كتب: طارق قابيل
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
في عالم البحث الأكاديمي، حيث تتوهج شعلة الابتكار وتتسارع وتيرة الاكتشافات، يبرز جيل من العقول النيرة يحمل على عاتقه مسؤولية دفع عجلة العلم إلى الأمام، هؤلاء هم باحثو ما بعد الدكتوراة الذين يمثلون العصب الحيوي للبحث العلمي الحديث، إنهم ليسوا مجرد مساعدين، بل عمالقة المستقبل، يمتلكون المهارات والخبرة اللازمة لتحويل الأفكار إلى واقع ملموس، وتحقيق إنجازات تشكل ملامح الغد.
ومع ذلك، وراء بريق المنشورات العلمية في مجلات مثل ’نيتشر‘ و’ساينس‘ وتوقيع عقود الأبحاث الضخمة، تتكشف صورة أقل إشراقًا، وهي صورة لجيل يعاني في صمت ضغوطًا هائلةً تؤثر على صحته النفسية.
في هذا الشأن، ثمة دراسة استقصائية حديثة نُشرت في دورية ’نيتشر‘، وأجرتها ’شبكة باحثي ما بعد الدكتوراة‘ التابعة لجمعية ماكس بلانك الألمانية.
الدراسة دقت ناقوس الخطر، إذ كشفت عن أرقام صادمة لا يمكن تجاهُلها، وهي لا تخص فقط باحثي جمعية ماكس بلانك، بل تعكس أزمة أوسع نطاقًا تواجه المجتمع الأكاديمي العالمي بأسره، إنها دعوة عاجلة لإعادة التفكير في ثقافة العمل الأكاديمي، وتوفير الدعم اللازم لمَن يبنون مستقبلنا العلمي.
بين الرضا والسخط
تُعد نتائج الاستطلاع بمنزلة صدمة حقيقية، فهي تكشف عن تناقض حاد بين الرضا الوظيفي العام والمشكلات الصحية النفسية المتزايدة، مثلًا يرى أربعة من كل خمسة باحثين أن تجربة ما بعد الدكتوراة جديرة بالثناء ويوصون بها لزملائهم، في المقابل أظهر 28% من باحثي ما بعد الدكتوراة علامات اكتئاب سريري معتدل إلى شديد، و25% يعانون علامات قلق معتدل إلى شديد.
هذه المعدلات أعلى بثلاث مرات من نظيراتها المسجلة لدى السكان الألمان في الفئة العمرية نفسها، هذا التفاوت الهائل يثير تساؤلات جدية حول البيئة الأكاديمية والضغوط التي تفرضها على الأفراد، والتي تحوّل بيئة الإبداع إلى بؤرة للإجهاد النفسي.
ومن المثير للاهتمام أن نتائج الاستطلاع كشفت عن تحول إيجابي في صحة الباحثين من الآباء، فبينما كانت استطلاعات سابقة -لا سيما في عام 2022- تشير إلى أن الآباء كانوا أكثر تعرضًا للاكتئاب والقلق بسبب ضغوط جائحة كوفيد-19، فإن نتائج عام 2024 أظهرت أنهم أقل تعرضًا لهذه المشكلات مقارنةً بغير الآباء، بل وأكثر رضا عن حياتهم بشكل عام، يُعزى هذا التحول إلى رفع قيود الجائحة التي خففت العبء الإضافي المتمثل في مسؤوليات رعاية الأطفال التي كانت تثقل كواهلهم.
قلق وإرهاق واكتئاب ولا دعم
أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فهناك دراسات تشير إلى وجود تحديات كبيرة في مجال الصحة النفسية بشكل عام، نظرًا لوصمة العار الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمرض النفسي، ونقص الوعي والدعم، مما يعوق الباحثين عن تحقيق التوازن الصحي بين العمل والحياة.
ومن المهم الإشارة إلى أن العقبات التي تواجه الباحثين في المنطقة تشمل العزلة الاجتماعية، وصعوبة الحصول على خدمات الدعم النفسي المتخصصة، إضافةً إلى القيود الاقتصادية والثقافية.
في مصر على سبيل المثال، فإن دراسات أُجريت حول الطلاب وأطياف من الباحثين أشارت إلى تعرُّضهم لضغوط نفسية وأكاديمية تؤدي إلى القلق والإرهاق، مع توصيات بضرورة توفير دعم نفسي موجه ووسائل مساندة، لكن هناك نقصًا في الدراسات الموسعة المخصصة لمرحلة ما بعد الدكتوراة تحديدًا.
من بين هذه الدراسات تلك التي ركّزت على طلبة التمريض في السعودية مع وجود مؤلف مصري شارك، وجاءت كاشفةً عن ارتباط واضح بين الضغط الأكاديمي والاضطرابات النفسية، وقد أظهرت أن أزمة الصحة النفسية بين الباحثين والمجتمع الأكاديمي هي ظاهرة موجودة ومتزايدة، وتتأثر بالعوامل الثقافية والاجتماعية، وأن العزلة الاجتماعية والوصمة المرتبطة بالمرض النفسي تؤثر على طلب المساعدة والدعم.
كما أن نقص الخدمات المتاحة والدعم الأكاديمي يزيد من التحديات، وفي مصر، توجد بعض الدراسات عن الضغوط النفسية الأكاديمية، لكنها أقل تركيزًا على فئة باحثي ما بعد الدكتوراة بشكل دقيق.
إذًا، لا تقتصر هذه الأزمة على جمعية ماكس بلانك وحدها، بل هي ظاهرة عالمية تشمل معظم المؤسسات الأكاديمية، ويمكن إرجاعها إلى مجموعة من العوامل المتشابكة التي تخلق بيئةً من الضغط المزمن.
حالة عدم اليقين الوظيفي
تعتبر مرحلة ما بعد الدكتوراة فترة انتقالية محفوفة بالمخاطر، الباحثون في هذه المرحلة يعملون بعقود مؤقتة، يترقبون الحصول على منصب دائم في الأوساط الأكاديمية، وهو أمر شديد الصعوبة، في ألمانيا -على سبيل المثال- يحدد قانون العقود محددة الأجل عدد سنوات العمل الأكاديمية بعقود مؤقتة، مما يزيد من الشعور بعدم الاستقرار، هذا الضغط المستمر يجعل الباحثين يشعرون بأنهم ’سلعة‘ مؤقتة، مما يؤدي إلى ’الإرهاق الأكاديمي‘، والذي يُعرّف بأنه إجهاد عاطفي ونفسي يؤثر على الأداء.
أعباء العمل والضغوط التنافسية:
يواجه الباحثون ضغوطًا هائلة لنشر الأبحاث في المجلات العلمية المرموقة ذات ’معامل التأثير‘ العالي، وتأمين التمويل، وتقديم الأوراق في المؤتمرات، هذه المطالب المكثفة تترك القليل من الوقت للحياة الشخصية، مما يؤدي إلى اختلال التوازن بين العمل والحياة، هذا اللهاث والتنافس الشرس، وارتفاع توقعات المشرفين، يمكن أن يخلق بيئة عمل سامة تؤثر سلبًا على الصحة النفسية، أشارت دراسة نُشرت في مجلة ’تشيكي ساينتست‘ إلى أن غياب التقدير والشعور بعدم القيمة من أبرز أسباب الاكتئاب بين الباحثين.
العزلة الاجتماعية والحواجز الثقافية
أظهرت دراسة ماكس بلانك أن 74% من باحثيها في مرحلة ما بعد الدكتوراة هم مهاجرون من دول مختلفة، وعلى الرغم من أن هذا يعكس قدرة الجمعية على جذب المواهب الدولية، إلا أنه يُبرز تحديًا كبيرًا في الاحتفاظ بهم، العديد من الباحثين الدوليين يواجهون صعوبات في الاندماج بسبب حاجز اللغة، ونقص شبكات الدعم الاجتماعي، والشعور بالغربة، هذا يمكن أن يؤدي إلى العزلة والوحدة، مما يزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب.
من الإرهاق الطلابي إلى الإرهاق الأكاديمي الممنهج
تشير العديد من الدراسات إلى أن مشكلات الصحة النفسية في الأوساط الأكاديمية ليست مجرد ”تعب عابر“، بل هي ظاهرة منهجية تبدأ في المراحل المبكرة من الحياة الأكاديمية وتتفاقم مع مرور الوقت، وفقًا لبيانات حديثة، فإن أكثر من 55% من طلاب الجامعات يعانون من ”الإرهاق الأكاديمي“ بدرجات متفاوتة، و20.5% منهم يعانون أعراضًا حادة، هذه الأرقام تتطابق على نحوٍ لافت مع ما يعيشه باحثو ما بعد الدكتوراة، مما يؤكد أن الضغط يبدأ مبكرًا ويستمر في التصاعد.
كما أن هذا الإرهاق يؤثر مباشرةً على الأداء الأكاديمي، إذ أشارت الدراسات إلى أن الطلاب الذين يعانون الإرهاق الشديد يحصلون على معدلات تراكمية أقل بنسبة 25% بزملائهم، و40% منهم يواجهون انخفاضًا ملحوظًا في درجاتهم.
توصيات للحد من الأزمة
في ظل هذه الأزمة المتنامية، هناك حاجة ماسَّة إلى تبنِّي حلول متعددة المستويات، تشمل الأفراد والمؤسسات وصناع السياسات:
- على مستوى المؤسسات الأكاديمية:
إنشاء بيئة عمل داعمة: يجب على الجامعات والمراكز البحثية أن تتبنى ثقافة عمل قائمة على الدعم والتعاون بدلًا من التنافس الشرس.
تدريب المشرفين: يجب أن يتم تدريب المشرفين على كيفية تقديم الدعم النفسي والمهني لطلابهم وباحثيهم.
توفير خدمات صحة نفسية متخصصة: يجب أن تكون هناك مراكز استشارية متاحة للباحثين، تقدم خدمات مجانية وسرية، مع التركيز على فهم طبيعة الضغوط الأكاديمية.
تسهيل الانتقال الوظيفي: يجب أن تقدم المؤسسات مسارات وظيفية بديلة للباحثين، سواء داخل الأكاديمية أو خارجها، لتقليل حالة عدم اليقين، كما ينبغي إعلام الباحثين بفرص العمل في القطاعات الصناعية والحكومية.
- على مستوى الأفراد:
الاعتناء بالصحة النفسية: يجب على الباحثين أن يعوا أهمية صحتهم النفسية، وأن يتبنوا عادات صحية مثل ممارسة الرياضة، والحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، وتخصيص وقت للأنشطة الترفيهية.
طلب المساعدة: يجب ألا يتردد الباحثون في طلب المساعدة من المختصين أو المستشارين النفسيين عند الحاجة، مع التخلص من وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي.
- على مستوى السياسات العامة:
إصلاح القوانين: يجب على الحكومات وصناع القرار إعادة النظر في قوانين العقود المؤقتة للباحثين، مثل قانون WissZeitVG في ألمانيا، لضمان استقرار وظيفي أفضل.
زيادة التمويل: يجب زيادة الاستثمار في البحث العلمي وتوفير المزيد من الوظائف الدائمة للباحثين الموهوبين، لمنع هجرة العقول.
الاستثمار في العقول.. مستقبل البشرية
توضح دراسة ’شبكة باحثي ما بعد الدكتوراة‘ أن ما يقرب من ثلثهم يعاني الاكتئاب والقلق، هذه الأرقام -التي تزيد بثلاثة أضعاف عن المعدلات لدى عموم السكان- تعود إلى عوامل متعددة، منها عدم اليقين الوظيفي، وضغوط النشر الأكاديمي، والعزلة الاجتماعية، وعلى الرغم من أن الباحثين في جمعية ماكس بلانك ما زالوا راضين عن عملهم، فإن هذه النتائج تسلط الضوء على تناقض خطير بين شغفهم العلمي والبيئة الضاغطة التي يعملون فيها.
ووفق الدراسات العلمية الموثقة، هناك ضرورة لرفع الوعي حول الصحة النفسية وتقليل وصمة العار في المجتمعات الأكاديمية بالشرق الأوسط، ويجب توفير بيئات عمل أكاديمية داعمة تقلل من الضغوط النفسية، وزيادة البحث والدراسات الميدانية في المنطقة، خصوصًا على فئة باحثي ما بعد الدكتوراة.
ومن المهم إنشاء ودعم خدمات صحية نفسية متخصصة وسرية للباحثين، وبهذا تظل أزمة الصحة النفسية بين الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة ظاهرة مهمة تستحق اهتمامًا خاصًّا في منطقة الشرق الأوسط ومصر من خلال تبنِّي حلول متعددة المستويات تدعمهم نفسيًّا واجتماعيًّا ومهنيًّا.
إن أزمة الصحة النفسية في الأوساط الأكاديمية ليست مجرد مشكلة فردية، بل هي قضية نظامية تتطلب تدخلًا جماعيًّا، تجاهلها لن يؤثر فقط على صحة الباحثين ورفاهيتهم، بل سيؤثر أيضًا على مستقبل البحث العلمي والابتكار، يجب أن نعمل جميعًا -باحثين، ومشرفين، ومؤسسات، وصناع سياسات- على خلق بيئة أكاديمية أكثر دعمًا وإنسانية، فالاستثمار في صحة العقول هو الاستثمار الأكثر أهميةً في مستقبل البشرية.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا