إعادة نشر المقال:

نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.

The full article is available here as HTML.

Press Ctrl-C to copy

احتفت وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية بكشف أحفورة ديناصور المنصورة، وانصب الاهتمام على أهمية الكشف ودلالته من الناحية العلمية، وأَوْلى الجميع عنايةً بالتفاصيل والدقائق الفنية.
 
طفا الحدث على السطح، رغم تخمة المنطقة بالحرائق السياسية، والأزمات الاقتصادية، والملمات الاجتماعية، فضلًا عن شواغل أخرى، ما لا يدع مجالًا للالتفات إلى شيء آخر.
 
بطبيعة الحال ساعد على هذا الطفو قيمة الكشف وفرادته وسبقه، لكن الرافعة الكبرى تمثلت في كون أغلب حبات عقد فريق المتخصصين الذي اكتشف الزاحف البائد من بنات حواء، سارة وسناء وإيمان، وحتى مي المتخرجة حديثًا، ألحقها شغفها بهن.
 
جامع العقد وناظمه، وعرَّاب الكشف الدكتور هشام سلّام، الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا في جامعة المنصورة.
 
التقينا به وبهن، وتركناهن يحكين كما يشأن، وحكى هو أيضًا، وفيما يلي طرفٌ من الحكايات التي لديه، ولدى البنات، مضفورةً مع بعض المعلومات التي تكمل الحكاية الكبرى، مطعَّمةً بمُلَح وطُرَف من هنا وهناك.
 
الاختيار
 
من تلك اللحظة بدأت الحكاية، حكاية فتيات اخترن دراسة الجيولوجيا التي ينفر منها أو يتحاشاها الكثير، خاصةً بنات حواء، اللاتي لا يلتحق منهن بدراستها في مصر إلا أقل القليل، وحتى الشباب الذكور ينفرون منها؛ لما فيها من مشقة وكد، وانسداد أفق العمل بعد التخرج، بل ويبتعدون عن تخصص الحفريات والمستحاثات تحديدًا.
 
لكن هاتيك الزهرات اخترن دراسة المستحاثات، وتخصصها الأكثر ندرةً بجامعات مصر، الحفريات الفقارية.
 
تقول سارة: رحلتي مع حفريات الفقاريات بدأت حين عُينت معيدةً في قسم الجيولوجيا بجامعة أسيوط في عام 2012. وقتها أضيف تخصص الحفريات الفقارية، الذي لم يكن موجودًا من قبل.
 
رُشحت حينها للانضمام إلى التخصص في الحفريات الفقارية، ”وقبلت الترشيح، وصار اختياري“.
 
”كنت محظوظة؛ إذ ما من جامعة من جامعات الصعيد كان فيها هذا التخصص.. أنا الصعيدية الأولى التي تتخصص في الحفريات الفقارية“.
 
وإيمان حكت أن التحاقها لدراسة الجيولوجيا بالجامعة نبع من دراستها لهذا التخصص في المرحلة الثانوية، والذي شغفها حبًّا، وأرادت التعمق فيه، رغم قبولها بقسم الكيمياء في بداية الأمر.
 
أما سناء فكانت دراستها للحفريات الفقارية وهي طالبة قدرًا مقدورًا، لكن خروجها إلى الصحراء تبحث عن الديناصور كان اختيارًا.
 
سناء: بدأت حكايتي حين كنت طالبة في ثالث سنة بالكلية، وكان يدرس لنا الحفريات الفقارية دكتور هشام سلّام لأول مرة بجامعة المنصورة، ولأول مرة في أي جامعة مصرية.
 
وتقول: ”أسرتي تدعمني جدًّا في كل اختياراتي، لكن عندما اخترت مجال الحفريات الفقارية، لم يقتنعوا في البداية؛ فهو أمر غير مألوف، وبدا لهم صعبًا للغاية“.
 
ثم تردف سناء: ”لكن سلموا ثم اقتنعوا شيئًا فشيئًا، ومع النجاح وتكراره زاد اقتناعهم باختياري“.
 
أما الزهرة الرابعة وهي مي الأمير، فكان وجودها ومشاركتها بصفتها متدربة.
 
الشغف دفعها للمشاركة، وخوض غمار التجربة، ومجابهة تحدياتها، وإن رأى البعض أن الراحة والاستجمام أولى بفتاة يانعة، وأن تهتم لما تهتم له الفتيات في سنها.
 
مي: ”قبل بدء رحلة اكتشاف ’منصوراصورس‘ كانت دراستي تفرض عليّ المشاركة في رحلات إلى محمية وادي الحيتان، كانت قصيرة لمدة ثلاثة أيام أو أربعة، وتدربت على طبيعة الصحراء“.
 
لكن لا بد للمكث في الصحراء أسابيع، من عزمة أخرى، وأن يكون الذهاب اختيارها.
 
وقبل لحظة الاكتشاف، كانت وكن رفقة أستاذهن لبضعة أيام إذ يحاضر في جامعة الوادي الجديد، قريبًا من الواحات الداخلة، حيث تثوي عظام الديناصور المكتشَف، ولم يكن في خطتهم أن يزوروه، لكنهن وهو اختاروا إلقاء نظرة، لعل وعسى، وثمة تتمة لهذه الحكاية، تأتي لاحقًا.
 
Mansoura 3
 
العراب
 
عام 2010، عاد سلّام حاملًا درجة الدكتوراة في الحفريات الفقارية من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وعاد محملًا بآمال وطموحات.
 
فمن ناحية، كانت البعثات الأجنبية تنزل مصر لتستخرج من مكنون كنوزها الطبيعية ما تشاء، وتغادر البلاد به، ولا يكون من حظ مصر سوى أن يُذكر اسمها عرضًا مرةً في الورق العلمي المنشور.
 
وهذا الوضع كان يسوء سلّام، وقد عزم على تغييره، بإنشاء فريق مصري عربي خالص.
 
ومن ناحية أخرى، شغف سلّام تأسيسُ أول مركز للحفريات الفقارية في مصر والشرق الأوسط، ولا بد لقطع هذه الطريق من طلبة ورفقة وعون، كان يدعو الطلبة للمشاركة، ويحثهم على التطوع.
 
يقول سلّام: ”يندر هذا التخصص بالجامعات المصرية، وما من طلاب يهتمون له“، بيد أنه مضى عازمًا على تحقيق ما يرنو إليه.
 
هنا نقطة مهمة، لقد اعتاد طلاب الجيولوجيا الخروج في رحلات شاقة إلى الصحراء، فهذا القفر القاسي هو محل دراستهم، ويمر الأمر بسلام، فلا يعدو زيارةً أو اثنتين خلال العام، والكثير من المحاضرات.
 
أما مجال البحث فهو يختلف، فالخروج إلى الصحراء يتكرر طوال العام، وقد تمتد الرحلة الواحدة في بعض الأحيان إلى أكثر من 20 يومًا متصلة. فمَن يمكنه تحمل مشاق الرحلات؟
 
الأمر على الأرجح يحتاج إلى طلاب ذكور، ولا فرصة للطالبات مع كل المجهود المطلوب والاعتبارات الاجتماعية التي قد تمنع أي فتاة مصرية من الخروج في رحلات طويلة إلى عمق الصحراء.
 
يقول سلّام: كنت أريد بنين معي.
 
 ويوضح: ”وُلدت ونشأت في مجتمع، أدرك أن ثقافته لا تتفهم خروج البنت إلى الصحراء“.
 
ويزيد: ”والعمل في مجال الحفريات يحتاج من الفريق المشاركة في نقل كتل صخرية كبيرة وتكسيرها“.
 
تقول سناء : وقتها، كانت لديه قناعة بأن حماسنا سيستمر يومين ثم ينتهي الأمر، ”ولكن، ولله الحمد، أثبتنا أننا على قدر المسؤولية، ونستطيع استكمال الطريق معه“.
 
بعد خوض التجربة، تحولت قناعات سلّام تمامًا، وهو يقول الآن: ”مدى حب العمل ومقدار الشغف به هو المحرك للنجاح، لا الجنس“.
 
حكت إيمان: نضطر إلى السير مسافات طويلة، وفي إحدى الرحلات سرنا 15 كيلومترًا على الأقدام.
 
 
العقد
 
الآن، يمكن القول بأن إيمان تتخصص في حفريات الديناصورات، وسناء تخصصها حفريات الأسماك، وصارت حفريات التماسيح تخصص سارة، ومي تخصصت في حفريات الحيتان. فقاريات كلها كما ترون.
 
لكن هذا يحتاج إلى تفصيل قليل، خاصةً مع الباحثات الثلاث، المذكورة أسماؤهن في الورقة البحثية المنشورة عن الكشف بدورية نيتشر .
 
إيمان عبد العزيز الداوودي، مدرس مساعد بكلية العلوم جامعة المنصورة، وأول متخصصة في أحافير الديناصورات بالشرق الأوسط.
 
سناء السيد: مدرس مساعد بكلية العلوم جامعة المنصورة، ونائب مدير مركز المنصورة للحفريات الفقارية.
 
سارة صابر: مدرس مساعد بكلية العلوم جامعة أسيوط، صاحبة أول عينين وقعتا على عظام أحفورة الديناصور، أو المكتشفة الأولى لها.
 
يقول سلّام: رحلة ’منصوراصورس‘ بدأت بفريق من البنات. كن ساعتها طالبات ماجستير عندي في القسم. هن اللائي طرقن الباب. قناعاتي وقتها أنهن لن يقدرن على أداء المهمة. هكذا تصورت حينها.
 
وواقع الأمر، أن الزهرات اشتركن في البحث والتنقيب والكشف طواعيةً، أو قل تطوعن بالمشاركة والانضمام لتكوين الفريق.
 
الأهل
 
الأهالي لم يكونوا عقبةً قبل بدء الرحلة فقط، بل سبقت معارضتهم في اختيار التخصص نفسه، فما ظنكم بمسألة الرحلات إلى الصحراء، والتخييم لمُدد؟
 
وقبل بدء الرحلة، كان على سلّام وفريقه الذي يتضمن ثلاث باحثات ومتدربة، قطع طريق بدا للوهلة الأولى أكثر وعورةً من الصحراء، وهو إقناع المجتمع المحيط بهن بهذه الخطوة.
 
 كيف يمكن إقناع عائلات الباحثات بمشاركتهن في رحلات الاستكشاف الشاقة في الصحراء؟
 
يؤكد سلّام أنه خاض ”معركة مع الأهل“، حتى نجح في بناء جسور للثقة، وتكلل مجهوده بموافقتهم و”دعمهم التام وغير المشروط“ للباحثات خلال رحلة استكشاف ’منصوراصورس‘.
 
إيمان تقول: قابل الدكتور هشام والدي شخصيًّا.
 
ويستطرد سلّام: ”تحفُّظ الأهل مشروع؛ فنحن نعيش في مجتمع شرقي لا يعطي البنات الحرية الكاملة للتنقل، بالإضافة إلى تخوُّف الأهل من تعرُّض بناتهم لأي شيء قد يؤذيهن“.
 
أمر جد صعب من الناحية الاجتماعية في دلتا مصر (بحري)، وكان أكثر صعوبةً في الوجه القبلي، حيث يتشدد المجتمع أو يتزمت في كل ما يخص الجنس الناعم.
 
توضح سارة أن إقناع الأهل مثَّل أبرز التحديات، فكان إقناع أسرتها بالانضمام إلى الفريق، والتخييم معهم في الصحراء لثلاثة أسابيع تحديًا ”وعرًا“.
 
سارة: ”سألوني كيف تخيمون في الصحراء دون حماية أو أمن؟! ناهيك بمتطلبات الحياة اليومية“.
 
وتحكي سناء كيف كان عليها إقناع أسرتها بشغفها بعلم الحفريات الفقارية، وكم كان مضنيًا طلب السماح لها بالمشاركة في هذا العمل البحثي العظيم.
 
الكشف 
 
حكايته حكتها سناء، وملخصها أن سلّام دعته جامعة الوادي الجديد –في الواحات- لإلقاء محاضرة عن الديناصورات لطلاب الفرقة الأولى بكلية العلوم. لبى الدعوة والزهرات معه.
 
ليلًا بعدما أُلقيت المحاضرة، وقبل الإياب عُقد اجتماع، وقال لهم سلّام: ”بعد 14 ساعة سفر ونحن قرب صخور عمرها نفس عمر الديناصورات، لا يصح أن نغادر المكان دون إلقاء نظرة“.
 
وافقن على الفور. كلهن.
 
توضح إيمان: في الواحات الداخلة والخارجة والبحرية طبقات رسوبية تعود إلى العصر الطباشيري، وهي مظنة وجود الديناصورات؛ فلهما العمر الجيولوجي نفسه.
 
جرى تشاوُر وتداوُل ومناقشة، وإذ هم يتفحصون خرائط المنطقة على تطبيق ’جوجل إيرث‘، فوجئوا بطريق ممهد إلى الصخور التي يفترض أنها حاملة لعظام الديناصور.
 
زاد هذا في رغبتهن في الذهاب إلى الموقع، وشد من عزمهن، وكان عاملًا مشجعًا للمضي إليه.
 
واتخذ القرار.
 
في الصباح الباكر أقلتهم السيارة إلى المكان، فتلك الأرض وما جاورها مكاشف للمدة الزمنية المراد البحث فيها عن الديناصورات على خريطة مصر الجيولوجية.
 
لما وصلوا، وجههن سلّام قائلًا: نحن في الموقع، هيا انطلقن وانتشرن وابحثن، فتفرقن، كلٌّ إلى اتجاه غير الأخرى.
 
إيمان: نمشي ننظر في الأرض بالعين، إلى أن تستوقفنا علامة، أو عظمة، أو حتى جزء من عظمة.
 
تقول سناء: لاحظت أن سارة وقفت وراحت تفحص مكانها ومكثت فيه مليًّا، ثم ما لبثت أن نادت إيمان، وبعدها نادتني إيمان.
 
كان المكان مليئًا بالعظام. عظام ديناصور، ولكننا خشينا أن نكون على خطأ.
 
”لكنها عظام ديناصور، نادينا الدكتور سلّام، وعندما وصل، تسمَّر في مكانه“.
 
يحكي سلّام: أخذت نفسًا عميقًا، وغمرتني الفرحة واستبدت، وودت لو قفزت في الهواء، أو صرخت.
 
”هذا الذي أبحث عنه منذ عام 2008“.
 
الكتب تشير إلى أن المنطقة فيها حفريات ديناصورات، لكن لم يسبق توثيقها. وهذه المدة الزمنية - تلك التي تسبق انقراض الديناصورات- في عمود الزمن الجيولوجي مظلمة فيما يتعلق بالمنطقة.
 
نشر الكشف نورًا في مدة عمرها يتراوح بين 70 مليونًا إلى 80 مليون سنة مضت، ما من سطر مكتوب في سجلات زمنها الجيولوجي.
 
”نحن نكتب سطرًا الآن في التاريخ الطبيعي.. نحن أول مَن يعثر على حفرية عظام ديناصور بالمنطقة، من العرب، من الأفارقة، من المصريين“. هكذا بشر سلّام رفيقات الكشف.
 
لم يتسنَّ العثور على أحافير في صخورها، لا في مصر ولا في أفريقيا، ولا في الشرق الأوسط.
 
سناء: كان بالجوار محجر، وفجأةً ونحن وقوف على موقع الديناصور، جاءنا ’لودر‘ أرسله العمال، ظنًّا منهم ”أننا ننقب عن خبيئة آثار أو ذهب أو ما شابه“.
 
وجههن سلّام أن ينتشرن حتى لا يلفتن الانتباه إلى أن بالمكان شيئًا غير عادي، وابتعدن، وابتعد هو أيضًا، وكلهم خوف أن تحطم عجلات اللودر العظام، وكانوا ينظرون وراءهم من طرف خفي، فَرَقًا أن يقع المحذور.
 
ومرت الرافعة الثقيلة بجوار الموقع، وكادت بالفعل أن تهشم إطاراتها الكنز.
 
تقول سناء: مر على حافة الموقع بالضبط، وطاف حوله، ثم مضى بعد ”استعراض للقوة“ دون كلام، ورجع إلى حال سبيله.
 
القرار
 
ثم التأم الفريق مرةً أخرى بعد تفرُّق. سألهن هشام: ”ماذا نحن فاعلون؟“.
 
لاحظوا.. كان الجواب واحدًا: ”نظل لنخرجه“، هكذا بعزم على الفور دون تفكير.
 
عاود السؤال: ”أمعكن أموال؟“.. الجواب: ”لا.. نرسل لجلبها“.
 
وسأل مرة أخرى: ”أمعكن أدوات؟“.. الجواب: ”لا.. نرسل لجلبها“.
 
وكرر السؤال: ”كيف نفعل؟“، والجواب هو هو: ”نظل لنخرجه“.
 
يقول سلّام: كنت قد أخذت القرار، فهذه طريدتي منذ زمن، ولكني أردت أن أسمعه منهن، وأن يشاركنني اتخاذه، وأن يتحملن المسؤولية.
 
وحكى أنه صدمهن بعد أن سمع ما ود أن يسمع، وجاءه الجواب الذي كان يريد وينتظر.
 
يقول سلّام: ”قلت لهن: هيا بنا لنعود“.
 
كان هذا في ديسمبر بنهاية عام 2013.
 
يقول سلّام: رمقت شيئًا على وجههن يشبه الإحباط، أو قل خيبة الأمل.
 
وهن راجعات مبتعدات عن المكان كن يجررن أقدامهن متثاقلات، كما حكى سلّام: التفت سناء خلفها إلى المكان وأشارت إليه بكفها مضمومةً، أن ”سلامًا“، ولعلها كانت تتمتم: ”أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه“.
 
توضح إيمان: دعمتنا الجامعة بتمويل تقدم سلّام بطلبه، مشفوعًا بدلائل على وجود الأحافير المرجوة.
 
عُدن، مع العراب في فبراير 2014 لاستخراج الكنز، وقد كان. لكن إماطة اللثام عن الكشف استغرقت أكثر من أربع سنين.
 
استخلصوا من أرض الموقع أحفورة كاملة تقريبًا، تتمثل في عظام متحجرة لعظاءة عاشبة عملاقة من فصيلة تيتانوصورس، طويلة الرقبة، وزنها على حياتها يقدر بخمسة أطنان ونصف الطن، وطولها من الأنف إلى طرف الذيل يناهز عشرة أمتار.
 
وصلت العظام المكتشفة بسلامٍ إلى جامعة المنصورة، وعلى الفور ذهب بها الفريق إلى مستشفاها، لعمل أشعة مقطعية، تعطي صورًا ثلاثية الأبعاد، ليتسنى مقارنتها بعظام كل الأقران والأشباه.
 
يحكي سلّام طرفة: كانت العظام محمولة على ”تروللي“ نقل المرضى، وعندما هم أحد العمال بنقلها إلى جهاز الأشعة، توقف فجأة، ورجع خطوةً للخلف، وسأل: ما هذا؟
 
فأجيب: هذا ديناصور.
 
سأل ثانيةً: أمريضٌ هو؟
 
فأجابه سلّام: لا، إنه ميت منذ 70 مليون سنة.
 
 
الأمن
 
إصرار الباحثات على إقناع أسرهن بالمشاركة في تلك الرحلة، لا يعني أنها كانت آمنة تمامًا، أو أنها بلا تحديات صعبة وكثيرة.
 
يقول سلّام: ”كانت مسؤولية كبيرة أن أخرج للعمل في الصحراء، ومعي فريق من البنات. فثمة مواقف في الصحراء غير متوقعة، لكننا تعاملنا معها بثبات وحرفية كبيرة“.
 
يروي سلّام أصعب تلك المواقف عندما فوجئ وفريقه بستة أشخاص يقتربون من موقع العمل، هم -في الغالب- من أرباب التنقيب المحظور عن الخبيئات الأثرية، ”أخبرونا أنهم كانوا يراقبوننا طوال أسبوع، وظنوا أننا نبحث عن آثار؛ لأننا كنا نستخدم فرشات لإزالة الأتربة من على الحفريات“.
 
وبطبيعة الحال حاول سلّام شرح طبيعة عمل الفريق، وأبرز لهم التصاريح الخاصة بعملهم البحثي في الصحراء، حتى لا يتعرضوا للفريق بأي أذى أو سوء.
 
 موقف آخر يرويه سلّام: ”في أحد الأيام وجدنا -لدى العودة من الفندق- كل ما استخرجناه مهشمًا، لقد ظنوا أن أسفل تلك الحفريات آثارًا فرعونية أو ذهبًا يمكن سرقته“.
 
البيداء
 
لا تنتهي التحديات والصعوبات عند هذا الحد، فهناك ما هو أصعب، التكيُّف مع البيئة الصحراوية.
 
حولهم فوق رمال الصحراء الغربية، تسعى الثعابين والأفاعي، وتحتها تتربص الحيات المقرنة ’الطريشة‘ البشعة المنظر، المخيفة، شديدة السُّمِّيَّة، وعقارب لا تهدأ، ويشدها أي مخيم أو نور أو حياة.
 
مي: كنا نبيت نحن الأربعة في خيمة واحدة، نحاول تأمينها قبل النوم بالتأكد من خلوها من أي دخيل، وصباحًا ننظر في الأحذية قبل وضع أقدامنا فيها، مخافةَ أن يكون شيءٌ قد دلف إليها.
 
مجرد إجراءات أمنية بسيطة.
 
تروي سناء: ”في أحد الأيام هبت عاصفة رملية قوية، اقتلعت الخيام من أماكنها، واضطررنا إلى إيقاف العمل ومحاولة الحفاظ على الحفريات بتغطيتها“.
 
أيضًا الحر الشديد جدًّا، الذي كان يضطر الفريق إلى إيقاف العمل من الظهر إلى العصر.
 
وبحزم، حدد سلّام مجموعة قواعد العمل والبقاء في الصحراء. ”الماء أهم ما تحتاجه للبقاء، لذا فهو للشرب والطبخ فقط. وغير مسموح باستخدامه لأي غرض آخر“.
 
وتستطرد سناء: ”كنا نغسل الصحون بالرمال، ونتيمم للصلاة“.
 
تشير الباحثة الشابة إلى أنها وزميلاتها تعلَّمن تلك القواعد الصارمة من سلّام بفضل خبرته الممتدة في العمل بالصحراء.
 
”لم نجد مَن نسأله عن الملابس المناسبة لعملنا في الصحراء مع ارتدائنا للحجاب، وكيف يمكن لفتيات قضاء الحاجة. لقد اكتشفنا ذلك بأنفسنا“.
 
مي: وجود المحجر إلى جوارنا أتاح لنا الذهاب إليه لقضاء الحاجة، مرةً صباحًا، وأخرى مساء.
 
غني عن البيان أن شبكات الاتصال لا تغطي المكان، ومن ثم لا يمكن لأيٍّ من هاتيك الفتيات الاتصال بالأهل لطمأنتهم.
 
تقول مي: كنا نضطر إلى الابتعاد كثيرًا في محاولة للاقتراب من تغطية أقرب شبكة، أو للصعود فوق قمم عالية حتى يتسنى لنا الاتصال.
 
إيمان: كنا ننسى مع العمل هذه المخاوف والتعب.
 
”وعلى قدر الصعوبات كانت المتعة بهذا العمل الفريد“، وفق سناء .
 
Mansoura 2
 
النجاح
 
أداء الباحثات في أثناء الرحلة وصفه سلّام قائلًا: ”كنَّ أكثر من رائعات“.
 
”سعيد بتحوُّل رأيي في البنات، حقًّا البنت قادرة على عمل أي شيء“.
 
ويضيف: ”كُنَّ منظَّمات جدًّا، ومنضبطات بدرجة عالية، وحريصات على كل حفرية استخرجناها، تعاملتُ معهن منذ اليوم الأول باعتبارهن شريكات في المسؤولية، حتى صرت ألقي عليهن معظم المسؤوليات اليوم“.
 
جاءت المكافأة من الله في شكل أن الكشف لم يكن مجرد العثور على الديناصور، وهذا وحده كان مبهرًا، بل كانت الحفريات لنوع جديد من الديناصورات لا يشبه أنداده في أي مكان، وهذا الذي تأكد بعد مقارنة عظامه بعظامهم.
 
فكه السفلي، وُجد عليه عشر أسنان، خلافًا لسائر الديناصورات التي تحمل تسعًا فقط.
 
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل ليقيم الدليل على أن البحر فرق بين ديناصورات أوروبا وأفريقيا، وأن سبيلًا بريةً ما كانت تربط القارتين في ذلك الزمن السحيق، وفق توضيح سلّام.
 
وليس من الوارد أن يكون الانتقال عن الجو أو البحر.
 
كلهن يشددن ويكررن ومعهن العرَّاب: الديناصورات لا تطير ولا تعوم.. دعكم مما تشاهدون في الأفلام.
 
تأسف إيمان: في البداية لم نجد مَن يقدر هذا الكنز قدره.
 
أما الآن، يقول سلّام: لقد جعل اكتشاف ’منصوراصورس‘ لنا تصنيفًا عالميًّا، وصار معلومًا أن مصر فيها باحثون يعملون بمعايير جودة عالية.
 
المدد
 
الإمكانات، كانت من أبرز المعوقات التي واجهت رحلة اكتشاف ’منصوراصورس‘.
 
سلّام: ”كانت محدودةً جدًّا، أو شبه معدومة“.
 
ويقول: ”اشتغلنا وصبرنا، ودفعنا كثيرًا من أموالنا الخاصة، كان يحركنا الحفاظ على الإرث الطبيعي لمصر، الذي اعتاد الأجانب جمعه ومغادرة البلاد به“.
 
”في بداية الأمر ساعدني صديق لي بسيارته الخاصة العادية -غير ذات دفع رباعي- وكثيرًا ما غاصت عجلاتها في الرمال الطريق. لو أن هذا جنون، فالشغف غطاه“.
 
ما من وسيلة إعلامية إلا وأبرزت كيف أن الفتيات اليانعات الأربع كن يدفعن العربة المغروزة إطاراتها في الرمال، لإقالتها عثرتها.
 
وأشهر الصور طرًّا لهؤلاء المحاربين، كانت للأستاذ الجامعي الأكاديمي حامل الدكتوراة هشام سلام، وهو يحمل أنبوبة بوتاجاز فوق كتفه، ينقلها حتى يتسنى لهم الطبخ أو إعداد مشروب.
 
وصور مخيمهم تنطق: كم كانت الخيام بائسةً شديدة التواضع صغيرة، وعند عقد أي مقارنة له وصور لمخيمات الأجانب أيًّا كانت جنسياتهم، والإمكانات والتجهيزات، سوف يدرك المقارن الفرق الشاسع، ولعله يحكم ببطلان المقارنة أصلًا.
 
ويبتسم سلّام قائلا: ”لم نستسلم للواقع، واستخدمنا اللاشيء لنحقق ما وصلنا إليه“.
 
إيمان: نحتاج دعمًا لنشر هذا العلم.
 
 
المستقبل
 
سناء: ما وصلنا إليه اليوم كان مخططًا له منذ خمس سنوات، ولدينا خطة أخرى لعشر سنوات قادمة، نستهدف الوصول إلى المزيد من الاكتشافات، واجتذاب طلبة أكثر، وتحقيق مكانة أرفع للمركز.
 
ورغم ما حققه المركز، يرى سلّام أنها خطوة لبلوغ نقطة البداية، ”كنا تحت الصفر، ونحن الآن في المستوى صفر، وأمامنا الكثير لنفعله في المستقبل“.
 
سلّام: ”الحلم كبير، وعجلة عملنا تدور، والمجهود سيكون مضاعفًا، وسنحقق المزيد خلال السنوات المقبلة“.
 
في عام 2004، كانت أقصى طموحاته -على حد تعبيره- أن يخرج رحلة لاستكشاف الحفريات مع الأجانب.
 
اليوم في 2019 يُدعى لإلقاء محاضرة الافتتاح في أحد أبرز المؤتمرات العلمية المتعلقة بالحفريات الفقارية في بروكسل.
 
’ناشونال جيوغرافيك‘ دعت سناء لإلقاء محاضرة.
 
ما بدأه المركز، أخذ يثمر في جامعات أخرى، فاليوم تنقل سارة هذا التخصص إلى جامعات الصعيد، فكما هي الأولى، ما زالت الوحيدة.
 
تقول سارة: ”سوف نستكمل البحث العلمي في هذا المجال“.
 
وتنوه: ”سنعلن قريبًا عن اكتشافات جديدة“.
 
تنصح سارة الفتيات بالتصميم على تحقيق هدفهن، مهما تراءت لك الأمور صعبة، ومهما بدا المشوار شاقًّا، أو كنت بلا إمكانات.
 
وتقول للباحثات: ”سيري في طريقكِ، الصحراء ليست مكانًا صعبًا كما يظن الكثير، بعد مدة ستلحظين الجمال الكامن فيها، وسوف تنسين أي صعاب بمجرد تحقيق أول النجاحات“.
 
تعبت الزهرات، ولكنهن نلن من التكريم والتقدير الشيء الكثير الذي محا التعب، وأورث فخارًا، وأكسب سمعةً طيبة. وهاهن يتنقلن بين الجامعات والمحافل الأكاديمية والعلمية، يُشار إليهن، ويُستمَع لهن بإنصات في وسائل الإعلام، وتُفرَد لهن الصفحات.. والكل يخطب وُدَّهن.




هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع  SciDev.Netبإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.