Skip to content

21/06/25

هجين خشب تربة.. نظام بناء أخضر ابتُدع ويجرب بمصر

18_996x567
نموذج حضانة مستدامة باستخدام هيكل خشبي وتربة معالجة كبديل للخرسانة والطوب التقليدي. حقوق الصورة:Mohamed Adham/ SciDev.Net

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

[القاهرة، SciDev.Net] في صحراء سيوة غرب مصر، بقرية أغورمي، شيدت حضانة للطفولة المبكرة من أجل تجربة بناء أخضر بنظام إنشائي يجمع بين هيكل خشبي، بديلًا للخرسانة المسلحة، وجدران من تربة معالجة، عوضًا عن الطوب.

هذا النظام الهجين، الذي بنيت به الحضانة لصالح وزارة التضامن الاجتماعي، اعتُمد مؤخرًا من قِبل المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء بمصر، بعد إجراء الاختبارات اللازمة، ومراجعة نتائج الأبحاث والتصميمات التي أُجريت عليه.

شارك في تطوير النظام شركة مقاولات، بالتعاون مع فريقين بحثيين، الأول من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تولى أمر الاختبارات الخاصة بالأخشاب، والثاني من جامعة حلوان والذي أولى خصائص التربة المعالجة اهتمامه.

بداية تنفيذ الهيكل الخشبي باستخدام خشب الكازوارينا المحلي، بديلًا عن الخرسانة المسلحة في مبنى الحضانة

”منذ أكثر من عشر سنوات، بدأ العالم يدرك الأضرار البيئية الهائلة المرتبطة باستخدام الخرسانة المسلحة، سواء من حيث بصمتها الكربونية العالية أو استهلاكها الكبير للطاقة“، وفق محمد درويش، الأستاذ المساعد في قسم هندسة التشييد بالجامعة الأمريكية في القاهرة، والباحث الرئيس في المشروع.

يقول درويش لشبكة SciDev.Net: ”فكرنا في العودة إلى البناء بالخامات الطبيعية بعد تطويرها علميًّا لتناسب احتياجات العصر، فاتجهنا إلى ما يُعرف بالهيكل الهجين“.

الهيكل يُجهز لاستقبال التربة المعالجة، ضمن نظام هجين يستبدل الطوب بجدران تصب بسمك 15 سم

يستبدل بالهيكل الخرساني هيكل خشبي، ثم تُشكَّل الجدران وتُصب بالتربة المعالجة بسُمك 15 سنتيمترًا، بدلًا من الطوب بمختلف أنواعه.

وفي طبقات البياض الداخلي والخارجي يُستخدم خليط خاص من التربة المعالجة، بدلًا من الملاط الأسمنتي التقليدي، مع إمكانية تنفيذ أي نوع من التشطيبات النهائية وفقًا لطبيعة المبنى واستخدامه.

”استخدمنا للهيكل خشب الكازوارينا المحلي، وقد أثبتت التجارب أن له قوة وصلابة، تعزز من كفاءة المشروع واستدامته“، وفق محمد أدهم، الرئيس التنفيذي لشركة عربية، مقاول البناء.

اعتماد المشروع على خشب أشجار الكازوارينا، وهي نوع سريع النمو، يروى بمياه الصرف المعالجة، جعله موفرًا للمياه.

فريق العمل يضع طبقات التربة المعالجة داخل الجدران، في تجربة بناء بخامات طبيعية محسنة

ذلك الخشب يتمتع بمقاومات ضغط وشد وانحناء عالية تجعله منافسًا للأخشاب القوية والصلبة مثل الزان والأرو، وهي خصائص مكّنت من استخدام مقاطع خشبية صغيرة نسبيًّا (100×50 مم)، ما خفض كميات المواد المستخدمة دون المساس بالصلابة الإنشائية.

ونظرًا لعدم وجود كود مصري معتمد لهذا النوع من البناء، حصل الفريق على تصريح باستخدام الكود الكندي بعد إجراء عدة تجارب على نماذج نصف الحجم للمبنى في المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء.

يقول درويش: ”النتائج كانت باهرة، فقد أثبت الهيكل الهجين متانته واستقراره، فلم تكن التربة مجرد مادة مالئة، بل ساعدت في مقاومة الأحمال الجانبية وتحمُّل الضغوط“.

المبنى يتشكل تدريجيًّا، باستخدام عناصر إنشائية ثبتت متانتها بعد اختبارات في مركز بحوث الإسكان والبناء

ويشير أدهم إلى أن ”هذا النوع من البناء قادر على امتصاص الطاقة الناتجة عن الأحمال الجانبية، فيُحدث (شروخًا وتشققات) بلا انهيار مفاجئ، ما يمنح السكان وقتًا لمغادرة المبنى، بخلاف الخرسانة“.

شجّعت هذه النتائج إدارة المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء على تشكيل لجنة لوضع كود مصري للبناء باستخدام المواد الخشبية، ما يمهد الطريق لتوسيع التجربة في مشروعات التنمية المستدامة بمصر، لا سيما وقد أثبتت دراسات الجدوى أن مبنى حضانة سيوة ليس جيدًا فقط من الناحية الإنشائية، بل كشفت أيضًا عن مزايا اقتصادية وبيئية مهمة.

القباب تستكمل ضمن الهيكل الهجين، في تصميم يستلهم هوية المكان ويراعي مبادئ الاستدامة

خفض نظام البناء الجديد الانبعاثات الكربونية بنسبة 80% مقارنةً بالبناء الخرساني، كما خفض التكاليف بنسبة 30% على المدى القصير، وقلل مدة التنفيذ إلى ثلاثة أشهر فقط بدلًا من ستة أشهر في حالة البناء الخرساني.

جدران المبنى وفرت عزلًا حراريًّا طيبًا مقارنةً بالحوائط المشيدة بالطوب.

وإلى جانب هذه المزايا، فإن أسلوب البناء بسيط، ولا يحتاج إلى تدريب لوقت طويل، مما دفع وزارة التضامن لمناقشة توقيع بروتوكول يتيح تدريب عمالة مسجلة لديها، بهدف الاستعانة بهم في مشروعات البناء القادمة.

تشطيبات داخلية بألوان هادئة، تُظهر إمكانية تنفيذ تشطيبات متنوعة حسب طبيعة الاستخدام

يقول درويش: ”النظام قابل للتطبيق حتى أربعة طوابق بحد أقصى لضمان الجدوى الاقتصادية، وكلما زاد عدد الطوابق زادت الحاجة إلى تعزيز المبنى بمزيد من الأخشاب“.

من جانبه، يصف علي عبد المؤمن -خبير الإنشاءات بإحدى الشركات الخاصة في مصر- نظام البناء الهجين بأنه ”تجربة واعدة“.

ومع ذلك، يرى عبد المؤمن أن هذا النظام لا يزال في مراحله ’التجريبية‘، مشيرًا إلى الحاجة إلى تقييم الأداء على المدى الطويل، إذ اقتصرت الاختبارات على نماذج نصف الحجم وتجربة واحدة فقط في سيوة.

يقول عبد المؤمن لشبكة SciDev.Net: ”لا تتوافر حتى الآن بيانات طويلة الأجل حول مدى مقاومة هذه المباني لعوامل الزمن والطقس، أو عن كفاءة العزل الحراري خلال فصول الصيف والشتاء، أو تكاليف الصيانة بعد مرور عدة سنوات“.

واجهة المبنى بعد إتمام طبقات البياض

ويضيف: ”من الملحوظات المرتبطة باستخدام التربة أنها مادة قابلة لامتصاص الرطوبة، ما قد يُضعف الجدران الطينية بمرور الوقت، خاصةً في المناطق ذات الرطوبة العالية أو خلال مواسم الأمطار، كما أن الخشب والتربة مواد عضوية، وبالتالي فهي عرضة لهجمات الحشرات مثل النمل الأبيض، وكذلك للعفن“.

ويشير عبد المؤمن أيضًا إلى أن معظم مساحة مصر صحراء، ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة التربة الرملية للبناء باستخدام هذا النظام.

وبالإشارة إلى أن المعالجات الكيميائية اللازمة لجعل التربة صالحةً للبناء ومقاوِمةً للحشرات والرطوبة قد تكون مكلفةً وتعتمد على مواد غير متوافرة محليًّا، يتساءل عبد المؤمن: ”هل تضمنت دراسة الجدوى هذه التكاليف ضمن حساباتها؟“.

يرد درويش موضحًا: ”النظام يتيح استخدام أنواع مختلفة من التربة، سواء الطينية أو الرملية، بما في ذلك الطفلة المنتشرة في صحارى مصر، ويتم تعديل الخلطات وفق طبيعة التربة المتاحة محليًّا، وقد جرى اختبار الخلطات المستخدمة من قِبل الباحثين في جامعة حلوان.“

المبنى في صورته النهائية

أما فيما يتعلق بالأخشاب، فيؤكد درويش: ”من المسلَّمات في مجال البناء بالأخشاب معالجتها لمقاومة الآفات والحشرات، باستخدام مواد منخفضة التكلفة ومتوافرة محليًّا، وقد أثبتت التجارب فاعليتها“.

ويختم درويش بتأكيد أن ”الهدف من النظام الهجين هو تقديم بديل مستدام وفعال اقتصاديًّا، قادر على مواجهة تحديات تغير المناخ ودعم المجتمعات المحلية من خلال توفير فرص عمل وتدريب، مع إمكانية التوسع في تطبيقه على مشروعات مختلفة مستقبلًا“.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا