إعادة نشر المقال:

نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.

The full article is available here as HTML.

Press Ctrl-C to copy

[القاهرة] مشاعر وأحاسيس إيجابية مختلفة شعر بها محمد الجهني في يوم 21 أكتوبر من عام 2011، وهو يستقبل نسمات الصباح وقد أشرقت شمس ليبيا من دون القذافي، غير أن هذا لم يدم طويلًا لابن الثلاثين عامًا.

الجهني وبعد أن كان يستيقظ من نومه والأمل يملأ نفسه لاستقبال يوم جديد يشعر فيه بمستقبل أفضل لبلده، بات يستثقل رفع الغطاء، ليقضي أغلب أوقات النهار نائمًا؛ خشية أن تصافح عيناه مشهد الملابس الرثة والأحذية المعلقة على جدران مركز ’النجيلة‘، التي يقبع ‏وراء أبوابها أكثر من مئة لاجئ ومهاجر.‏

وفرت الفوضى التي شاعت في ليبيا بعد انهيار نظام القذافي أرضًا خصبة لنمو الاقتصاد المظلم، فشمل عدة أنشطة غير مشروعة، منها تهريب المهاجرين عبر ليبيا إلى أوروبا، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد المحتجزين، والذين يقدر عددهم بـ3000- 5000 مهاجر ولاجئ، وفق ما أدلى به لشبكة SciDev.Net روبرت كينجو، المنسق الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود في ليبيا.

يعيش هؤلاء المهاجرون في مراكز احتجاز عادةً ما تكون أدنى بكثير من المعايير الدولية، ما لا يصيبهم وحدهم باضطرابات نفسية فحسب، بل يصيب أيضًا أمثال الجهني ممن يقطنون بالقرب من تلك المراكز.

تعرض الليبيون إبان حكم القذافي لانتهاكات جسيمة، تركت جرحًا غائرًا في نفوسهم، وأثرًا سلبيًّا بالغًا في الصحة النفسية، وهو الأمر الذي يُعاد بصورة أشد قسوة، كما يؤكد أخصائي أمراض نفسية في أحد المستشفيات الحكومية، طلب عدم ذكر اسمه.

ويقول الأخصائي لشبكة SciDev.Net: ”إضافة إلى أن مشاهدة مراكز الاحتجاز وحدها كافية لتصدير الاكتئاب، فإن استمرار حالة العنف وغياب القانون، عرَّض الكثيرين للتعذيب والقتل والاختفاء القسري، الأمر الذي أدى إلى زيادة الإصابات بالأمراض النفسية“.

ويضيف: ”قبل انهيار نظام القذافي كان معدل استقبال المرضى الجدد يتراوح بين 7 إلى 9 مرضى يوميًّا، ولكننا الآن نستقبل في اليوم ما بين 20 إلى 25 مريضًا“.

يتسق كلام الأخصائي النفسي مع ما جاءت به دراسة استقصائية أعدها المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب ’ديجنتي‘ بإسهام من مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي، عام 2013، بعد عامين من نهاية نظام القذافي.

أُجريت الدراسة على عينة تقترب من ثلاثة آلاف أسرة ليبية، بهدف تقييم احتياجات الصحة النفسية، وخلصت إلى أن قرابة ثلث الشعب الليبي يعاني مشكلات بالصحة العقلية، سببها انتهاكات متعددة.

تمثلت الانتهاكات في أن واحدةً من كل خمس أسر فقدت عضوًا بها عن طريق الاختفاء، وأفادت 11% من الأسر باعتقال أحد أفرادها، وقالت 5% إن شخصًا ينتمي لها قُتل، في حين أن 46% منها قُبض على أحد أفرادها وتعرَّض للضرب، في حين قالت 20% إنه تم تعذيب أحد أفرادها، وشهد أفراد 16% من الأسر حالات اختناق، وعانى ما بين 3% إلى 5% من تعذيب جنسي أو كهربائي أو حراري.

ولا تبدو هذه الأرقام مبالغًا فيها، لا سيما إذا علمنا أن دراسة أخرى لمنظمة الصحة العالمية نشرتها دورية ’بلوس وان‘ في عام 2012، حول ”التنبؤ بأثر النزاع في ليبيا على الصحة العقلية للسكان“، قد أشارت إلى أن معدلات الإصابة بالأمراض العقلية تزيد عن الضعف عندما يتأثر السكان بالصراع.

تقول إليزابيث هوف -ممثلة منظمة الصحة العالمية في ليبيا- لشبكة SciDev.Net: ”من المحتمل أن يحتاج واحد من كل سبعة ليبيين -أكثر من مليون شخص- إلى رعاية صحية نفسية لحالات مثل الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة والقلق والفصام“.

ورغم تزايُد وتيرة الأمراض النفسية، لا يوجد سوى متخصص واحد في الصحة العقلية لكل 300 ألف شخص في ليبيا، وهناك خمس مدن فقط -أقل من 12٪ من مدن البلاد- تقدم خدمات الصحة العقلية، كما تؤكد هوف.

هذه الأرقام مع ضآلتها إلا أنها أفضل حالًا من الوضع مع انتهاء حكم القذافي، ”في عام 2011، كانت خدمات الصحة العقلية متوافرة فقط في طرابلس وبنغازي، وحاليًّا توجد في ثلاث مدن أخرى هي سبها، وأجدابيا، ومصراتة، كما زاد عدد المتخصصين في الصحة العقلية من 11 فقط في عام 2011 إلى 23 في عام 2019“، وفق هوف.

وتحتاج خدمات الصحة العقلية في ليبيا إلى سنوات لسد هذه الفجوات الكبيرة، سواء في عدد المراكز أو المتخصصين، ”إلا أن الاتحاد الأوروبي أطلق في أغسطس من عام 2019 مشروعًا مدته 3 سنوات؛ بهدف المساعدة في سد هذه الفجوات“، كما تؤكد هوف.

ويهدف المشروع الذي يحمل عنوان ”العمل من أجل إعانة الصحة العقلية في ليبيا“، إلى تحسين خدمات رعاية الصحة العقلية في طرابلس، وبنغازي، ومصراتة.

تقول هوف: ”هذا ليس البرنامج الأول، فبين عامي 2012 و2014، عملت المنظمة مع السلطات الصحية الليبية لدعم برنامج طموح للصحة العقلية بدعم من عدة جهات مانحة، تتضمن الاتحاد الأوروبي، وساعد ذلك على بناء توافُق في الآراء يجعل الصحة العقلية أولويةً للصحة العامة“.

وتخشى هوف أن يقوِّض طول أمد الصراع في ليبيا هذه الجهود، بدليل أنه تسبَّب في تضرُّر مرفق العلاج الوحيد لتعاطي المخدرات في ليبيا، وهو مصحة الإرادة لعلاج الإدمان في بنغازي، ”وأُغلق في أثناء النزاع  بين عامي 2014 و2015، وحتى الآن لا يوجد مرفق آخر يقدم هذه الخدمة“.

كذلك تخشى أن يؤثر طول أمد الصراع على المهاجرين في مراكز الاحتجاز.

وإذا كانت مشاهدة مراكز الاحتجاز في حد ذاتها تؤدي إلى الاكتئاب، فإن المحتجزين داخلها يعانون أمراضًا نفسية أشد قسوة، والسبيل لعلاجها هو إنهاء الصراع، بما يسمح بإبرام اتفاقيات تعيد هؤلاء المهاجرين لأوطانهم، كما يؤكد كينجو.

وتعمل فرق أطباء بلا حدود بشكل أساسي في مراكز الاحتجاز بطرابلس والخمس وزليتن والزنتان، وتقدم استشارات الرعاية الصحية العامة ودعم الصحة العقلية.

ومن واقع عمله يحكي كينجو: ”هؤلاء المحتجزون، وأغلبهم من إريتريا والصومال، مكثوا في ليبيا لمدة 3 سنوات، عالقين في مراكز الاحتجاز والاعتقال، ويجري نقلهم من مركز إلى آخر، دون مراجعة قضائية، ولا محاكمة، ولمدة غير محددة“.

ويستطرد: ”تعرَّض بعضهم للعنف الشديد والتعذيب، إضافة إلى ظروف احتجاز صعبة تتمثل في سجون مكتظة لا يزورها ضوء النهار ومغلقة عليهم لفترات طويلة، لذلك فهم يعانون قائمة الأمراض والاضطرابات النفسية، التي وثقناها خلال الزيارات“.

ويعدد كينجو بعض هذه الاضطرابات: فقدان الأمل، الانسحاب الاجتماعي، التفكير المفرط، القلق المفرط أو النوم طوال اليوم، الإحباط، الذهان الحاد، الاكتئاب، السلوك الانتحاري، السلوك العدواني، فقدان السيطرة العاطفية.

”شاهدنا رجالًا كانت الحياة تبدو بالكاد باديةً على أوجههم، إذ كانت نظراتهم خاوية وأوجههم تخلو من المشاعر“. 

ولا يرى كينجو حلًّا لهذه المشكلة سوى إعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلاد اللجوء الآمن، واتخاذ ما يلزم للسيطرة على ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ”ولكن على ما يبدو أنه حلم بعيد المنال في الوقت الراهن“.

يؤكد كينجو: ”اعتبارًا من ديسمبر 2019، أكثر من 70٪ من المعتقلين في ليبيا من اللاجئين وطالبي اللجوء لم يتمكنوا من العودة إلى أوطانهم“.
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا