كتب: حازم بدر
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
[القاهرة] شيد باحثون مصريون مبنىً تجريبيًّا من غرفة صغيرة، بالاعتماد على مخلفات بيئية ومن مواد معاد تدويرها.
تشييد المبنى ونموذج الطريق المقابل له، هو المرحلة الأخيرة من مشروع بحثي يسعى إلى تقديم حلول منخفضة التكلفة للتحديات الناجمة عن تغيُّر المناخ.
وتضافرت جهود أعضاء من قسم الهندسة الإنشائية والمعمارية بالجامعة الأمريكية في القاهرة للوقوف على بدائل إنشائية أفضل لتحقيق الهدف، كما يبين صفوان خضر، الأستاذ بالقسم.
يقول خضر لشبكة SciDev.Net: ”تسهم صناعة البناء والتشييد بنسبة 33% من انبعاثات الكربون و40% من استهلاك الطاقة، ولذلك تسعى الفرق البحثية حول العالم إلى إيجاد بدائل بناء أكثر مراعاةً للبيئة، ويُعد هذا المشروع إسهامًا منَّا في هذا التوجه العالمي“.
وبينما تقف أغلب الحلول البحثية عند حدود المختبر، فإن المبنى التجريبي المشيد داخل الجامعة يمثل دليلًا عمليًّا على أن هذه الحلول قابلة للتطبيق، خاصةً عندما تقترن بمواصفات أفضل من المواد التقليدية، وبتكلفة منخفضة.
المشروع البحثي ممول من مؤسسة مصر الخير (مؤسسة أهلية مصرية غير هادفة للربح)، بقيمة 700 ألف جنيه مصري ( حوالي 15 ألف دولار).
مساحة الغرفة 12 مترًا مربعًا، استُخدم في بنائها مخلفات الخرسانة وكسر الجرانيت ونشارة الخشب وأكياس البلاستيك والمطاط، دخلت كلها في إعداد القواعد (السملات)، ثم البلوكات الخرسانية الخاصة بهيكل المبنى، والألواح الهيكلية المعزولة المشكِّلة لسقفه، وكذلك في رصف الطريق المقابلة له، وفق خضر.
استُخدمت مخلفات الخرسانة مع مادة لاحمة من الأسمنت في بناء السملات، كما يوضح محمد نجيب أبو زيد، الأستاذ بالقسم.
يضيف أبو زيد: ”أظهرت الاختبارات التي قارنت بين السملات المصنعة من مخلفات الخرسانة والسملات التقليدية نتائج متطابقة تقريبًا فيما يتعلق بمقاومة الضغط“.
أما ’كسر الجرانيت‘ فيعتبر بديلًا أفضل من الزلط الصغير الذي يدخل في تصنيع البلوكات الخرسانية المشكِّلة لهيكل المبنى.
وأدخلت نشارة الخشب وأكياس البلاستيك بعد فرمها في تصنيع الألواح الهيكلية المعزولة، التي تُستخدم سقفًا للمبنى، وهو الجزء من المشروع الذي أشرف عليه محمد درويش، أستاذ الهندسة الإنشائية المساعد بالجامعة.
يقول درويش لشبكة SciDev.Net: تصنيع تلك الألواح يتم عن طريق خلطة تتكون من 60% من نشارة الخشب و40% من مخلفات أكياس البلاستيك، بالإضافة إلى رغوة عازلة من البوليسترين المبثوق، ويتم تجميع الألواح معًا باستخدام مادتين لاصقتين، وهما بولي فينيل أسيتات وسيليكات الصوديوم.
الألواح أخف وزنًا من الجدار الأسمنتي التقليدي وأفضل في قياسات الأداء الحراري، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في استهلاك الطاقة، وفق درويش.
يقول درويش: ”تقديراتنا المبدئية بالتطبيق على المبنى التجريبي تشير إلى أن التكلفة ستنخفض إلى 25%، مقارنةً بمبنى بالحجم نفسه تم بناؤه بالمواد التقليدية، ومع ذلك فإن هذا الرقم مرشح للزيادة، إذ إن خفة وزن الألواح الهيكلية المعزولة، المستخدمة لسقف المبنى، قد تؤدي عند الانتقال لمستوى أكبر إلى تقليل سُمك البلوكات الخرسانية، وبالتالي خفض المزيد من التكلفة“.
وحتى تكتمل منظومة الفوائد البئية والاقتصادية لاستخدام المخلفات موادَّ للبناء، يختبر المشروع أيضًا استخدام مخلفات المطاط والبلاستيك في تحسين مواصفات مادة رصف الطرق، القار ’البيتومين‘، وهو الجزء من المشروع الذي تشرف عليه مرام سعودي، أستاذ الهندسة الإنشائية المساعد بالجامعة.
وتُعد التدخلات التي أُجريت على مادة الرصف باستخدام المخلفات خطوةً مهمةً لمعالجة بعض عيوب المادة المستخدمة في رصف الطرق بمصر.
تشير مرام إلى أنه تم إدخال مخلفات أكياس البلاستيك والمطاط بنسبة 6% (3% لكلٍّ منهما) إلى البيتومين، وقد أدى ذلك إلى فوائد عديدة وظيفية وبيئية.
وتضيف: ”المطاط يُعد من المواد الأقل إعادةَ تدوير بجميع أنحاء العالم، ودمجه في مادة رصف الطرق سيكون مفيدًا كثيرًا في تقليل البصمة الكربونية الإجمالية“.
ومن الناحية الوظيفية، يُستخدم عاملَ تقوية لخليط الأسفلت، إذ إن له دورًا في السلامة الهيكلية الشاملة، مما يؤدي إلى تعزيز مقاومة التشقق والتشوه، وهذه الخاصية حاسمة، خاصةً في المناطق التي تشهد تقلباتٍ حادةً في درجات الحرارة والأحمال المرورية الكثيفة، وفق مرام.
أما مخلفات أكياس البلاستيك، أو ما يُعرف بالبولي إيثيلين، فتوضح مرام أنها ”تحمل بصمة كربونية كبيرة، وتخفض إعادة استخدامه من تلك البصمة، كما يؤدي وظيفةً مهمةً في زيادة المتانة وطول عمر الطريق الإسفلتية، كما أنه يسهِّل الالتصاق المحسَّن بين المادة الرابطة (البيتومين) والركام، مما يؤدي إلى تعزيز قوة التماسك داخل خليط الأسفلت“.
يُبدي خالد حمودة -مدرس هندسة الإنشاءات بكلية الهندسة بجامعة طنطا المصرية- استحسانًا لفكرة إدخال المخلفات المحلية في مواد البناء، باعتباره توجهًا عالميًّا، ومع ذلك، يُشير حمودة إلى التحديات التي قد تواجه تطبيق المشروع على نطاق واسع بعد نجاحه في المرحلة التجريبية.
من بين أبرز التحديات مدى وفرة المخلفات التي تم الاعتماد عليها لصناعة ضخمة مثل ’صناعة البناء‘، وتقبُّل شركات البناء لتلك الأفكار لتقوم بالإنتاج على نطاق كبير، وكذلك استجابة الشركات التي توفر ’البيتومين‘ الخاص برصف الطرق، وأخيرًا مدى توافُق المبنى مع كود البناء المصري.
هذه التحديات التي أشار إليها حمودة، لم يغفلها الفريق البحثي، كما يؤكد أبو زيد.
يقول أبو زيد: ”مخلفات البولي إيثيلين والمطاط متوافرة بملايين الأطنان، ومخلفات كسر الجرانيت تقدر برقم يتراوح بين 80 إلى 100 ألف طن في السنة، بينما تصل مخلفات الخرسانة إلى 300 ألف طن تقريبًا، وهذه الكميات كافية لتقوم عليها الصناعة“.
ويضيف أن مشروعهم يهدف في المقام الأول إلى تقديم نموذج قابل للتطبيق، لذلك فإن ”كل الاختبارات على المواد المستخدمة تراعي مواصفات كود البناء المصري، بل تتجاوزها في الأفضلية مع بعض المواد، كما هو مذكور في كود البناء“.
ولا يشعر أبو زيد بصعوبة في إقناع الشركات، مشيرًا إلى أن المواد الجديدة لن تدفعهم إلى إحداث تغييرات كبيرة في خطوط الإنتاج، وبالتالي إذا كان أمامهم مواد أرخص وتحقق مواصفات أفضل، فلن يترددوا في استخدامها.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا