Skip to content

19/11/25

تفاقُم انتشار الكوليرا.. أزمة نستطيع حلها

resized_996x567
الموجات المتكررة للكوليرا تثقل كاهل أجنحة المستشفيات في الإقليم وتكشف هشاشة أنظمته الصحية. حقوق الصورة:ICRC

نقاط للقراءة السريعة

  • على البلدان أن تتحول من الاستجابة للأزمات إلى نُظُم وقائية قادرة على الصمود
  • لا تستطيع الاستجابات الوطنية المتفرقة احتواء مشكلة إقليمية في الأساس
  • القضاء على الكوليرا تحدٍّ سياسي بقدر ما هو تحدٍّ علمي

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

النزاعات والضغوط المناخية والبنية التحتية المتهالكة دفعت إقليم شرق المتوسط إلى بؤرة الخريطة العالمية للكوليرا، وتذكر حنان بلخي أنه في العلم والسياسات توجد بالفعل الأدوات اللازمة للقضاء على هذا المرض.

ينجم المرض عن بكتيريا ضمّة الكوليرا، وينتشر من خلال المياه الملوثة، ويزداد في الأماكن التي انهارت فيها شبكات الصرف الصحي، وما إن يدخل الجسم حتى يُصيب الضحايا بالجفاف في غضون ساعات، ولكن بالعلاج السريع، يمكن إنقاذ حياة جميع المصابين تقريبًا؛ فالمرض يمكن التنبؤ به والوقاية منه.

والعلم في هذا الصدد واضحٌ، والحلول متاحة، ورغم ذلك لا يزال المرض ينتشر في شتى أنحاء إقليم شرق المتوسط؛ لأن النُّظُم التي تمنعه –مثل شبكات المياه والمختبرات والخدمات الصحية– قد دمرتها سنوات من الصراع والإهمال.

ففي عام 2024، أُبلِغت منظمة الصحة العالمية بوقوع ما يزيد على 560 ألف حالة كوليرا أسفرت عن 6028 وفاة، أيْ حدثت زيادة بنسبة 5% في حالات العدوى، وبنسبة 50% في الوفيات مقارنةً بالعام السابق.

وارتفع عدد البلدان التي سجَّلت حالات إصابة إلى 60 بلدًا، بعد أن كان 45 في عام 2023، مع انتشار الفاشيات في شتى أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، التي مثَّلت مجتمعةً 98% من العبء العالمي، وهناك اثنا عشر بلدًا، منها الصومال والسودان واليمن، سجَّل كلٌّ منها أكثر من عشرة آلاف حالة، مما يدل على ترسُّخ هذا المرض بعمق في البيئات الهشة.

 قدرة الإقليم على الصمود

يُعدُّ السودان مثالًا على تضافر عوامل النزاع والضغوط المناخية وانهيار البنية التحتية لتأجيج انتشار المرض.

منذ مايو 2025، انتشرت الكوليرا في 40 منطقة بجميع ولايات دارفور الخمس، وأصابت أكثر من 18 ألف شخص، متسببةً في وفاة 575 شخصًا، وعلى الصعيد الوطني، فقد أُبلِغ عن أكثر من 123 ألف إصابة، و3494 وفاة، منذ منتصف عام 2024، وهي أطول فاشية مُسجَّلة في البلد، حتى الآن.

وبعد عامين من الحرب، أمست المستشفيات مُدمَّرةً، وتحولت شبكات المياه إلى أنقاض، فاضطر ملايين البشر إلى الاعتماد على مصادر غير آمنة للشرب والاغتسال، وزادت الفيضانات من تلوُّث مصادر المياه، وهو ما هيأ ظروفًا مثاليةً لنمو البكتيريا.

وفي سبتمبر 2025، أُطلِقت في دارفور حملة واسعة النطاق للتطعيم بلقاح الكوليرا الفموي، لحماية 1.6 مليون شخص في تسع مناطق محلية، وعلى الرغم من العوائق اللوجستية الهائلة، تُظهِر الجهود أن العمل الصحي يمكن أن ينجح حتى في ظل النزاعات، إذا تمكَّن الشركاء من التنسيق فيما بينهم بفاعلية.

 عودة تهديد قديم

عادت الكوليرا لتظهر مرةً أخرى في شتى أنحاء شرق المتوسط، وهذا الإقليم –الذي يعيش فيه أقل من 10% من سكان العالم– يحمل على عاتقه اﻵن 74% من العبء العالمي لحالات الكوليرا.

شهد اليمن وحده 89% من الحالات و96% من الوفيات في الشرق الأوسط وآسيا في عام 2024، وسجَّل السودان والصومال أيضًا زيادات حادة.

وتكشف هذه الأرقام عن انهيار شامل؛ إذ يُعد كل رقم إخفاقًا في البنية التحتية وفي الحصول على الخدمات، ورُبع الوفيات الناجمة عن الكوليرا تحدث الآن خارج المرافق الصحية، حيث يموت الناس قبل الحصول على الرعاية، ويؤدي تغيُّر المناخ إلى تفاقُم الأزمة، فالفيضانات والجفاف والتوسع الحضري السريع يُعطِّل شبكات المياه، بينما توفر المستوطنات العشوائية الكثيفة أرضًا خصبةً لتفشِّي الأمراض.

 الابتكار والإنصاف في إتاحة اللقاحات

إن أوجه التقدم العلمي تُوفر طريقًا للمضي قُدمًا؛ ففي أوائل عام 2024، أجرت المنظمة الاختبار المسبق لصلاحية لقاح فموي مبسط جديد للكوليرا، ألا وهو لقاح يوفيكول-إس، الذي دخل المخزون العالمي في أواخر ذلك العام، وقد ساعد ذلك على الحفاظ على مستويات مخزون لقاح الكوليرا الفموي فوق خمسة ملايين جرعة في النصف الأول من عام 2025، وهي خطوة حاسمة وسط النقص العالمي القائم.

ومع ذلك، فإن الطلب يفوق العرض، ففي عام 2025، طُلبت 65 مليون جرعة على مستوى العالم، ولكن لم يُعتمَد للاستعمال في حالات الطوارئ سوى 45 مليون جرعة فقط، ولا يزال العالم يعتمد على نظام الجرعة الواحدة، الذي يوفر حمايةً أقصر أمدًا، ولكن يسمح بتغطية أوسع نطاقًا.

وتحدث معظم حالات الكوليرا في البلدان المنخفضة الدخل أو البلدان المتضررة من الأزمات، في حين لا يزال إنتاج اللقاحات يتركز في أماكن أخرى، ولذلك، فإن زيادة القدرة التصنيعية الإقليمية –في البلدان التي لديها بالفعل بنية تحتية للمستحضرات الصيدلانية البيولوجية، مثل مصر وإيران والمغرب وتونس– يمكن أن تُعزز الاكتفاء الذاتي، وتحد من الاعتماد على المخزونات العالمية الشحيحة، وهذا الاستثمار من شأنه أيضًا أن يعزز التأهب لمواجهة أوبئة أخرى في المستقبل، وليس الكوليرا فحسب.

 من الاستجابة للطوارئ إلى نُظُم مستدامة

على مدى عقود، ظلت جهود مكافحة الكوليرا استجابيةً لا استباقية، فلا تُحشَد تلك الجهود إلا بعد اندلاع الفاشيات، وللخروج من هذه الدوامة، يجب على البلدان أن تتحول من الاستجابة للأزمات إلى نُظُم وقائية قادرة على الصمود، ويتطلب ذلك دمج أعمال مكافحة الكوليرا في البرامج الأوسع نطاقًا الخاصة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وتعزيز الترصُّد المختبري، وتدريب العاملين الصحيين على الاكتشاف المبكر والاستجابة السريعة.

وتهدف خريطة الطريق العالمية التي رسمتها منظمة الصحة العالمية للقضاء على الكوليرا بحلول عام 2030 إلى خفض الوفيات بنسبة 90% من خلال خطط وطنية متعددة القطاعات، ويتطلب ذلك -في حالة إقليم شرق المتوسط- ربط مكافحة الكوليرا بالتكيف مع المناخ، وبالتخطيط الحضري، وبإصلاحات الرعاية الصحية الأولية، وينبغي أن يُنظَر إلى إدارة النفايات والمياه النظيفة على أنها تدخلات صحية أساسية، لا على أنها إضافات إنمائية ثانوية.

ولا يزال الأطفال هم الفئة الأشد تعرضًا للخطر، ففي عام 2024، كان خُمس المصابين بالكوليرا على مستوى العالم أطفالًا دون سن الخامسة، ما يدل -إلى جانب شدة تعرُّضهم للخطر- على سوء التغذية سواء بسواء، ويمكن أن يؤدي تحسين التغذية والتوسع في التغطية باللقاحات إلى خفض جذري في وفيات الأطفال الناجمة عن الأمراض المنقولة بالمياه، خاصةً في الأماكن التي تشهد نزاعات، مثل اليمن والسودان.

لا غنى عن التعاون الإقليمي

مثل معظم مُسببات الأمراض، لا تعرف الكوليرا حدودًا جغرافية، ولا تستطيع الاستجابات الوطنية المتفرقة احتواء مشكلة إقليمية في الأساس.

ويمكن لبلدان شرق المتوسط أن تعزز المكافحة من خلال نُظُم الإنذار المبكر المشتركة، واللوجستيات العابرة للحدود، ومخزونات الطوارئ المُجمَّعة، كما يمكن تعديل المنصات التي استُخدمت بنجاح في مكافحة شلل الأطفال وكوفيد-19 لتتلاءم مع الكوليرا، بما يتيح رصدًا أسرع واستجابةً أكثر تنسيقًا.

وللجامعات والمعاهد البحثية المحلية دورٌ حاسمٌ أيضًا، ومن خلال توسيع شبكات المختبرات، ونشر اختبارات التشخيص السريعة، واستخدام الترصُّد الجينومي، يمكن توفير بيانات آنية لتعقُّب انتقال العدوى وتوجيه التدخُّلات، وقد أثبت هذا النهج فاعليته في عدة بلدان.

على سبيل المثال، في باكستان، كشف تحليل التسلسل الجيني الذي أجراه المعهد الوطني للصحة وشركاء أكاديميون عن انتقال الفيروس إلى خارج الحدود، وفي الصومال واليمن، أدت اختبارات التشخيص السريعة المدعومة من المنظمة إلى تحسين الاكتشاف المبكر في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

وأما على مستوى المجتمع المحلي، فتتوقف الوقاية على الثقة والسلوك؛ فالممارسات البسيطة، مثل التخزين الآمن للمياه، ونظافة اليدين، والتماس الرعاية مبكرًا، يمكن أن توقف انتقال العدوى حينما تكون مدعومةً بالتواصل التثقيفي الدقيق ذي القيادة المحلية، ففي الصومال، على سبيل المثال، أدت حملات التوعية التي يقودها المجتمع المحلي وإشراك الجماعات النسائية المحلية إلى تحسُّن كبير في ممارسات النظافة الصحية بالمنازل، وفي الإبلاغ دون تأخير عن الحالات المُشتبه فيها، وهو ما ساعد على الحد من انتقال الكوليرا في المناطق ذات المخاطر العالية.

 العلم والسياسات العامة وسياسة الوقاية

إن القضاء على الكوليرا تحدٍّ سياسي بقدر ما هو تحدٍّ علمي؛ فهذا المرض لا يزال موجودًا لأن الوقاية منه لم تحظَ بالأولوية، وليس لأنه لا علاج له، ورغم أن توفير المياه النظيفة أرخص من الاستجابة لحالات الطوارئ، فإن قطاع المياه والصرف الصحي لا يزال من أشد القطاعات التي تعاني نقصًا مزمنًا في التمويل في مجال المعونة الإنسانية.

ويُتيح التصدي للكوليرا في شرق المتوسط فرصةً لإثبات أن التعاون المُسنَد بالبيِّنات يمكن أن يحقق نتائج جيدة حتى في خضم الأزمة، والقضاء على هذا المرض من شأنه أن ينقذ الأرواح، وأن يُعيد الثقة بمؤسسات الصحة العامة، وأن يبرهن على إمكانية بناء القدرة على الصمود انطلاقًا من الجذور.

 

** حنان حسن بلخي: المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا