كتب: محمد أحمد
أرسل إلى صديق
المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.
في محافظة القليوبية بمصر، يتجول المزارع صابر محمد على ضفاف الترع بحثًا عن أعواد البوص التي تنمو دون رعاية من أحد، ليجد ضالته بين الحشائش وينتقي منها الأفضل، في حين لا يفهم زملاؤه من المزارعين أسباب اهتمامه بتلك الأعواد المهمَلة.
مهمة هذا المزارع الدؤوب وغيره من المزارعين تنتهي بإرسال أعواد البوص إلى شركه Earthly الناشئة، التي تحولها إلى شفاطات خشبية صديقة للبيئة، في محاولة لتقليل استخدام البلاستيك.
في مصنع الشركة يحاول مديرها علي الزغبي إيجاد أفضل الطرق الممكنة لتحويل أعواد البوص المهملة على قنوات الترع إلى شفاطات صديقه للبيئة، ”قد تُنهي مستقبلًا الاعتماد على الشفاطات البلاستيكية“.
الفكرة راودت الزغبي وزميلته تالا إمام في عام 2020، وظلت محل دراسة ونقاش لمدة 5 أشهر حتى استقرا على أفضل طريقة لإنتاج تلك الشفاطات، وبدأ الإنتاج الفعلي في أكتوبر 2020، ومعه أيضًا بدأت تالا محاولات دؤوبة مع أصحاب المطاعم والمقاهي لإقناعهم بجدوى استخدام شفاطات البوص بدلًا من نظيرتها البلاستيكية.
المهمة لم تكن سهلة، كما يقول مؤسسا الشركة، ”فأنت لا تقنع عملاءك فقط بشراء منتجٍ ما، لكن أيضًا تحاول تغيير طريقة تفكيرهم وتعامُلهم مع البيئة“.
يقول الزغبي: ”بطبيعة الحال كان مسارًا صعبًا؛ لأن تكلفة منتجنا أعلى، ونحتاج إلى وقت أطول كي نقنع العملاء، فهم أيضًا يحاولون تحقيق الأرباح“.
ويوضح الزغبي أن قرار الدخول إلى عالم المنتجات الصديقة للبيئة جاء بعد نظرة متأنية إلى السوق المحلي، أظهرت وجود طلب من عدة مؤسسات على المنتجات الصديقة للبيئة، لكن عدم توافُر منتج ملائم وعملي كان يعرقل تلك الخطوة، والبديل الوحيد الذي كان متاحًا حينها هو الشفاطات الورقية، لكنه لم يقنع المطاعم التي كانت تلجأ في نهاية الأمر إلى الشفاطات البلاستيكية لإرضاء زبائنها.
”مؤسسات كثيرة حاولت اتخاذ تلك الخطوة لكنها لم تجد بديلًا، ما حفزنا لدخول السوق المصرية“، وفق الزغبي.
البوص المصري كان كلمة السر، فهو متوافر بكثافة على ضفاف مئات الترع المتفرعة من نهر النيل، ولا أحد يرغب في حصده أو يهتم به، كما أنه أقل تكلفةً من البامبو، يوضح الزغبي: ”البامبو غير متوافر في مصر، وإذا قررنا الاعتماد عليه، كنا سنضطر إلى استيراده بأسعار مرتفعة“.
وحول مراحل التصنيع يوضح الزغبي أنها تبدأ بتقطيع أعواد البوص، ثم ثقبها إلى 6 مقاسات مختلفة وفق حاجة العملاء، بعدها تنتقل الأعواد إلى أفران عالية الحرارة لتطهيرها، ثم صنفرتها لإزالة أي شوائب، وأخيرًا مراجعة الجودة ثم غسلها وتطهيرها قبل تغليفها، ثم تأتي مرحلة توزيعها على المطاعم.
الوصول إلى مطاعم وشركات تهتم بأمر البيئة في مجتمع الأعمال لم يكن أمرًا سهلًا، لكن تالا نجحت في إقناع عملاء الشركة بأمرين: الأول أن بيئتنا تستحق الاستغناء عن البلاستيك أحادي الاستخدام، والثاني أن لديها منتجًا سيُرضي زبائنهم بتكلفة اقتصادية ولو نسبيًّا.
ففي أحد المطاعم بحي المعادي في مصر تتحدث صاحبته دارين العقاد عن محاولتها المتكررة لمراعاة المعايير البيئية، حتى إنها لجأت خلال إحدى الفترات إلى استخدام الشفاطات الورقية، تقول دراين: ”لم نستخدم الشفاطات البلاستيكية مطلقًا، وتلك المصنوعة من الكرتون لم تكن عمليةً على الإطلاق، كما أنها تأتي مستوردة من الصين، ما يعني أن بصمتها الكربونية عالية جدًّا“.
وتضيف دارين: ”التحول إلى شفاطات البوص لم يحتج منها إلى الكثير من التفكير“.
توضح دارين أن ردود فعل زبائن مطعهما على الشفاطات الخشبية كانت جيدة، ”الناس تحبها جدًّا.. بعضهم يعرفها، والكثير منهم يأخذها ليستخدمها مجددًا“.
يشير الزغبي إلى أنه يمكن استخدام الشفاطات لمدة تصل إلى 3 أشهر إذا تم تنظيفها بشكل صحيح بعد كل استخدام، من خلال فرشاة خاصة بتنظيفها.
وكون الشفاطات تأتي مغلفة، زاد من مميزاتها، خاصةً خلال جائحة كورونا، كما أن الشركة تسترجع الشفاطات المستخدمة لإعادة تدويرها بتحويلها إلى كمبوست (سماد عضوي) ليُستخدم في الزراعة، وفق تالا.
من جانبها، تُثني نورا فتحي عبد السلام -نائب رئيس مركز الحد من المخاطر والدراسات والبحوث البيئية بجامعة القاهرة- على إنتاج شفاطات خشبية من البوص، وتصفه بأنه ”البديل العملي غير الضار للبيئة“، موضحةً أن البوص مادة عضوية غير مصنعة ومنتشرة في البيئة الطبيعية بالعديد من الدول العربية.
وتشرح نورا أن البوص يُسهم في تثبيت تربة البحيرات، كما أنه يمتص العديد من العناصر المعدنية الملوثة الناتجة عن الصرف الصناعي، مما يعمل على تنقية مياه البحيرات، لذا توصي ”باستخدام البوص غير المغمور في المياه لإنتاج الشفاطات الخشبية“.
وتؤكد نورا أن البوص منتج آمن ولا ضرر من استخدامه، وتشير إلى أن الحصاد المستدام للبوص واستخدامه في صناعات مختلفة يضمن الحفاظ عليه وعلى غيره من الموارد المتجددة.
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا