كتب: صالح الشاعر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي الإحاطة باللغة العربية والتعامل معها؟ وإلى أي مدى؟ وكيف يمكن توجيهه على نحو صحيح؟
يُقال إن اللغة العربية من أكثر لغات العالم تعقيدًا، وربما كان ذلك بسبب قواعدها المتعددة والمتداخلة على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي، بالإضافة إلى المجاز وانتقال الدلالة وتطورها، ولكن الأسباب على الأرجح لا تتعلق باللغة، بل بما يكتنفها من ظواهر مستحدثة في نطقها وكتابتها، وما يعتري تعليمها من أخطاء، إلى جانب اتساع رقعة مستخدميها واختلاف لهجاتهم، والعوامل الخارجية المؤثرة عليهم عند استعمالها.
ولو ضربنا مثالًا ببعض الكلمات، لوجدنا أن تغييرًا طفيفًا في عنصر من عناصر تكوين الكلمة ينقلها نقلةً واسعة، من اسم إلى فعل، أو من مفرد إلى جمع، أو من فعل مبني للمعلوم إلى فعل مبني للمجهول، كما لو كتبنا هذه الكلمة بأكثر من طريقة: (كَتَبَ، كُتِبَ، كُتُب.. إلخ)، ومن الطرائف التي تُحكى في هذا الأمر أن طالبًا ضعيف المستوى كان له أستاذٌ يدعمه، فوجدته إدارة المدرسة ناجحًا في اللغة العربية، ففحصوا ورقة إجابته، ليجدوا أنه حين طُلب منه مثال لجملة اسمية كتب: (جاء زيد)، فلاموا أستاذه، فرد على الفور: وما أدراك أنه لا يقصد: (جاءٍ زيدٌ)؟ وهكذا صار الفعل اسمًا للفاعل ولم يتغير رسم الكلمة، وصار الطالب عبقريًّا بتخريج أستاذه!
تطويع اللغة
على أساس مثل هذه التفريعات قامت حرية الشعراء في تطويع اللغة كما يشاؤون، إذ دائمًا هناك وجه للصواب يمكن أن يسلكه الشاعر (صانع اللغة) ولا يستدعي التخطئة والتضييق، وإيجاد هذا الوجه مهمة اللغويين (مؤولي اللغة)، ولهذا قال الفرزدق مخاطبًا لهم: ”علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا“، ومدحهم الإمام الشافعي بقوله: ”أهل العربية جن الإنس، يبصرون ما لا يبصر غيرهم“.
هذا التطويع بالإضافة إلى فكرة التخطئة والتصويب وانسياب العلاقة بين الصانع والمؤوِّل، يعطي مجالًا واسعًا لتوليد الأساليب والتوسُّع فيها، لتصبح عملية تطور اللغة مستمرةً ولا تفقد زخمها بمرور الزمن.
الذكاء الاصطناعي مؤوِّل عصري
ولطالما شغل أذهاننا منذ مطلع الألفية فكرة ’الأتمتة‘ في التدقيق اللغوي على سبيل المثال، رغم ما ثبت دائمًا من محدوديتها واقتصارها على توفير بعض الجهد للمدقق، فكان من المعتاد في عملنا أن نسجل وحدة ’ماكرو‘ في برنامج ’وورد‘، تحتوي على بعض المطلوبات الأساسية كالتحكم في المسافة بين الكلمات على سبيل المثال، أو بين الكلمات وعلامات الترقيم، وتصحيح الخلط بين الياء والألف المقصورة في كلمات بعينها، وإجراء بعض الاستبدال الأسلوبي لتفضيلات معينة.
على كلٍّ، يمكننا الآن أن نخاطب الذكاء الاصطناعي بما خوطب به اللغويون، فهو المؤوِّل في هذا العصر، إذ شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا كبيرًا في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها التعامل مع اللغة العربية بفاعلية، وفق عدة محاور يُذكر منها: النظام النحوي لتحليل الجملة العربية وتحديد العلاقات النحوية بين الكلمات، والنظام الصرفي للتحليل على مستوى الكلمة بتحديد جذرها اللغوي وإيجاد المشتقات المختلفة، والنظام الترجمي لنقل النصوص بين العربية واللغات الأخرى، والنظام التحليلي لتحديد المعاني والسياقات المختلفة.
محور واحد يجمع بين كل المجالات
الإحاطة بالمجالات التي دخلها الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مجلدات، لذا ربما يقتصر المقال هنا على أهم محاورها فيما أرى، وهو القدرة على إضافة علامات التشكيل إلى النصوص العربية على نحو صحيح، ولرؤيتي أسباب، منها:
- أنه لا يمكن وضع علامات التشكيل على نحوٍ دون إحاطة شاملة بأبواب النحو، للتفرقة الدقيقة بين المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع، والمتكلم والمخاطب، والمعرب بعلامات أصلية وغيره المعرب بعلامات فرعية، إلى غير ذلك.
- أنه لا يمكن وضع هذه العلامات بدقة دون الإحاطة بالمحتوى الصرفي العربي كاملًا، فرغم ما يبدو مثلًا من سهولة الأبواب الخاصة بالفعل الثلاثي المجرد (نصَرَ، وضرَبَ، وفتَحَ، وفرِحَ، وكرُمَ، ووثِقَ)، إلا أن فك التداخل بينها من أصعب الأمور، وهذا باب واحد من أبواب الصرف يستغرق من المحرر اللغوي البشري كثيرًا من الوقت في تحريره..
- أنه لا يمكن وضع هذه العلامات بدقة دون وجود محتوى عربي متاح ومنضبط إلى حدٍّ كبير، وخاصةً المحتوى المتعلق بالشعر، والمتصل باللهجات العربية، ومسائل التمرين والخلاف التي كانت جزءًا مهمًّا من رحلة وضع علم النحو على سبيل المثال، بحيث لا يقف المحتوى النادر أو الموروث حجرَ عثرة أمام إنجاز العمل بل يصبح دعمًا ثريًّا له، وتوسعةً على عملية التأويل بحيث تصبح دائرة الصواب أوضح للمؤوِّل فلا يجنح إلى التخطئة.
- أن هذا المحور يفيد جميع مستخدمي اللغة العربية دون تفرقة بين مستوياتهم من حيث العمر أو المستوى أو الوظيفة أو الغرض من استخدامها، بالإضافة إلى أنه لازمٌ للمتحدث والمستمع والكاتب والقارئ، فله صفة العموم والشمول.
- كما أن هذا المحور يمكن تنظيم مخرَجاته بسهولة، بحيث يخرج للجمهور مكتوبًا أو منطوقًا وفق الهدف المطلوب.
متطلبات أساسية
ولعل أحد المصنفين في القرن الرابع الهجري [أبو الفرج النهرواني ت390هـ] قد جمع هذه الأدوات حين تحدث عن نقد الشعر على وجه الخصوص، ولكن حديثه منطبق على تحليل اللغة بشكل عام، إذ قال: ”إن نقد الشعر على التحقيق عزيزٌ جدًّا، وإن الناقد الذي يعتمد في النقد عليه، ويرجع في صحته إليه، لا يكون كاملًا حتى يكون مفرقًا على الصحة بين المطبوع على المنظوم المؤلف، وبين النظم المتكلف، والطريق المتعسف، ويكون ناقدًا في فقه اللغة غير مقصر على تأدية مسموعها، وحفظ منصوصها ومسطورها، ومضطلعًا بلطيف الإعراب وقياس النحو، حافظًا للأمثال المضروبة، مهتديًا بأعلام العقل المنصوبة، حاصرًا لمجاري العرف والعادة، آخذًا من كل علم وأدب بحظ، وضاربًا في صناعات الفكر بسهم… إلخ“.
جهود مبشرة
يُعَدُّ نظام ’سكون Sukoun‘ الذي طوره باحثون في جامعة الشارقة حلًّا مبتكرًا لتزويد النصوص المحوسبة بعلامات التشكيل المناسبة لها آليًّا، لسهولة نطق الكلمات وإدراك معانيها، من خلال موقع ويب، ويقول القائمون على هذا النظام إن معدل الخطأ في التشكيل بواسطة هذا النظام يبلغ 1.14%، ومعدل الخطأ في الكلمات يبلغ 3.34%، بما يعتبر انخفاضًا في معدلات الخطأ بنسبة تزيد على 30% بالمقارنة بأفضل الأنظمة التي سبقته.
يضاف هذا النظام إلى جهود سبقته في الجامعة نفسها، في مجالات متصلة، كتطوير نظام تعليمي عميق للاستفادة من اللغة العربية في التطبيقات المتعلقة بمعالجة اللغة الطبيعية، الذي يجمع بين اللغويات وعلوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، لتكون نتيجته تحديد اللغة العربية الفصحى بدقة من خلال التعرف على الكلام وتحليل المشاعر والترجمة الآلية، وأيضًا ما توصلوا إليه من تطوير أداة للتعلم الآلي يمكن من خلالها تحديد اللهجات العربية بدقة في 22 دولة ناطقة بالعربية.
مع ملاحظة أن هذه الجهود لم تبعد عن أهداف المحاولات السابقة، مثل موقع ’صححلي‘، وموقع ’مشكال النصوص العربية‘، و’علي سوفت‘، وغيرها، فالهدف النهائي لها جميعًا تشكيل النصوص وتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وتحسين الصياغة، مع التقدم في الدقة والخفض في معدلات الخطأ، فماذا بعد؟
آمال وتوقعات
رغم كل الجهود المبذولة والإنجازات المتحققة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتقدم ببطء شديد إذا ما قورنت إنجازاته بما يتوهمه بعض الباحثين من إمكانية إغنائه عن العنصر البشري في التعامل مع اللغة العربية وتحليلها، فهو في أقصى نجاحاته لا يعدو كونه مساعدًا يحتاج إلى تنبُّه لا يقل عن التنبُّه للمعلومة الطبية حين تؤخذ من غير الطبيب.
ومع ذلك، وإذا غلَّبنا نظرة التفاؤل الإيجابية، فالذكاء الاصطناعي يثير أطماعنا لرؤية وسائل مستحدثة تتجاوز إمكانياتها ما هو متاح حاليًّا، لتؤدي وظائف عمليةً أكثر، فماذا لو وجدنا أداةً تقوم بدور الرقيب الفوري على الصحة اللغوية لما هو منطوق، فيكون ذلك دعمًا لمتعلمي اللغة العربية، وللإعلاميين ومقدمي البرامج المختلفة، من أجل تحسين الأداء المنطوق وتحسين النص المكتوب.
كما أن تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي سيساعد في تقييم جودة المحتوى، والتفرقة بين الأساليب، والمفاضلة بينها لاختيار الأفضل، وتوجيه واضعي المناهج التعليمية لتخصيصها بدقة وفق الجمهور المستهدف، وكذلك ستجعل للمحتوى العربي حضورًا أكبر فتحقق انتشار اللغة العربية وتجعلها أكثر قابليةً للاستخدام.
كما يجب أن يستهدف مطورو هذه الأدوات تيسير القواعد للمتعلمين، بحيث يمكن تقديم ألعاب تجعل قواعد اللغة العربية رحلةً عقليةً ترفيهيةً لا تعقيد فيها.
لا أستبعد أيضًا أن يكون للذكاء الاصطناعي دورٌ في إثارة الفضول العالمي نحو استكشاف ثقافة البلاد العربية وتوجيهه على نحوٍ صحيح، ليكون ذلك دعمًا للتعاون الثقافي والتجاري والسياحي، بما يكون خطوةً على طريق نهضة عربية ثقافية وتكنولوجية تضاف إلى المجد التليد لهذه اللغة الخالدة.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا