Skip to content

نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

القائمة إغلاق

06/09/21

تردد الطواقم الطبية في أخذ اللقاح يهدد احتواء الجائحة

6869336880_8e763b786a_k
حقوق الصورة:Alex Proimos. CC license: (CC BY-NC 2.0).

نقاط للقراءة السريعة

  • تردد في أخذ اللقاحات المضادة للفيروس كوفيد-19 وامتناع منتشران بين الممارسين الصحيين بالمنطقة
  • فجوة ثقة بين الطواقم الطبية وصناع القرار، ما قد يحفز مخاوفهم من اللقاحات
  • دول تتحول من التخيير والإقناع إلى الإلزام وعقوبة الممتنع

أرسل إلى صديق

المعلومات التي تقدمها على هذه الصفحة لن تُستخدم لإرسال بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ولن تُباع لطرف ثالث. طالع سياسة الخصوصية.

التردد في أخذ اللقاحات هو أحد أبرز عشرة تحديات صحية تواجه العالم، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر عام 2019، وتُعرِّف المنظمة مفهوم ’التردد في أخذ اللقاحات‘ بأنه التأخر في قبول أخذ اللقاحات الآمنة أو رفض أخذها برغم توافر خدمات التمنيع بها.

تؤثر عدة عوامل معقدة في سلوك التردد هذا، ويصنفه فريق الخبراء ضمن 3 محددات رئيسية، وهي المخاطر المتصوَّرة للأمراض التي يقي منها اللقاح، والمواءمة التي تشمل توافر اللقاح وتكلفته وجودة خدمات التطعيم، وأخيرًا الثقة باللقاح وفاعليته والأنظمة الصحية التي تقدمه ودوافع صناع القرار للموافقة عليه.

وفي ظل جائحة عالمية مستمرة منذ أكثر من عام ونصف أصابت قرابة 220 مليون نسمة وحصدت ما يربو على 4 ملايين ونصف منهم حتى اليوم، يزداد الأمر تعقيدًا، لا سيما مع تردد الممارسين الصحيين في أخذ اللقاح المضاد للفيروس المسبب للجائحة.

تشير دراسات إلى أن الممارسين الصحيين أكثر من غيرهم تعرضًا للإصابة ونقل العدوى.

بيد أنّ التردد في أخذ لقاحات كوفيد-19 بين الممارسين الصحيين هو ظاهرة عالمية، والدراسات التي تبين اتساع الأزمة في المنطقة العربية تتوالى.

يقول زاهر نزال -أستاذ مشارك في طب المجتمع بكلية الطب وعلوم الصحة بجامعة النجاح الوطنية، نابلس في فلسطين- لشبكة SciDev.Net: ”يواجه الممارسون الصحيون ضغوطًا جمة من جرَّاء الجائحة، وبفهم طبيعة تلك الضغوط يمكننا تقديم الدعم الذي يعينهم على أداء دورهم المحوري في مواجهة الجائحة“.

كان ’الممارسون الصحيون‘ هم محور أبحاث نزال خلال أزمة كوفيد-19، وكانت إحدى الدراسات التي شارك فيها قد أظهرت حجم الإجهاد النفسي الذي يواجهه الممارسون الصحيون في فلسطين، وأظهرت أخرى ترددًا واسعًا بينهم فيما يتعلق بتلقي لقاحات كوفيد-19.

نسبة قبول اللقاح بين قرابة 1200 ممارس صحي فلسطيني في الدراسة التي شارك فيها نزال كانت 38%، بينما لم تتعدَّ نسبة قبول اللقاح في دراسة أُجريت في مصر 21%، ونصف الممارسين الصحيين السعوديين الذي استُطلعت نواياهم في الإقبال على اللقاح ضمن استبانة ضمت قرابة 700 مشارك كانوا مترددين في أخذ اللقاح، وفي سوريا، التي يعاني نظامها الصحي آثار الحرب، بلغت نسبة القبول 40% فقط من قرابة 500 ممارس صحي استُطِلعت آراؤهم في استبانة نُشرت نتائجها خلال شهر يوليو الماضي.

يوضح نزال: ”يعتمد الباحثون على نماذج سلوكية لتصميم الاستبانات الخاصة بقبول اللقاحات، فهدف تلك الدراسات لا يقتصر على تبيان الأرقام، بل محاولة فهم السلوك ودوافعه، بما يسهل من التعامل معه“.

يُعد نموذج المعتقدات الصحية-HBM الأكثر شيوعًا لفهم السلوكيات الصحية، وهو نموذج نظري يمكن استخدامه لتوجيه برامج تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، يتم استخدامه لشرح التغيرات الفردية في السلوكيات الصحية والتنبؤ بها.

ويرتكز على عدة محاور رئيسية لفهم السلوكيات الصحية، منها استقراء تصور الفرد عن مدى احتمالية إصابته بأزمة صحية معينة، وتوقعه لمدى شدتها، والفوائد المتصورة في حال انخراطه في سلوك أو تدخل يقلل من الأزمة، والعوائق التي تمنعه من الإقدام على هذا السلوك.

وفق الدراسات التي أُجريت في المنطقة، يؤمن أغلب الممارسين الصحيين بخطورة المرض، إلا أن الخوف من مضاعفات صحية للقاحات هو العائق الأبرز أمام إقدام الطواقم الطبية في مصر والسعودية وليبيا وفلسطين على أخذ اللقاح، بينما كانت العراق استثناءً حيث كان التخوف من عدم تخزين اللقاح في ظروف موائمة هو أكبر المخاوف.

وباء معلوماتي

يقول نزال: إن أغلب الدراسات تشير إلى محركين رئيسيين لسلوك التردد: التخوف من مضاعفات صحية من جَرَّاء أخذ اللقاح، وعدم إدراك حجم الفوائد المرجوة منه، ”كلاهما يشير إلى أزمة في تداول معلومات دقيقة عن اللقاح والوصول إليها“، على حد تعبيره.

لذلك توصي منظمة الصحة العالمية بدعم الممارسين الصحيين وإعانتهم على تقديم معلومات موثوقة ودقيقة عن اللقاحات، مع الإشارة إلى تأثيرهم القوي في توجيه قرارات التطعيم.

في فبراير من عام 2020 قال مدير المنظمة ’تيدروس غبريسوس‘ في مؤتمر للمنظمة بمدينة ميونيخ: ”نحن لا نحارب الوباء فحسب، بل نواجه وباءً معلوماتيًّا أيضًا؛ فالأخبار الكاذبة تنتشر أسرع وأسهل من هذا الفيروس، وهي على الدرجة نفسها من الخطورة“.

مع موجة الهلع التي حملتها الأشهر الأولى للوباء زاد انتشار المعلومات الكاذبة، التي وجد بعضها طريقًا إلى مسؤولي الرعاية الصحية، فقد بينت دراسة أجراها باحثون من جامعتي طرابلس والزاوية الليبيتين نُشرت في شهر مايو الماضي أن 34% من أصل 1394 طبيبًا ليبيًّا يظنون أن الفيروس مصنَّع معمليًّا، بينما كان التخوف من طفرات خطيرة يسببها اللقاح سببًا بارزًا لرفض الممارسين الصحيين للقاحات كوفيد-19 في مصر، وفق استبانة شملت قرابة 500 ممارس صحي.

يعلق إسلام حسين، عالِم الفيروسات وكبير الباحثين بشركة مايكروبيوتكس للبحث والتطوير الأمريكية: هناك حاجة إلى اهتمام المسؤولين في وزارات الصحة بإرسال تحديثات دورية إلى الطواقم الطبية، تشمل أحدث المعلومات عن الوباء واللقاحات، مشيرًا إلى أنه حتى البروتوكولات العلاجية لا يتم تحديثها بشكل دوري في بعض دول المنطقة.

بعد الانتهاء من دراسته، أرسل نزال وزملاؤه نتائجهم في مذكرة إلى وزيرة الصحة الفلسطينية، ترتب عليها إجراء لقاءات دورية مع الممارسين الصحيين؛ بهدف تطمينهم ومعالجة المعلومات المغلوطة لديهم.

ويشير علماء النفس إلى أن الشائعات والأخبار الكاذبة تزدهر في أوقات الأزمات وانتشار القلق، إذ توفر حالةً من الاطمئنان في فترات الهلع اللايقيني، تبين دراسة نُشرت شهر أبريل الماضي في دورية  ’فرونتيرز إن سيكولوجي‘ إلى ارتباط بين حالات الاكتئاب والتصديق بنظريات المؤامرة والشائعات.

وتشير عدة دراسات أُجريت بهدف تقييم الصحة النفسية للممارسين الصحيين في مصر والسعودية والأردن وتونس وليبيا والعراق وفلسطين خلال فترة الجائحة، إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم فيما بينهم.

يقول نزال إن ظروف الجائحة وضعت الممارسين الصحيين أمام معضلة أخلاقية بين أداء واجبهم ومساعدة المرضى، وتعريض أنفسهم وذويهم لخطر العدوى، وهو ما قد يحفز ارتفاع معدلات الإجهاد النفسي.

وتبيِّن تلك الدراسات أن الحصول على معدات حماية شخصية، وتسهيل سبل التواصل مع مديريهم وزملائهم، مع دعم الأهل والأصدقاء، وتزويدهم بمعلومات محدَّثة عن الجائحة قد يُسهم في خفض معدلات الإجهاد النفسي.

الإناث أكثر ترددًا؟

تبين الدراسات أن نسبًا أعلى لقبول اللقاح كانت بين الفئات العمرية الأكبر، والطواقم الطبية التي تتعامل بشكل مباشر مع مرضى كوفيد، ومَن يتلقون لقاحات الإنفلونزا الموسمية، وبين الذكور مقارنةً بالإناث، إذ يشير أغلبها إلى نسب مرتفعة من التردد بين الإناث والممرضات تحديدًا.

تقول إلهام الخطيب -عميد البحث العلمي في جامعة القدس الفلسطينية- في حديثها لشبكة SciDev.Net: ”من الناحية السلوكية، قد يكون سبب ذلك التفاوت في قبول اللقاح ناتجًا عن الطبيعة الحذرة للإناث، إذ إن الذكور أكثر إقبالًا على المجازفات، بما يشمل السلوكيات الصحية“.

من جانب آخر، فإن نسبة ضئيلة من التجارب السريرية للقاحات وأدوية كوفيد-19 أخذت الجنس في الاعتبار خلال تحليل نتائجها، رغم تبايُن الدراسات السابقة لكوفيد-19 في الاستجابة المناعية للقاحات بين الجنسين وفي حدة الأعراض الجانبية المتوقعة من جراء التطعيم.

وبالنسبة للحوامل فإن تجارب كوفيد-19 السريرية قد تجاهلت تضمينهن من البداية، رغم تراكُم الأدلة التي تشير إلى أن الإصابة بالفيروس تكون أكثر حدةً على الحوامل مقارنةً بغيرهن.

تقول نوال زميط -أستاذ مساعد في قسم الوبائيات بكلية الطب بجامعة سوسة التونسية- لشبكة SciDev.Net: ”إن مخاوف تأثير اللقاح على الحمل والخصوبة شائعة، عززتها المعلومات المغلوطة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي“.

تاريخيًّا استُبعدت الحوامل من التجارب السريرية نتيجة التخوف من تأثير اللقاحات أو الأدوية الجديدة عليهن، أو على مواليدهن، إلا أن ذلك الغياب خلال أزمة كوفيد-19 كان له أن يصدع ثقة الحوامل أو مَن ينتوون الإنجاب باللقاحات، حتى بين صفوف الطواقم الطبية.

وساق باحثون غياب بيانات أمان اللقاح على الحوامل في بداية الأزمة، باعتباره سببًا أدى إلى تضارب الرسائل التي قدمتها المؤسسات الصحية لهن، مما قد يعزز ترددهن في الإقدام على اللقاحات.

وكانت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها الأمريكية قد أشارت في إرشاداتها الصادرة في 7 يناير الماضي إلى أن الخبراء لا يعتقدون أن اللقاحات التي تعتمد تقنية الحمض الريبوزي الرسول -مثل لقاح فايزر ومودرنا- تمثل أي خطورة على الحوامل، تاركةً الخيار للحوامل في تحديد قرارهن.

وما كان إلا أن لحقتها توصية من منظمة الصحة العالمية بالامتناع عن تلقيح الحوامل لحين توافُر المزيد من البيانات الداعمة لأمان اللقاحات لهن.

 انعكس ذلك في انقسام عالمي بين دول لا تنصح بتلقيح الحوامل وأخرى تسمح لهن أو تشجعهن عليه، ووفقًا لخدمة جامعة جون هوبكينز لتعقب تحصين الأمهات، فإن دولًا عربية مثل الجزائر والمغرب والعراق لا تنصح بتحصينات كوفيد-19 للحوامل، بينما تسمح بذلك المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.

كثير من الممارسات الصحيات تأثرن بتلك الرسائل، وهو ما يعقِّد موقفهن من اللقاح، خاصةً الحوامل ومَن ينوون الإنجاب.

مؤخرًا مع زيادة البيانات المتوافرة عن أمان اللقاحات للحوامل، خاصةً للقاحي مودرنا وفايزر، أكدت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها دعمها لتحصين الحوامل، بينما حدَّثت منظمة الصحة العالمية توصياتها شهر يونيو الماضي بأن تتقدم الحوامل ممن هن في خطر أكبر للتعرض للفيروس إلى تطعيمات كوفيد-19.

من جهته يقول محمد نوشاد -أستاذ مساعد بكلية طب الأسنان في جامعة دار العلوم السعودية- لشبكة SciDev.Net: ”تشير أبحاثنا إلى أن العاملات الصحيات لديهن تصور أقل حدةً للمرض مقارنةً بأقرانهن الذكور، وهو ما قد يمثل عاملًا في ترددهن“.

تتفق نوال وإلهام على أهمية تزويد الممارسات الصحيات بأحدث المعلومات عن جميع اللقاحات، بما يضمن حمايتهن وتوفيرهن لنصائح دقيقة لمرضاهن، لزيادة ثقتهن بأهمية التحصينات.

أزمة ثقة

تقول منى مينا -الأمين العام المساعد الأسبق لنقابة الأطباء المصريين- في حديثها للشبكة: ”ثمة فجوة ثقة بين الطواقم الطبية وصناع القرار، وهو ما قد يحفز مخاوفهم من اللقاحات“.

ووفق نتائج الدورة السادسة للاستطلاعات التي أجراها البارومِتر العربي في يوليو وأكتوبر من العام الماضي، تتفاوت نسب ثقة المواطنين بالأنظمة الصحية في العالم العربي على نحوٍ كبير، إذ لا تتعدى 6% في لبنان، بينما تتجاوز 60% في الأردن.

يقول محمد سعودي -وهو باحث أول ببرنامج أبحاث البروتيوميات بمؤسسة مستشفى سرطان الأطفال 57357 في مصر- لشبكة SciDev.Net: ”انخفاض الثقة بالأنظمة والسياسات الصحية عامل مؤثر في قبول الممارسين الصحيين العرب للقاحات كوفيد-19“.

وكان سعودي قد شارك في دراسة نُشرت في مارس الماضي بدورية vaccines شملت 5708 من الممارسين الصحيين من معظم الدول العربية، بينت نتائجها أن أكثر من 37% من الممارسين الصحيين العرب لا يثقون بالأنظمة الصحية في بلدانهم، وهي نسبة أعلى بثلاثة أضعاف من أقرانهم العرب الذين يعملون في دول غير عربية.

وتبين دراسة حديثة نُشرت في الدورية نفسها شهر يونيو الماضي أن نسبة قبول لقاحات كوفيد-19 تتعدى 80% بين 1000 ممارس صحي في الكويت، وهي من أعلى النسب عالميًّا.

سجل استطلاع أجراه مركز عالم الآراء الكويتي حول فيروس كورونا المستجد شهر مارس من العام الماضي نسبة مرتفعة جدًّا من الرضا بين الكويتيين عن أداء حكومتهم في أثناء الجائحة.

توقيت إجراء الدراسة هو سبب آخر لارتفاع نسب قبول اللقاح بين الممارسين الصحيين الكويتيين، إذ أُجريت الاستبانة في شهر مارس، أي بعد زيادة التقارير التي بينت أمان اللقاح وسلامته.

يقول أحمد محمد علي، الطبيب بوزارة الصحة البحرينية: ”وُجد التردد بين الطواقم الطبية في بداية الأزمة، لكن مع جهود الوزارة في إيصال أحدث البيانات يوميًّا عن حملات التطعيم والأعراض الجانبية، ونسب العدوى، مع متابعة الحالة الصحية للمحصنين، انخفضت نسب التردد بشكل كبير“.

نتائج مماثلة حصل عليها نزال مؤخرًا، إذ يشير إلى أن بيانات أولية لمشروعه البحثي الجديد (غير منشورة) تبين ارتفاع نسب التطعيم بين الممارسين الصحيين فوق نتائج قبول اللقاح التي تحصل عليها في دراسته الأولى.

يعلق نزال: ”مع توافر اللقاحات تزداد نسبيًّا درجة الإقبال عليها، إذ تدخل عوامل أخرى مثل حرية السفر والتنقل في تحديد القرار، ويزداد الاطمئنان مع زيادة نسب التطعيم“.

صورة مقطعية

من ناحية أخرى، بينت نتائج استبانتين أُجريتا في السعودية والسودان في مارس وأبريل الماضي (أي بعد بدء حملات التطعيم وازدياد التقارير حول سلامته)، عن استمرار وجود نسب متدنية من قبول اللقاحات، كانتا 65% و57% على التوالي، وفق النتائج التي نُشرت نهاية يوليو الماضي.

يوضح مالك سلام الأستاذ المساعد في علم الفيروسات السريري واستشاري طب المختبرات السريري بمستشفى الجامعة الأردنية، أن أزمة التردد يجب أن تُفهم في سياقها الزماني والمكاني، وتوفر الدراسات صورةً مقطعيةً لفترة زمنية معينة في مكان محدد، وتختلف مع تغيُّر العوامل المرتبطة بها.

توافقه إلهام، وتنوه بأنه رغم ميزات الاستبانات التي تُجرى عبر الإنترنت في سرعتها وتقليلها لمخاطر العدوى، إلا أنها ”تحتم فقدان فئات معينة من الممارسين الصحيين، مثل كبار السن ومَن ليس لديهم ميزة الوصول إلى الإنترنت“.

يضيف حسين: ثمة حاجة إلى وجود مركز استطلاعات لقياس نسب التردد بشكل مستمر مع مرور الزمن، ليتم توجيه الخطط التوعوية على نحوٍ دقيق على أساسها، خاصةً مع حدوث تطورات جديدة.

جائحة غير المحصنين

في منتصف شهر يوليو الماضي وصفت ’روشيل والينسكي‘ -مديرة مراكز مكافحة الأمراض واتقائها- الأزمة الحالية بأنها ”جائحة غير المحصنين“، وجاء ذلك بعد ارتفاع أعداد الإصابات في الولايات الأمريكية الأقل تحصينًا، خاصةً مع انتشار متحور من الفيروس يُعتقد أنه أكثر من سابقيه قدرةً على الانتشار والإصابة، والذي عُرف بمتحور دلتا.

لا تستطيع الفيروسات العيش أو التكاثر وحدها، عوضًا عن ذلك تستولي على الماكينات الخلوية لعائلها لتستخدمها في إنتاج نسخ جديدة منها، ولأن الأخطاء واردة خلال تلك العملية، فإن بعض النسخ الجديدة قد تكون غير مطابقة للفيروس نفسه.

يقول حسين: ”مع كل مرة يصيب فيها الفيروس شخصًا جديدًا، هناك احتمال أن يخرج بشكل مختلف“.

لحسن الحظ، لا تُعد أغلب تلك التحورات خطيرة، بل قد تكون ضارةً للفيروس وسرعان ما تختفي، لكن في حال منحت الفيروس قدرةً أكبر على التناسخ أو الانتشار أو التخفي عن الجهاز المناعي، فقد يسود المتحور الجديد عن سائر الأشكال الأخرى للفيروس، وهو ما  قد يكون سببًا لتسيُّد متحور دلتا حول العالم منذ ظهوره في الهند أواخر العام الماضي، وفق حسين.

تشير بيانات أولية إلى أن متحور دلتا له ضِعف ما للمتحورات الأخرى من قدرة على العدوى، وأنه يتسبب في إعياء أكثر حدة من سائر أشكال الفيروس الأخرى، في غير المحصنين.

ومع زيادة انتشار متحور الفيروس ’دلتا‘ خلال الأشهر الماضية، ألقى المسؤولون في الولايات المتحدة وروسيا باللوم على ظاهرة التردد تجاه اللقاحات، بوصفها سببًا لانتشار المتحور.

يقول حسين: يمكن للتردد في أخذ اللقاحات أن يعقِّد أزمة الجائحة من خلال تأثيره في عاملين رئيسين: الأول أنه يتيح فرصة للمتحورات الأكثر خطورةً مثل دلتا لإصابة المزيد من الأشخاص، بما يزيد الضغط على الأنظمة الصحية التي تعاني منذ عامين.

العامل الثاني هو أنه مع استمرار تناقُل العدوى بين غير المحصنين، هناك احتمال مخيف لظهور متحور جديد يقاوم اللقاحات المتاحة، بما يضع المحصنين وغير المحصنين في دائرة الخطر من جديد.

حتى الآن تشير الدراسات إلى فاعلية اللقاحات ضد متحورات الفيروس، بما فيها متحور دلتا، وفي حال إصابة المحصنين عادةً ما يكون المرض أقل حدة -إن ظهرت أعراضه- وأقل في مستوى نشر العدوى.

هل يتوجب إلزام الممارسين الصحيين بالتحصين ضد كوفيد-19؟

مع تعقُّد الأزمة وسط الاضطراب الذي خلقه انتشار متحور دلتا، بدأت عدة دول بتغيير توجهها من إقناع الممارسين الصحيين (أو الناس عمومًا) بالتحصين ضد كوفيد-19، إلى إلزامهم به.

ففي مارس أعلنت إيطاليا إلزامية اللقاح للممارسين الصحيين، بما يشمل الصيادلة، قبل علاجهم لمرضى كوفيد-19، لحقتها فرنسا التي أعلنت في يوليو الماضي عقوبات على الممارسين الصحيين الرافضين للتحصين، والأمر مطبَّق أو محل النقاش في عدة دول غربية أخرى.

أما في المنطقة، فقد كانت السعودية أول السابقين، إذ فرضت اللقاح إلزاميًّا على كل العاملين في القطاعين الخاص والعام في شهر مايو الماضي، ثم اشترطته لدخول أغلب مناطق المملكة مع بداية أغسطس، وفي الإمارات يُمنع دخول غير المحصنين إلى بعض الأماكن العامة.

يؤيد فهد الشهري -الأستاذ المساعد في كلية الصيدلة بجامعة أم القرى السعودية- هذا التوجه، فيقول في حديثه لشبكة SciDev.Net: ”إلزامية التطعيم ليست حديثةً على الممارسين الصحيين، فحتى قبل الجائحة كانت أغلب المؤسسات الصحية تُلزم عامليها بالتحصين ضد الأمراض المعدية مثل فيروس الكبد الوبائي ب“.

ويستطرد: ”هم أكثر تعرضًا للإصابة ونقلها، والواجب الأخلاقي يحتِّم أن يتخذوا ما يقيهم ويقي مرضاهم العدوى“.

يختلف معه نوشاد؛ إذ لا حاجة من الأساس لتطعيم كل الممارسين الصحيين، فالوصول إلى نسبة مرتفعة من التحصين هو الهدف لوقف انتشار المرض، ”دوافع التردد متعددة، ومن الأفضل حلها بدلًا من إلزام الجميع بالتطعيم“.

تتفق معه ’زميط‘، وتقول: إن توعية الممارسين الصحيين بمعلومات محدثة عن سبل تطوير اللقاحات وأعراضها الجانبية وتأثير الالتزام بها على الفرد والمجتمع ستساعد المتردد على تغيير موقفه إلى القبول، وهو ما أعتقد أنه مناسب أكثر من الإلزام، من الناحية الأخلاقية والعملية.

من بداية الجائحة إلى يومنا الحالي، تجاوز عدد المصابين من الممارسين الصحيين في إقليم شرق المتوسط من جرَّاء الجائحة 50 ألفًا، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، مع التنويه بأن عدد الحالات المسجلة قد لا يعكس الأعداد الفعلية.

يقول نزال: ”الممارسون الصحيون هم خط المواجهة الأول أمام الجائحة، ومن دون التواصل معهم ودعمهم، لا يمكننا التغلب على الجائحة“.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا