، قد تقدم روبوتات الدردشة دعمًا أوليًّا وإحساسًا بالوجود والحضور، لكنها لا يجب أن تحل محل مقدم الرعاية، ويجب أن تحيل المستخدم إلى متخصص مدرب عندما يستدعي الموقف ذلك.

وتزداد ثقة البشر بالذكاء الاصطناعي عندما يعرفون مَن يشغله وكيف تُستَخدَم بياناتهم، من الممكن الحصول على خدمة المعالجة الشخصية التي تعرف عاداتنا من خلال استهداف البيانات اليومية التي نمتلكها بالفعل ونلقي بها على كومة البيانات مثل التي تجمعها ساعات اليد الذكية والهواتف المحمولة وغيرها.

نحمل معنا الكثير للغاية من البيانات التي تخص عادات نومنا وأنشطتنا… إلخ، قد تُسهم جميعها في ”تقديم خدمة معالجة شخصية“ على مستوى لا يمكن الحصول عليه من خلال الزيارات القصيرة الأسبوعية أو الشهرية إلى العيادة.

 أخيرًا، ما النماذج الأكثر نجاحًا في هذا المجال، وكيف يمكننا الاستفادة منها؟ هل من الممكن تطبيقها مباشرة أم ينبغي تكييفها لتناسب أحوالنا المحلية؟

تجمع أفضل النماذج بين الذكاء الاصطناعي والإشراف البشري وقوانين الخصوصية الصارمة، يجب أن نُكَيِّف النماذج، لا أن ننسخها، إذ نحتاج إلى إنشاء أنظمة تتحدث العربية، وتحترم ثقافتنا، وتناسب قيم مجتمعاتنا.

 إن نماذج مثل شات جي بي تي قوية للغاية وأُنفِق الكثير من الوقت والمال من أجل تدريبها، يمكن أن نتخذها نماذج تأسيسية ونُعَدِّلها لتناسب أغراضنا، إنه الخيار الأفضل في أغلب الحالات بدلًا من إنشاء نماذج جديدة من الصفر.

أما وقد قلت هذا، فإننا نجد جهودًا حثيثة لتطوير نماذج قائمة على اللغة العربية، مثل منصة ’فنار‘، التي يعمل عليها زملائي في معهد قطر لبحوث الحوسبة، كما نجد في المنطقة جهودًا واسعة، في المملكة العربية السعودية مثلًا مشروع هيوماين، الذي استثمر ملايين الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي، كما نجد مشروعات أخرى في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا