كتب: هاني إبراهيم
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
يمثل ’الاقتصاد الأزرق‘ فرصة واعدة لدول شمال أفريقيا من أجل تحقيق الاستدامة والأمن الغذائي في المنطقة، من خلال الاستغلال المسؤول للموارد البحرية، وتشمل قطاعات الاقتصاد الأزرق مجموعةً واسعةً من الأنشطة مثل مصايد الأسماك، والطاقة البحرية المتجددة، والسياحة الساحلية، وتربية الأحياء المائية، والنقل البحري.
ويُعد الاقتصاد الأزرق إحدى وسائل تحقيق الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتمثل في ”الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام“.
ومؤخرًا، اعتُمدت إستراتيجية الاقتصاد الأزرق الإقليمية لدول شمال أفريقيا، بدعم من الحكومة النرويجية وجهود منظمات إقليمية ودولية، بهدف تعزيز التعاون والتكامل بين دول المنطقة في هذا المجال.
لاستعراض أهم ملامح تلك الإستراتيجية، وأهدافها وآليات تطبيقها لتحقيق المستهدف، كان لشبكة SciDev.Net هذا الحوار مع إلهام محمود، أستاذ البيئة وعلوم البحار بجامعة السويس، والاستشاري البيئي في الهيئة القومية للاستشعار من البُعد وعلوم الفضاء بمصر.
بداية.. ما أهم ملامح الإستراتيجية؟
تعتمد الإستراتيجية على تحقيق تنمية مستدامة للمصايد والمزارع السمكية، وتطوير أنشطة الصيد، والسياحة البحرية، والطاقة المتجددة، بما يحقق توازنًا بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، مع سن قوانين وقواعد حاكمة.
كما تركز الإستراتيجية على دعم الأمن الغذائي من خلال تحسين استدامة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، والاستعانة بتقنيات تحلية المياه لتلبية احتياجات المجتمعات الساحلية، وحماية النظم البيئية البحرية، وتقليل التلوث البحري، وتعزيز سياسات حماية الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية والمناطق الرطبة الساحلية.
وما أهداف الإستراتيجية؟
تستهدف الإستراتيجية تجنب انبعاثات الكربون من الأنشطة البحرية -أو تقليلها- عن طريق تعزيز استخدام الطاقة المتجددة، ودعم إستراتيجيات التكيف مع تأثيرات تغير المناخ على المجتمعات الساحلية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق.
وكذلك تسعى إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة وتنظيم الأنشطة البشرية في المناطق الساحلية التي تجمع دولًا عدة، وتشجيع التكامل والتعاون بينها من أجل تنسيق السياسات والإجراءات الخاصة بالاقتصاد الأزرق، وتحسين التشريعات لضمان تنفيذ تلك الإجراءات على نحو فعال.
هل للاقتصاد الأزرق دور في مواجهة نزاعات المنطقة وصراعاتها؟
لم تتطرق الإستراتيجية إلى النزاعات والمشكلات السياسية مباشرة، إلا في حدود دعم العلاقات الإقليمية في المنطقة وتطويرها.
لكنها تدعو إلى تعزيز التعاون الإقليمي بعيدًا عن الصراعات، بحيث يسهم الاقتصاد الأزرق في تنمية المناطق الساحلية والبنية التحتية المائية من خلال اعتماد إستراتيجيات مستدامة تعزز النمو الاقتصادي وتحمي البيئة البحرية، مما يوفر حلولًا لا تسهم في تخفيف التحديات الحالية فحسب، بل تضمن أيضًا استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.
كيف تعالج الإستراتيجية آثار تغير المناخ والتدهور البيئي والتلوث الناجم عنه؟
تعزز الإستراتيجية استخدام الطاقة المتجددة البحرية مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية العائمة، وتدعو إلى تربية الأحياء البحرية مثل الطحالب التي تمتص كمياتٍ كبيرةً من ثاني أكسيد الكربون، مما يسهم في التخفيف من آثار تغير المناخ.
وبالنسبة للتصدي للتدهور البيئي، فالإستراتيجية تدعم إنشاء مناطق محمية بحرية للحفاظ على الشعاب المرجانية، والأعشاب البحرية، والمناطق الرطبة الساحلية، مما يعزز التنوع الحيوي، بالإضافة إلى تبني خطط إدارة النفايات البحرية -مثل تطوير أنظمة لإعادة التدوير وإدارة المخلفات البلاستيكية- وتعنى بالحطام البحري، لمنعها من دخول المحيطات، مع تعزيز القوانين البيئية.
وما هي الآليات الداعمة لتطبيق الإستراتيجية؟
توصي الإستراتيجية بإطلاق مبادرات للتنظيف البحري عن طريق تنظيم حملات مجتمعية لإزالة الحطام من الشواطئ والمناطق البحرية، وتطبيق الاقتصاد الدائري لتحويل النفايات البحرية إلى موارد اقتصادية مثل الوقود البديل أو المواد القابلة لإعادة الاستخدام.
كما تدعو إلى التخطيط المكاني البحري -والذي أدعم بشدة تطبيقه في كل البيئات البحرية الإقليمية- لتنظيم الأنشطة البشرية وتقليل الضغط على المناطق الساحلية الأكثر تعرضًا للتدهور.
وبطبيعة الحال توعية المجتمعات الساحلية بأهمية الحفاظ على الموارد البحرية، وتدريب الأفراد على ممارسات الاقتصاد الأزرق، مثل السياحة المستدامة، وتربية الأحياء البحرية، وإدارة المناطق الساحلية.
وتؤكد ضرورة تبادل الخبرات بين الدول، وتخصيص موارد مالية لدعم مشروعات الاقتصاد الأزرق الموجهة نحو حماية البيئة.
ما أبرز التحديات التي تواجه تطبيق الإستراتيجية؟
تتمثل أهم التحديات في نقص التمويل والموارد، والتلوث البيئي، والتغيرات المناخية، وبعض القصور في تطبيق الأطر القانونية والتنظيمية، وغياب التخطيط المكاني البحري، وقلة القدرات التقنية والبشرية في بعض الدول، إضافةً إلى محدودية البيانات والمعلومات والتنافس على الموارد البحرية، ما قد يعوق تنفيذ مشروعات الاقتصاد الأزرق.
وما خطط تمويل مشروعات الاقتصاد الازرق في ظل الأوضاع الاقتصادية للمنطقة؟
يوجد عدد من الآليات والبرامج التمويلية التي يمكن الاستفادة منها لدعم هذه المشروعات، مثل التمويل الحكومي والإقليمي كما يجري فعليًّا في بعض الدول، مثل المغرب ومصر وتونس؛ حيث تخصص موارد لدعم الاقتصاد الأزرق في خططها الوطنية وأيضًا الشراكات مع الاتحاد الأفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات الدولية والبنوك التنموية.
وهناك أيضًا عدد من الآليات المبتكرة للتمويل مثل السندات والاستثمارات الخاصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص والبرامج المخصصة مثل ’صندوق المناخ الأخضر‘ و’مرفق البيئة العالمية‘، لدعم مشروعات الاستدامة البحرية في المنطقة.
و رغم توافر هذه القنوات، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من التمويل والاستثمارات طويلة الأجل، وآليات أكثر استدامةً لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في هذا القطاع، إضافةً إلى سياسات داعمة لتشجيع الابتكار والاستثمارات في مشروعات الاقتصاد الأزرق.
اقترحت تشكيل لجنة إقليمية لشؤون الاقتصاد الأزرق، فما هو الدور المنوط بها؟
تقترح الإستراتيجية تشكيل لجنة إقليمية لشؤون الاقتصاد الأزرق كيانًا إقليميًّا، يرأسها رؤساء وزراء الدول المعنية، بما يسهل مناقشة الأمور العاجلة ويضمن سرعة اتخاذ القرارات الإقليمية.
تعمل هذه اللجنة على تحسين الإطار القانوني والتنظيمي، وزيادة الاستثمارات في الموارد البحرية، وبناء القدرات، وتبنِّي التكنولوجيا الحديثة، مع التركيز على تعزيز التكامل الإقليمي لتحقيق اقتصاد أزرق مستدام.
كيف يمكن للاقتصاد الأزرق المساعدة في تنويع اقتصاديات دول شمال أفريقيا؟
لدى الاقتصاد الأزرق إمكانيات هائلة لتحسين سبل العيش، وخلق فرص عمل، وتعزيز التنمية المستدامة من خلال الاستفادة من الموارد البحرية على نحو مسؤول.
ذلك يدعم تطوير قطاع الصيد المستدام وتربية الأحياء المائية، ودعم السياحة البيئية والساحلية، والاستثمار في إنتاج الطاقة البحرية المتجددة.
كذلك يسهم في تعزيز النقل البحري، الذي يُسهم في تحسين التجارة البينية والدولية، ويعزز التعاون الإقليمي، واستخدام التقنيات الحديثة مثل نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد لمراقبة الموارد البحرية وإدارتها بكفاءة لدعم استدامة هذه الموارد.
هل هناك أمثلة على مشروعات ناجحة للاقتصاد الأزرق في دول شمال أفريقيا؟
في مصر تشمل المشروعات إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتطوير السياحة المستدامة في مناطق مثل البحر الأحمر من خلال إنشاء محميات بحرية مثل ’رأس محمد‘ لدعم التنوع الحيوي وجذب السياح، كما أعلنت مدينة شرم الشيخ أول مدينة خضراء، وأيضًا سيتم تطبيق التخطيط المكاني البحري لأول مرة في مصر خلال الشهور القليلة القادمة.
وفي المغرب، هناك مشروعات لطاقة الرياح البحرية ضمن إستراتيجية الطاقات المتجددة في المغرب، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز الاستدامة البيئية، وتوليد طاقة نظيفة للمجتمعات الساحلية.
أما تونس، فأطلقت برنامجًا لتطوير مصايد الأسماك المستدامة، يتضمن تنظيم مناطق الصيد وتوفير معدات صديقة للبيئة، وكان له مردود جيد في زيادة الإنتاجية وتحسين دخل الصيادين المحليين، مع الحفاظ على المخزون السمكي والتنوع الحيوي البحري.
واستثمرت موريتانيا في مشروعات استزراع الطحالب البحرية لإنتاج الوقود الحيوي والمنتجات الصيدلانية، مما أتاح فرصًا جديدة للعمل، وأسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية.
وفي الجزائر، أُطلقت مبادرات لتنظيف السواحل وإعادة تدوير النفايات البحرية والبلاستيكية، ما أدى إلى تقليل التلوث البحري وتحسين جودة البيئة البحرية، وتوفير فرص عمل في قطاع إعادة التدوير.
بينما طورت ليبيا مشروعات لتحلية المياه باستخدام تقنيات صديقة للبيئة لتلبية احتياجات المجتمعات الساحلية من المياه العذبة، ما ساعد في تعزيز الأمن المائي في المناطق التي تعاني شح المياه.
هل ثمة خطط تنفيذ واضحة لمبادرات أو مشروعات حالية تخدم المنطقة في مجال الاقتصاد الأزرق؟
هناك العديد من المبادرات والمشروعات على المستويين المحلي والإقليمي، إذ تعمل مصر والمغرب وتونس في الوقت الراهن على تطوير إستراتيجيات وطنية للاقتصاد الأزرق بدعم من منظمات دولية مثل ’الاتحاد من أجل المتوسط‘، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وغيرها.
أيضًا هناك مشروع التخطيط المكاني البحري لضمان الاستخدام المستدام للموارد البحرية في مصر، والذي يتم تنفيذه حاليًّا في بعض مناطق البحر الأحمر بدعم من البنك الدولي، وتنفذه الهيئة القومية للاستشعار من البُعد وعلوم الفضاء.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا