إعادة نشر المقال:

نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.

The full article is available here as HTML.

Press Ctrl-C to copy

تفتَّحت عينا منى عزازي على الدنيا لتجد والدتها ممسكةً بأعواد نبات البردي، تشرِّحها وتجهِّزها لتدخل في عدة مراحل تصنيعية تنتهي بأوراق مطبوعة يُطلَق عليها البرديات.

منى حصلت على دبلوم المدارس الثانوية الفنية، إلا أنها اختارت لنفسها تلك المهنة التي ورثتها عن أمها، مثل أغلب فتيات وشباب وشيب قريتها ’القراموص‘ بمحافظة الشرقية، في دلتا النيل بمصر.

تقول منى: ”لا نعرف سوى هذه المهنة، نذهب إلى المدارس والجامعات لنتعلم، لكننا نعلم أن مصدر رزقنا سيكون من تصنيع ورق البردي“.

والبردي نبات إفريقي عشبي معمر من فصيلة السُّعد، ويشكل عندما ينمو صفوفًا طويلة الساق تشبه قصب السكر أو البوص المغمور في المياه الضحلة.

والورق يطلق عليه أيضًا الفافير (إضافة إلى الفرعون)، أي ’ملكي‘؛ فقد كان حكرًا على الملوك، والكلمة معربة من اليونانية نقلًا عن المصرية القديمة.

’الفافير‘ أحد أقدم الأوراق؛ إذ استخدمه قدماء المصريين للكتابة وتسجيل الوقائع وتدوين العلوم والآداب، ويُصنع من نبات البردي الذي ينمو على ضفاف النيل.

في العصور القديمة، انتقلت زراعة البردي وصنعته من مصر، إلى فلسطين وصقلية، ثم استُخدمت البرديات في كل الأنحاء المطلة على حوض البحر المتوسط، وبعضٍ من مناطق أوروبا وجنوب غربي آسيا.

كان هذا فيما مضى من سالف العصر والآوان، وقد عفا عليه الزمان، واندثر وباد.

وكل ما تبقى من ذلك التاريخ، علم البرديات، وهو علم قائم حاليًّا يختص بدراسة الأدب والمراسلات والمحفوظات القانونية وغير ذلك من السجلات القديمة المخطوطة على أوراق البردي، وهو كذلك يشمل ترجمة وتأويل الوثائق القديمة المكتوبة بعدة لغات، إلى جانب حفظ وثائق البردي الأصلية النادرة والعناية بها.

البعثة

لكن قرية القراموص، تزرع النبات الآن وتصنع منه الورق وتطبعه، وتقوم عليه اقتصادياتها، وتكاد تكون الوحيدة التي تفعل هذا، ومن ثَم فهي باعثته في الوقت الحاضر، وقد كان لشبكة SciDev.Net فيها جولات وحوارات، وفيما يلي طرف منها.



يعمل جُل رجال القرية في زراعة البردي وتصنيع الورق منه، فتبدأ العملية بتقطيع النبات وجمعه ثم تشريح أعواده، وتعتمد عملية التشريح على الأيدي العاملة من النساء؛ إذ يمسكن بخيط مقوى طرفه ومثبت في أحد الجدران، ويستخدمن الطرف الآخر في التشريح تمهيدًا لمراحل التصنيع التالية.

ومع ما يبدو من بساطة عملية التشريح، إلا أن تكرارها يمكن أن يصيب مَن لم يتعود عليها بآلام حادة في معصم اليد وعضلات الكتف، وهذا الذي شعرت به عندما قررت تجربة ذلك العمل، واحتجت بعد خمس دقائق من العمل إلى الحصول على راحة لاستئنافه مرةً أخرى، وهو نفس ما حدث مع سناء متولي ’ربة منزل‘ العائدة لهذه المهنة بعد غياب سنوات.

تقول سناء: ”مشكلة هذه المهنة هي ارتباطها بحركة السياحة في مصر، وعندما تأثَّرت تلك الحركة بعد ثورة 25 يناير 2011، أغلقت أغلب الورش، وتخلى المزارعون عن زراعة البردي، ومع العودة البطيئة للسياحة بدأت الورش تعود للعمل مرةً أخرى، والمزارعون يستأنفون زراعة النبات“.

وتضيف سناء وهي تمسك بمعصم يدها: ”مَن يقول بأني أصبحت بحاجة إلى الراحة من وقت لآخر بسبب آلام المعصم، بعد أن كنت أعمل لثماني ساعات دون راحة“.

ولا تحصل سناء وقريناتها من العاملات في تلك المهنة على أجر ثابت، بل تجري معاملتهن وفقًا للإنتاج؛ إذ تحصل نظير تشريح الأعواد التي تملأ وعاءً أسطوانيًّا صغير الحجم، على 20 جنيهًا (دولار أمريكي تقريبًا)، وعادةً ما تكون طاقة السيدة العاملة في حدود 3 أوعية يوميًّا.

وتُبدي سناء سعادتها بما تتحصل عليه من هذه المهنة، وتقول: ”هذا أفضل عمل يمكن أن تقوم به السيدة لزيادة دخل أسرتها، إن لم تكن لها وظيفة حكومية“.

ولا تقل سعادة محمد السيد -صاحب الورشة العائدة للعمل بعد فترة انقطاع- عن سناء؛ إذ يتابع هو وأبناؤه المراحل السابقة على عملية التشريح، وكذلك التالية لها.

يملك السيد -وهو مزارع بالقرية- الورشة التي تعمل فيها سناء، حيث يجلب أعواد البردي من الأرض التي يمتلكها صباحًا، ثم يعمل على تقطيع الجزء العلوي منها، فلا احتياج إليه، لتجري تهيئتها لمرحلة التشريح.

يوضح السيد للشبكة: ”بعد انتهاء مرحلة التشريح توضع شرائح النبات في مادة البوتاس (كربونات البوتاسيوم) مع الماء لإكسابها الليونة المطلوبة، ثم توضع في الكلور مضافًا إليه الماء، لتبييضه وإكسابه اللون المطلوب“.

ويستطرد السيد شارحًا: ”وبعد ذلك تُرص الشرائح بعضها إلى جانب بعض، ثم تُكبس عدة مرات عبر مكابس تختلف باختلاف حجم الورقة المطلوبة، لتجف تمامًا، وتنقل إلى المطابع الموجودة في القرية، التي يتخصص أصحابها في تصميم الرسوم الفرعونية وطباعتها على ورق البردي“.

يُعد السيد من الرعيل الأول الذي أتقن زراعة نبات البردي وصناعة الورق منه، وهو النشاط الذي بدأ في تلك القرية أواخر سبعينيات القرن الماضي على يد أستاذ في كلية الفنون الجميلة من أبناء تلك القرية، كان مغرمًا بورق البردي.

قصة البعث

يحكي الشبراوي إسماعيل -ابن قرية ’القراموص‘- قصة تخصص القرية في هذا النشاط، فيقول: ”كان الدكتور أنس مصطفى، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة وابن القرية، في مهمة علمية إلى السودان برفقة الدكتور حسن رجب، وهو مؤسس القرية الفرعونية بمصر، وأحد أبرز المهتمين بحماية نبات البردي من الانقراض، فتولدت لديه فكرة صناعة الورق وتنفيذ أعمال فنية عليه، فأحضر شتلةً من السودان وعمل على إكثارها وزراعتها في الأرض التي يمتلكها بالقرية“.
 
ولم تكن زراعة النبات مشكلة، لكن طريقة تصنيع الورق منه كانت مجهولة، فالمصريون القدماء الذين اشتهروا بتسجيل أدق تفاصيل حياتهم اليومية، لم يسجلوا أي معلومة عن طريقة تصنيعه.
 
يقول الشبراوي: ”كان الدكتور حسن مهتمًّا بإحياء صناعة ورق البردي، فعمل عدة أبحاث منذ عام 1963 حول كيفية تصنيعه، وتوصَّل في عام 1966 إلى طريقة مكَّنته من تصنيع أول ورقة يمكن استخدامها في الكتابة، وذلك بعد نحو 1000 عام من الاندثار. وفي عام 1977 سجل الدكتور رجب براءة اختراع باسمه لتلك الطريقة، ثم بدأ يعرض تلك الطريقة على زوار القرية الفرعونية التي يمتلكها“.
ونقل الدكتور أنس عن الدكتور رجب هذه الطريقة في ورشة لإنتاج ورق البردي، دشنها في قرية القراموص.
مما حدث، يبدو أن أنس لم يكن يؤسس هذا النشاط لنفسه فحسب؛ إذ حرص على تدريب آخرين عليها، وسرعان ما انتشرت في القرية ولا تزال مستخدَمةً إلى الآن، وتتوراث الأجيال أساليب الزراعة والتقنية البسيطة التي ابتكرها منذ 40 عامًا، ولا تزال حيةً إلى الآن.
 
تحتاج زراعة نبات البردي إلى خبرة لا يعرفها إلا أبناء القرية، وقد تم تدريبهم عليها بمساعدة متخصصين استعان بهم أنس، والأمر كذلك بالنسبة لمراحل التصنيع والخامات المستخدمة ومواصفات المكابس المستخدمة في التصنيع.
 
يقول الشبراوي: ”تعلمنا مثلًا متى يحتاج النبات إلى مزيد من الماء، والمسافة التي يجب تركها بين كل شتلة وأخرى في أثناء الزراعة، لإعطاء مساحة للأرض من أجل التهوية“.
 
ويضيف: ”الطريقة التي ابتكرها الدكتور رجب اعتمدت على استخدام مكابس قام بتصميمها ومواد كيميائية أكسبت ورقة البردي خصائص مختلفة عن تلك التي كانت في عصر الفراعنة، وأهمها إمكانية استخدامها في الطباعة. يبدأ الأمر بوضع شرائح النبات في أثناء التصنيع في البوتاس مع الماء لإكسابها الليونة المطلوبة، ثم توضع في الكلور مضافًا إليه الماء، لتبييضها وإكسابها اللون المطلوب“.
 
ويستطرد: ”أما المكابس فتصمَّم في ورشة يملك أصحابها سر الصنعة التي ورثوها عن أبيهم الذي تعلمها من أنس“.
 
وهكذا يبدو أن كل ركن في هذه القرية شاهد على مهنة توارثتها الأجيال، فالنبات يزين الأراضي، وورش تصنيع الورق والمطابع التي تُستخدم في طبع الرسوم الفرعونية تجاور المساكن.
 
وكانت المفاجأة التي وقعت عليها عيني، أن ناتج الورش من عملية تشريح النبات يجفف ويُستخدم وقودًا للأفران التقليدية التي تملأ القرية، بل وحتى الماشية تستفيد من هذا النشاط، إذ يمكن أن تلحظ بوضوح استخدام المزارعين لمقدمة النبات -التي لا تُستخدم في عملية تصنيع الورق- ضمن الأعلاف المقدمة للماشية.
 
ويختتم الشبراوي وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة: ”نحن –باختصار- قرية وقعت في عشق البردي“.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع  SciDev.Netبإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
 

موضوعات ذات صلة