إعادة نشر المقال:

نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.

The full article is available here as HTML.

Press Ctrl-C to copy

في منطقتنا، فتحت النزاعات علينا للأوبئة أبوابًا، فها هي الليشمانيا تستشري في سوريا، وقبلُ تفشى فيها شلل الأطفال، الذي عاد للعراق بعد غياب 14 سنة، وبعد موجتين عنيفتين، الكوليرا قد تفشو مجددًا في اليمن غير ’السعيد، وثالوث الخناق والكزاز والشاهوق يهدد جيلًا.
 
وأحيانًا تفوق أعداد صرعى الأوبئة التي تصحب الحروب، أو تأتي على أثرها، عدد قتلى النزاعات ذاتها.
 
وآثار الأوبئة مثلما تعبر الحدود فهي عابرة للزمن؛ ذلك أن ”الحرب والنزاع المسلح يخلقان بيئةً حيويةً معاديةً لصحة الإنسان وحياته، ويدمران البنى التحتية، أي يأتيان على البيئة الصديقة الصالحة لمَعايشه‟، على حد قول غسان أبو ستة، رئيس قسم جراحات التجميل بمستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت.
 
ومن ثَم فهي قد تمتد في طول التاريخ، كما تتمدد بعرض الجغرافيا، وفق ما يقرر أبو ستة عن علاقة الحروب بالصحة ونشوء الأمراض، وهو فلسطيني غزي، عايَش آخر ثلاث حروب شنتها قوات الاحتلال على غزة، وقدم الإسعافات الميدانية للمصابين.
 
ويرى الأستاذ المشارك في كلية العلوم الصحية بالجامعة نفسها، والرئيس المشارك ومنسق ’لجنة اللانسيت حول سوريا: الصحة في الصراع‘ بالجامعة، سامر جبور، أن الظروف التي تؤدي إلى انتشار الأمراض الوبائية في مناطق الصراع مرتبطة بأمرين: الأول هو التحديات التي تواجه القطاع الصحي قبل نشوء النزاع؛ فالنظم الصحية ضعيفة أو تكاد تكون غائبةً أصلًا، والثاني انهيار القطاع وتفكُّكه خلال الصراع. ”إذ تتضافر المشكلتان لخلق المأساة التي تواجهنا الآن‟.
 
يضرب جبور مثلًا على ذلك في اليمن؛ ”فلم تكن البنية التحتية للصحة العامة قبل الصراع بخير حال، وتفاقمت وتضخمت خلال النزاع. الأمر الذي أدى إلى تفشِّي وباء الكوليرا‟.
 
في حين يرى محمد جاسم، مدير شبكة الإنذار والاستجابة المبكرة للأوبئة في وحدة تنسيق الدعم بسوريا، أن ”انتشار الأوبئة وقصور الاستجابة السريعة لها في أثناء الحروب والنزاعات، ليس خاصًا بدول المنطقة فقط، فحتى الدول المتقدمة غير قادرة على تغطيته بسرعة‟. 
 
أدوار أممية ودولية
 
يوضح جاسم لشبكة SciDev.Net أن أحد أهم البرامج في هذا الشأن، برنامج الرصد الوبائي، وهو برنامج أمن وبائي عالمي ينشأ في المناطق المنكوبة، سواء بالحروب أو الظواهر الطبيعية كالبراكين وتسونامي، ويعمل على مراقبة الأمراض ورصدها بسرعة قبل تفاقمها وانتشارها. 
 
”ونحاول تنبيه الشركاء مثل منظمة الصحة العالمية واليونيسف والمنظمات الأخرى ومديريات الصحة في الوقت المناسب بحيث يمكن اتخاذ زمام المبادرة سريعًا‟، كما يقول جاسم.
 
يتعاظم دور المنظمات الدولية والأممية خلال الحروب والصراعات، وأحيانًا لا يكون لها بديل، كما يقول يوسف الحاضري، الناطق الرسمي باسم وزارة الصحة اليمنية (الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله الحوثية)؛ فالوزارة هناك ”لم يتبق لها من دور إلا مساعدة تلك المنظمات لمساندة القطاع الصحي في البلاد‟.
 
يوضح مامونور رحمن مالك -مدير وحدة إدارة المخاطر المعدية بالمكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية لشبكة SciDev.Net: ”ينوط بالمنظمة العديد من الأدوار في دول المنطقة التي تعاني حروبًا وصراعات، حيث تطبق أنظمة مراقبة للتحذير المبكر والاستجابة لتفشي الأمراض، كما تعمل على تقييم المخاطر دوريًّا لضمان الاستعداد الأمثل، بجانب قيادة وتنسيق المجهودات المتعددة في حال ظهور أمراض وبائية. بالإضافة إلى توفير الإرشاد الفني ودعم الخبراء لتدخُّل طبي ذي جودة عالية وفي الوقت المناسب‟.
 
وتتبنى منظمات دولية أخرى نهجًا مختلفًا، يوضح خالد الشيخ -القائم بأعمال مسؤول برنامج الشرق الأوسط، بالإنابة، بمنظمة أطباء بلا حدود، الذي يضم اليمن والأردن وسوريا والعراق ولبنان: ”من أولوياتنا في المنظمة، برامج التحصين، سواء كان روتينيًّا في المناطق الأقل صراعًا أو حملات تطعيم في مناطق وجود النازحين، فعلى سبيل المثال، لدى المنظمة برنامج للتحصين بمخيمات النازحين واللاجئين بالمنطقة منذ بدء الصراعات عام 2012‟.
 
تحديات تفرضها الصراعات 
 
لكن تلك الجهود لاحتواء أزمة الأوبئة الناتجة عن الصراع يقابلها العديد من العوائق والتحديات. يوضح مالك: ”التحديات الأساسية التي تواجه عملنا تتمثل في صعوبة الوصول إلى المحتاجين للرعاية الطبية بسبب انعدام الأمن. وصعوبة توصيل المساعدات الطبية بسبب دمار البنية التحتية للمواصلات والاتصالات، بجانب البنية الأساسية للنظام الصحي. بالإضافة إلى سرعة انتشار الأوبئة بسبب سوء التغذية وضعف المناعة. وأخيرًا أن حجم التبرعات غير مناسب لتمويل استجابة فعالة للفاشيات‟.
 
ويضيف الشيخ تحديات أخرى: ”عدم وجود برنامج روتيني في بعض المناطق للتحصين أو تقديم خدمات الوقاية والعلاج، بالإضافة إلى تزايُد مشكلة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، وبالطبع محدودية الإمكانيات من الطاقم الطبي والمعدات الطبية والأدوية مقابل أعداد مَن يحتاجون إلى رعاية طبية‟.
 
يؤكد الحاضري أن التحديات تعوق أي جهود لاحتواء الأزمة؛ ”فعندما نتكلم عن وفاة شخص واحد بسبب الكوليرا ونحن في القرن الواحد والعشرين فهذه كارثة، فكيف الحال لو تكلمنا عن 2100 شخص مسجل توفوا بهذا المرض في اليمن، وأعداد أكثر غير مسجلة، بسبب تدنِّي أداء الرصد الوبائي، والحال مشابه لمرض الدفتيريا رغم أن ضحاياه أقل‟.
 
ويلفت الحاضري إلى واحد من أهم التحديات، هو توجيه وإدارة الدعم، ويشدد على ضرورة أن تكون القيادة الوطنية حكيمة، وتعرف كيف توجَّه الدعومات الكبيرة للمنظمات الدولية توجيهًا سليمًا وصحيحًا إلى أماكنها وفقًا للوضع الحالي ومتطلباته.
 
ويستطرد الحاضري: ”ثمة أعمال جيدة يُشكرون عليها، ولكنها لا ترتقي إلى الحاجة الصحية لليمن، ولا تتناسب مع الموازنة المرصودة لها، ولا مع حالة التحرُّك الطارئ‟.
 
عن دور المنظمات الدولية بالمنطقة يشير جبور إلى أنه ينبغي أن تُبدي تلك المنظمات تَضامُنها مع الشعوب والتزامها بتوفير احتياجاتهم الفعلية والمعلنة، خاصةً في ظل الصراعات.
 
وحتى يتسنى لها فعل ذلك، ينبغي عليها التعاون مع الشركاء داخل البُلدان، بما في ذلك المجتمع المدني، وأن تكون مستعدةً لتقديم النقد البناء وتحمُّله.
 
حتى لا تعبر الأوبئة الحدود 
 
ولا تتوقف أبعاد أزمة الأمراض الوبائية خلال الصراعات عند دولها فحسب؛ إذ إنها قد تمتد إلى الدول المجاورة. يقول جبور: ”تفشِّي الأمراض الوبائية لا يعرف الحدود بين الدول‟. فعلى سبيل المثال تم اعتبار تفشِّي شلل الأطفال بسوريا عام 2014 حالةَ طوارئ صحية عالمية؛ إذ كان من الممكن انتقال المرض إلى دول مجاورة مثل تركيا.
 
يقول الشيخ: ”من الصعب حصر العدوى في منطقة أو مكان محدد، ويتطلب الأمر تضافُر جهود الدول والمنظمات وأفراد المجتمع، واتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لمنع انتشار الأوبئة عبر الحدود‟.
 
محمد جنيدي، مدير الإدارة العامة لمكافحة الأمراض المعدية بقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة والسكان في مصر، يؤكد تعامُلهم بجدية شديدة مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية بشأن الأوبئة التي تنتشر في مناطق النزاعات.
 
ويقول جنيدي للشبكة: ”ترسل الإدارة نشرات دورية إلى الحجر الصحي في المطارات والموانئ المصرية، تتضمن الدول التي تشير إليها المنظمة في نشراتها، ليتم توقيع الكشف الطبي الدقيق على المسافرين القادمين من تلك الدول‟.
 
ومؤخرًا، أرسلت الإدارة نشرةً تطالب برفع درجة الاستعدادات حيال الركاب القادمين من 9 دول، هي: جنوب السودان وأوغندا وزامبيا بسبب انتشار وباء حمى الوادي المتصدع، بالإضافة إلى مالاوي وموزمبيق وناميبيا واليمن بسبب انتشار وباء الكوليرا، وركاب دولتي ليبيريا وبنين بسبب انتشار حمى ’لاسا‘.
 
من جهته يؤكد زبير حراث -المدير العام لمعهد باستور في الجزائر- أهمية مراقبة الصحة العامة للمواطنين على مدار السنة في دول المنطقة تحديدًا، من خلال إنشاء هياكل للمتابعة الصحية، مهمتها الوقاية من الأوبئة المختلفة التي تظهر داخل البلاد، أو تلك الآتية من وراء الحدود في ظل الصراعات التي تشهدها دول المنطقة، وهو ما تم تكريسه في قانون الصحة الجديد بالجزائر وجرت المصادقة عليه خلال شهر مايو الماضي.
 
يعمل المعهد عبر فروعه برصد أي وباء، وفق حراث، ويتم إعداد تقارير مفصلة عنه لتحديد ما يجب عمله في وقته وقبل انتشاره على نطاق واسع، وخاصةً في موسم الحج.
 
انعكست الأوضاع، بطبيعة الحال، على مريدي الحج في دول المنطقة التي تشهد حروبًا وصراعات بسبب انتشار الأوبئة، فعلى سبيل المثال، منعت السلطات السعودية غالبية اليمنيين من الحج للعام الرابع على التوالي، باستثناء أعداد قليلة محددة.
 
وينصح الحاضري مَن يريد الحج بأن يؤجل لحين استقرار الأوضاع وانتهاء الصراع.
 
يؤكد جبور أن تطبيق المبادئ الأساسية الأربعة للعمل الإنساني -الإنسانية والحياد وعدم التحيز والاستقلالية– خلال النزاعات، سيسمح باتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث مشكلات صحية أو فاشيات من الأساس ومنع تفاقُمها حال حدوثها. ”لكن المشكلة تكمن في أن تلك المبادئ تُنتهك من قِبَل الأطراف المتنازعة‟.
 
”إن الحلول المنتهَجة حاليًّا هي حلول مؤقتة أكثر من كونها حلولًا جذرية على المدى الطويل. لذا فإن أية جهود مبذولة ستصبح غير كافية طالما استمر الصراع‟، وفق جبور.
 
ولعل مركز البحوث والتعليم في بيئة الحروب الذي تحتضنه بيروت حاليًّا ويهدف إلى إجراء بحوث لفهم ديناميكية العلاقة بين النزاع المسلح والصحة يكون سبيلًا لفهم الأزمة وتداركها، قبل أن تقصف النزاعات أعمارنا.
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع  SciDev.Netبإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا