نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

أزمة سد النهضة الإثيوبي.. السد المساعد هو المشكلة والحل
  • أزمة سد النهضة الإثيوبي.. السد المساعد هو المشكلة والحل

حقوق الصورة: Panos/ Petterik Wiggers

نقاط للقراءة السريعة

  • إثيوبيا تبني السدود على الأنهار دون نظر إلى احتياجات الدول المشاطئة

  • السد المساعد يرفع سعة بحيرة سد النهضة إلى 74 مليار متر مكعب من المياه

  • خفض ارتفاع السد المساعد إلى 25 مترًا ينهي الأزمة تمامًا

Shares
خفض ارتفاع السد المساعد إلى النصف ينزع فتيل إشعال الأزمة، كما يقترح نادر نور الدين.

قاربت المرحلة الأولى من سد النهضة على الانتهاء، ووصل ارتفاع السد الإسمنتي إلى 70 مترًا بنسبة 50% من حجم الإنشاءات، إذ لم يتبق إلا 25 مترًا ليصل إلى ارتفاع 95 مترًا، يُتوقع انتهاؤها قبل شهر يونيو المقبل، وبذلك يكون السد مؤهلًا لحجز 14 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، لبدء المرحلة الأولى من التشغيل.[1]
 
تشمل تلك المرحلة تشغيل أول توربينين لتوليد 700 ميجاوات من إجمالي ستة آلاف ميجاوات، تمثل قدرات نظرية، تولدها التوربينات الستة عشر المُزمَع تشغليها بنهاية عام 2017، وذلك بعد وصول البحيرة إلى سعتها القصوى بحجز 74.5 مليار متر مكعب، بخلاف خمسة مليارات تُفقد بالبخر من المسطح الكبير للبحيرة، وعشرة مليارات أخرى تُفقد بالتسرب العميق من قاع البحيرة.[1]
 
والآن يجتاح الشارع المصري شعور عام بأن المواطن قد يدفع ثمنًا غاليًا، ولسنين طوال قادمة، مع بدء اقتراب التخزين (إن لم يكن قد بدأ فعلًا) بعد أقل من ستة أشهر.
 
قلق بمصر
سرى التوجس والترقب بين المصريين، وخيم عليهم القلق من بدء إثيوبيا تخزين المياه فعليا بإعلانها عودة النيل الأزرق إلى سابق مجراه الذي يعترضه سدها الضخم، وعدم الانتظار حتى بداية الفيضان القادم -إذا أتى- لأن سنوات الجفاف تجاوزت حدها الأقصى المعروف بسبع سنوات متتاليات ووصلت إلى التاسعة، وليس هناك ما يبشر بقدوم فيضان غزير في عام 2016 طبقَا لتوقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أعوام 2007 و2008.[2][3]
 
وبنقص كميات الأمطار على المنابع الإثيوبية بنسبة 70%، والتي من الواضح أنها بدأت تتحقق، كان ينبغي لإثيوبيا عدم الإعلان عن بدء تخزين المياه في ظل هذه الأجواء من الجفاف غير المسبوق، والانتظار حتى قدوم أول فيضان غزير يسمح -ولو جزئيًّا- للسدود الثلاثة السودانية: الروصيرص وسنار على النيل الأزرق، ومروي على النيل الموحد قرب الحدود المصرية، بالامتلاء أولًا، لا سيما بعد إعلان السودان توقفها جميعًا عن توليد الكهرباء بسبب النقص الشديد للمياه؛ نتيجة لطول فترة الجفاف وضعف المياه القادمة من إثيوبيا، وكذلك السماح لبحيرة السد العالي في مصر بتعويض ما فقدته طوال السنوات التسع الماضية.[4]
 
ويزيد من القلق ما انتهجته إثيوبيا مسبقًا مع جارتها الجنوبية كينيا، وبناؤها ثلاثة سدود على نهر أومو المشترك بينهما، وقطع المياه عن شمال كينيا والإضرار ببحيرة توركانا وتشريد 200 ألف كيني في الشمال، والتسبب في أضرار بيئية بالغه للبيئة النهرية سواء في كينيا أو إثيوبيا، ما حدا بالهيئات الدولية إلى الاعتراض، ونجاحها في إيقاف تمويل السد الثالث جيلجل جيب III، والانتظار لمراجعة آثاره البيئية، ولكن لم تستجب إثيوبيا للقرار، بل بدأت في بناء السد الرابع.[5]
 
لقد رفعت إثيوبيا لاءات ثلاث أمام المفاوض المصري، الذي ارتضاها مرتكبًا خطأً استراتيجيًّا فادحًا: لا للحديث عن إيقاف العمل في السد، ولا للحديث عن مواصفات السد وارتفاعه وسعة تخزينه، وأخيرًا لا للحديث عن تقسيم لحصص المياه مع مصر والسودان.
 
مراوغة إثيوبية
من ثَم لا يسعنا إلا الظن أن غرض إثيوبيا الرئيس من بناء السد يتجاوز توليد الكهرباء والتنمية الزراعية، وقد يصل مستقبلًا للتحكم في ضخ المياه لمصر وبالكميات التي تحددها إثيوبيا، سواء بالاتفاق أو بالبيع، بدليل كفاءة السد المنخفضة جدًّا في توليد الكهرباء والتي لا تزيد عن 30%، وفقًا لرأي العالم الإثيوبي- الأمريكي أصفو بيني، أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان دييجو الأمريكية، الذي ينشره موقع الأنهار الدولية على شبكة المعلومات الدولية بعنوان سد إثيوبيا المبالغ في حجمه.
 
يتحدى بيني أن يزيد توليد الكهرباء من السد الإثيوبي عن ألفي ميجاوات، لا ما تدعيه إثيوبيا بستة آلاف ميجاوات، إضافة إلى حجمه المبالغ فيه جدا، ومعامل أمانه المنخفض الذي يعرضه للانجراف مع أي فيضان غزير يقترب من مائة مليار متر مكعب، وهذا وارد الحدوث مرة أو مرتين كل 20 سنة، فضلًا عن التداعيات البيئية الخطيرة، كاختفاء نباتات وحيوانات نهرية.
 
أمام اللاءات الإثيوبية الثلاث أصبح على مصر أن تتباحث حول الهوامش، لا في المشكلة نفسها.
 
بالإضافة إلى نجاح إثيوبيا في أخذ المفاوض المصري إلى الحديث بعيدًا عن جوهر المشكلة، المتمثل في حفاظ مصر على حصتها المائية كما كانت قبل بناء السد، نجحت إثيوبيا أيضًا في غل أيدي المصريين عن حفاظهم على كفاءة عمل السد العالي بمصر، الذي أُنشئ قبل السد الإثيوبي بخمسين عامًا.
 
يحدث هذا رغم ما يحدده قانون الأمم المتحدة لمياه الأنهار الدولية غير الملاحية لعام 1997 في مادة 26 البند (1) بألا يتسبب السد الجديد لدول المنابع في حدوث أضرار ملموسة بالسدود والإنشاءات الحالية للسدود القائمة والسابقة على هذا البناء الجديد.[6]
 
لم تضمن مصر أي حصة مائية بعد بناء السد، ولم تشترط لهذا باتفاقية مكتوبة وموقعة من قادة الدول الثلاث، أسوة بإعلان مبادئ سد النهضة الموقع من نفس القادة، ولم يتم التفاهم في اتفاقية حول حد أدنى من المياه ينبغي أن تضمن إثيوبيا تدفقه من خلف السد يوميًّا أو سنويًّا، بما يكفل أي حصة محددة لمصر من المياه، يمكن الاحتكام إليها أمام المنظمات الدولية.
 
ظاهر الأمر أن إثيوبيا تتهرب تمامًا من التعهد بكتابة أي حصة لمصر، وتكتفي بتصريحات شفاهية عن عدم الإضرار كما جرى مع كينيا من قبل، لكن العلاقات بين الدول لا تقوم على التصريحات الشفاهية، ولا على حسن النوايا، بل على المعاهدات المكتوبة والصارمة فحسب.
 
حجة إثيوبيا مع المفاوض المصري أنها لا يمكن أن تتعهد لمصر بحصة محددة؛ لأن مياه النيل الأزرق متغيرة وتمر بسنوات عجاف وأخرى سمان، وهو أمر خادع وإن بدا صحيحًا، فخبراء المياه يعلمون أن حقيقة الأمر هي أن الدول تتعامل مع تدفقات الأنهار على أساس متوسط التدفق السنوي للنهر المحسوب عبر مئة سنة متتالية، لا وفق التدفقات المتغيرة.
 
وعليه فإن متوسط التدفق السنوي للنيل الأزرق هو 50 مليار متر مكعب سنويًّا، وهو الأساس في الاتفاق، وثانيًا أن بحيرة سد النهضة الضخمة سوف تمنع التذبذب السنوي للنهر؛ لأن مهمة السد أصبحت قاصرة على استكمال ما ينقص من مياه البحيرة فقط، وبالتالي فإن حجم المخزون خلف السد، البالغ 75 مليار متر مكعب، يسمح بتعهد إثيوبيا بضمان مرور 50 مليار متر مكعب سنويًّا من خلف السد، أو تقسيمها تدفقات يومية خلال 365 يومًا حصة ثابتة لمصر والسودان.

السودان يتحول
أحد أسباب تأزم مشكلة السد الإثيوبي في تقديرنا هو نجاح إثيوبيا في إحداث انشقاق في الموقف المصري السوداني، الموثق في اتفاقية 1959 لتقسيم المياه بعد السد العالي، والذي ينص صراحة على دخول مصر والسودان صوتًا واحدًا مقابل أي مفاوضات مع دول المنابع، سواء لتخصيص حصة مائية أو لبناء السدود، فصار السودان يدافع عن السد الإثيوبي أكثر مما تدافع إثيوبيا نفسها عنه.[7]

يبدو الأمر كما لو أن الجانب الإثيوبي يتلاعب ويسوف، متبعًا الاستراتيجية التركية التي اتبعتها مع سوريا والعراق عند بناء سد أتاتورك العظيم، ما أدى إلى خصم 25 مليار متر مكعب من المياه من حصتي سوريا والعراق، وانتهى بناء السد وعشرة سدود خلفه وما زالت المفاوضات مستمرة باستراتيجية ”مفاوضات لا تنتهي أبدًا، وعمل في السدود لا يتوقف“، وهو ما نرى أن إثيوبيا تنتهجه مع مصر، وتقنع الجانب السوداني بالفوائد الناتجة من الآثار الجانبية للسد على السودان لا من السد نفسه، وكأنها تبني السد لصالح السودان، لا لأن كل السدود تمنع الفيضانات وتحجز الطمي خلفها!
 
في رأينا أنه ينبغي للسودان الإجابة عن السؤال المهم، ألا وهو: وماذا ستفعل إثيوبيا بحجم الطمي الهائل الذي ستمنعه عن الخزانات السودانية، البالغ 136.5 مليون طن من الطمي سنويًّا؟ وهو كفيل بردم السد كليًّا خلال 50 عامًا؟! وهل هناك حل سوى بناء المزيد من السدود لتحجز كميات من هذا الطمي ولتطيل عمر سدها إلى 200 سنة؟[8]
 
وماذا تفعل السودان ومصر بعد بناء أربعة سدود أخرى على النيل الأزرق تحجز وراءها 200 مليار متر مكعب سنويًّا من نهر صغير مثل النيل الأزرق لا تزيد تدفقاته السنوية على 50 مليارًا فقط؟ وسيلتهم البخر وحده من بحيرات هذه السدود ما يعادل نصف حصتي مصر والسودان من المياه![9]
 
الحل 
ثمة حل لم يلجأ إليه المفاوض المصري، نرى فيه وصولًا إلى ما يرضي جميع الأطراف ويمنع حرب مياه في المستقبل، أراها آتية لا ريب فيها، إذا استمرت إثيوبيا في الاستئثار والاستحواذ على مياه أنهارها المشتركة مع مصر والسودان، وستقع في الجيل القادم عندما يستفيق المصريون على الأضرار البالغة للسدود الإثيوبية المؤثرة سلبًا على الحياة في مصر وعلى شعبها.
 
يتمثل هذا الحل في التعامل مع السد الجانبي الركامي لسد النهضة، وهو القطعة الثانية من هذا السد المزدوج، والتي تضيف 60 مليار متر مكعب من المياه إلى السد الإسمنتي المولد للكهرباء، والذي لا تتعدى سعته 14.5 مليارًا مهما كان ارتفاعه، سواء كان 95 مترًا أم 145 مترًا.
 
يبلغ ارتفاع السد المساعد 45 مترًا، وخفضه إلى النصف، أي إلى ما بين 20: 25 مترًا فقط يخفض سعة تخزين بحيرة السد إلى النصف وصولًا إلى 30: 35 مليار متر مكعب فقط، وهو ما ينهي الأزمة تمامًا، وبالمثل ينهي مشكلة الإطماء الكبيرة على السد، ويقلل من احتمالات بناء العديد من السدود خلف هذا السد.
 
ويمكن لمصر الموافقة على بناء سد آخر خلف هذا السد بسعة لا تزيد على 14 مليار متر مكعب؛ لتنهي المشكلة مؤقتًا، ولتقل احتمالات حرب المياه ’القادمة‘ وترحل إلى أزمنة تالية.


* نادر نور الدين محمد: أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي بجامعة القاهرة. له ثلاثة كتب عن نهر النيل، هي: مصر ودول منابع النيل: الحياة والمياه والسدود والصراع- الموارد الأرضية والمائية لدول حوض النيل ومستقبل التعاون والصراع- دول حوض النيل بين الاستثمار والاستغلال والصراع. وله ترجمات في الشأن نفسه.
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع  SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 
 


المراجع

[1] About Grand Ethiopian Renaissance Dam (Ethiopian Electric Power Corporation, accessed 13 January 2015)
[2] Climate Change 2007: Impacts, Adaptation and Vulnerability (Intergovernmental Panel on Climate Change, 2007)
[3] Climate Change and Water (Intergovernmental Panel on Climate Change, June 2008)
[4] Avijit Gupta Large Rivers: Geomorphology and Management (Wiley, 2007)
[9] نادر نور الدين. مصر ودول منابع النيل الحياة والمياه والسدود والصراع (دار نهضة مصر، فبراير 2015)
 
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.