نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

حول العالم العربي.. قل مورد، ولا تقل نفاية
  • حول العالم العربي.. قل مورد، ولا تقل نفاية

حقوق الصورة: Flickr/ U.S. Army Environmental Command

نقاط للقراءة السريعة

  • لا شيء يعدم القيمة إذا نظرنا إليه بإيجابية، وأوليناه الاهتمام الكافي

  • من ثم لا يليق حسبانه نفاية، والأجدر والأجدى البحث عن الفائدة الكامنة فيه

  • فما من ضرورة تدعو إلى قبول الحلول والوصفات الجاهزة في التعامل مع الموارد

Shares
ينبغي الرشد والحذر عند أول خطوة نخطوها إلى المورد، ومن ثَم يدعو حامد الموصلي إلى استراتيجية فعالة في التعامل معه.

خلال الشهر الماضي حضرت محاضرة عامة عنوانها: ’استراتيجية لا نفايات مع التدوير‘. كان العرض ممتازًا؛ إذ أظهر القدرات التقنية الفائقة للاستفادة من ’النفايات‘ الصلبة؛ التي تتخلف عن الصناعة والزراعة، والغابات والقمامة والصرف الصحي والحشائش في الترع، وهدم المباني والمستشفيات.
 
بداية أعترض على ’نفايات‘ هذه، فهي ترجمة حرفية لمصطلحWaste ، الذي يعني مدلوله في اللغة الإنجليزية أي مادة يجري التخلص منها بعد الاستعمال الأول لها، ويرسخ مضمونه في الوعي والإدراك انعدام قيمتها، وانتفاء فائدتها. وإذ يجرد المصطلح المورد -المادة رهن الاعتبار- من القيمة، فهو لا يوجه للنظر إليه بإيجابية، ولا يدفع أيضًا للاهتمام والبحث عن القيمة الثاوية خلفه، أو المتضمنة فيه.
 
الأمر الآخر أن المصطلح بأصله الإنجليزي مستعار من عالم الصناعة ليصف ما يتبقى –ولا يُستخدم– من المواد المستعملة في العمليات الصناعية، ما يوجب عدم تنزيله على ما يتبقى من الموارد الزراعية التي أُفضِّل تسميتها بالبواقي الزراعية: فكيف أساوي في التسمية بين جريد النخيل أو قش الأرز اللذين لم يُستخدما على الإطلاق، والخَبَث الناتج عن عملية إنتاج الحديد الصلب مثلاً؟ 
 
قل لي بربك، ما الذي يعنيه ’تدوير‘ جريد النخيل إذا كنت تستخدمه لأول مرة بعد تقليم النخيل في تصنيع ألواح الكونتر مثلًا؟ أخشى أننا عند تعجُّلِنا في النقل عن الغرب، ننسخ مصطلحات ونلوكها بألسنتنا، غير مكترثين لمآلات تنزيلها على ظروفنا، ولا آبهين لنواتج ربطها بخصائص واقعنا المَعيش.
 
من هنا أشدد على أننا في خضم ممارستنا العلمية، نعاني غفلة –أو تغفيلا- عن حقيقة أن ”اللغة وعاء الفكر“، فمثل تلك المصطلحات المغلوطة تشوش تفكيرنا، وتجعله منقطع الصلة عن الواقع.
 
هالني أيضًا أن المحاضرة اقتصرت فقط على عرض القدرات التقنية للتعامل مع ’المخلفات‘ الصلبة لتحويلها إلى منتجات نافعة، وحصرتها فيها، ووقفتها عليها، رغم أن عنوانها يتضمن مصطلح الاستراتيجية، والذى يعنى سعة تناول الموضوع من كافة جوانبه، فلم يتضمن العرض: دور المواطن والجمعيات الأهلية، أو حتى الإدارات المحلية والحكومية. 
 
أخشى أن ذلك القصر والحصر على عرض القدرات، و’العضلات‘ التقنية يوحي بالفكرة الآتية: خذ واستهلك من الموارد ما تشاء؛ فنحن قادرون على التعامل مع قمامتك. وأخشى أن استغراقنا التقني في تعاملنا مع قضية ’تدوير‘ الموارد قد أنسانا الهدف الأصلي، وهو الحفاظ على الموارد وعدم استنزافها.
 
التدوير مصطلح غير مناسب
 
إننا إذا أزلنا الهالة التقنية التي ارتبطت بمصطلح ’تدوير‘ الموارد فسوف نرى أن التدوير بدوره سوف يحتاج إلى طاقة أو مواد أو كليهما، أي أن له بدوره تكلفة بيئية، وعليه فإنني أوثر أن نتعامل مع تدوير الموارد بحسبانه شرًّا لا بد منه، ولا محيد عنه.
 
وإذا نشدنا التركيز على الهدف الأسمى -وهو الحفاظ على الموارد- فعلينا أن نعود إلى أصل ومنشأ المشكلة، التي تتمثل في علاقة الإنسان بالموارد، وإسرافه في استخدامها، مما قد يهدد باستنزافها محليًّا وعالميًّا، وهنا نكون بحاجة إلى تجاوز البعد التقني
واستدعاء البعد الحضاري، فمثلاً يستهلك المواطن الأمريكي 85 طنًّا من الموارد الطبيعية سنويًّا، بينما الياباني 45 طنًّا.[1] فإذا افترضنا أن مستوى التقدم التقني في البلدين متقارب، ألا يشير ذلك إلى أن البعد الحضاري هو المسؤول؟
 
إننا بحاجة إلى خطاب حضاري جديد متجاوز للبعد الاستعمالي الاستهلاكي، يدعو إلى التعامل مع الموارد الطبيعية باعتبارها خلقًا من خلق الله تعالى الذي "خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا"، وأننا مستخلفون فيها بالمحافظة على الإتقان المسكون فيها "صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"، وبالرشادة في إدارة المنظومة البيئية التي تضمها وتنتجها، والتي عندما تحدث عنها الله قال جل في علاه: "وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"، وفي رأي أنه توازن الخواص في نفسها ومع ما حولها.
 
وخلافًا للتوجه التقني الذي سبق وتحدثت عنه، الذي يبدأ بعد نهاية عمر المورد أو المنتَج، فإنني أدعو للبدء من أول خطوة يخطوها الإنسان نحو الموارد، وأقصد اختيار أسلوب الحياة ونمط الاستهلاك، فهذه الاختيارات والقرارات المصيرية، هي التي تحدد في النهاية مستوى الرشد في التعامل مع الموارد، كما تحدد كم ’المخلفات‘ أي الموارد في نهاية حياة المنتج التي عليَّ أن ’أدورها‘.
 
إنني أدعو إلى أن نخفف وطء أقدامنا على الأرض، وأن نحاول قدر استطاعتنا تقليل معدلات استهلاك مواردنا، وأن نجتهد في تحقيق التناغم بين أساليب حياتنا وأنماط استهلاكنا، بل وطرق الإنتاج لدينا، مع الدورات الطبيعية والمحيط الحيوي.
 
استراتيجية الفعل لا رده
 
أود أن أميِّز ما أسميه استراتيجية فعالة عن استراتيجية رد الفعل التي تكلمت عنها في البداية، وضمها عنوان المحاضرة.
 
الاستراتيجية التي أدعو إليها تبدأ بالإنسان لا بالمخلفات، وتخاطبه باعتباره إنسانًا حرًّا فاعلاً حضاريًّا مسؤولًا، وأن اختياره وقراره فيما يتعلق بكيف يحيا وكيف يستهلك، يمس بشكل مباشر رصيد التوازن البيئي في مجتمعه، والإمكانية الفعلية لتحقيق التنمية المستدامة في بلده وفي العالم أجمع.
 
ذاك الإنسان، لا يقبل بالضرورة الحلول والوصفات الجاهزة التي تقدمها له الأنظمة والشركات والمؤسسات ووسائل الإعلام القومية والعالمية. 
 
وفي محاولة لطرح أفكار تسهم في بلورة الاستراتيجية الفعالة للتعامل الرشيد مع الموارد، أرى الاتجاه للحياة في مجتمعات زراعية صناعية تجارية سياحية في الصحراء، تبني نموذجًا انتشاريًّا للعمران، قائمًا على البناء بالموارد المحلية (الطَّفلة والطوب المعشق أو الأحجار، إلخ) مع عدم استخدام الإسمنت أو الخرسانة المسلحة أو المصاعد أو المكيفات، وذلك باللجوء إلى التقنيات التقليدية لتحسين المناخ، مثل فناء الداروملاقف الهواء، مع تضمين المباني السكنية خدماتٍ عامة مثل غسيل الملابس.
 
يمكن أيضًا تصميم المجاورات السكنية بحيث تضم كل منها كافة الخدمات التجارية والفنية (الصناعات الصغيرة، وخدمات صناعة الصيانة والإصلاح) التي يحتاج إليها السكان، مع الاستغناء قدر الإمكان عن وسائل المواصلات المميكنة وعدم اللجوء إليها إلا للضرورة، وتفضيل وسائل النقل الجماعية ما أمكن ذلك، والتي تمتاز بارتفاع كفاءة استخدام المواد والوقود، جنبًا إلى جنبًا مع إحياء ثقافة المشي والجري وركوب الدراجات.
 
كما يتطلب الأمر إنشاء شبكات من وحدات تستقبل موارد المنزل المستعملة، مثل الأواني الزجاجية وزجاجات PTAوعلب المشروبات والورق وغير ذلك، وتشتريها (بالكيلو). سوف يؤدي تطبيق هذا النظام إلى ظهور نجم جديد في عالم ’التدوير‘، هو ربة المنزل التي سوف تحقق بذلك فرصة عمل ودخل مستدام لها.
 
كما يمكن إنشاء شبكات محلات شراء وبيع الأثاث والملابس والأدوات والمعدات المستعملة؛ مما يمنحها أعمارًا جديدة، وما يرفع بالتالي من كفاءة الموارد، والذي هو مطلب عالمي وركيزة لتحقيق التنمية المستدامة.
 
ويجب الكف قدر الإمكان عن تناول الوجبات الجاهزة،المسؤولة عن كثير من العبوات المختلفة المطلوب تدويرها، ذلك المنتج قصير العمر جدًّا، والعودة -كلما أمكن ذلك- إلى تناول الأطعمة والمشروبات الطازجة.
 
 
* حامد إبراهيم الموصلي: أستاذ متفرغ بكلية الهندسة، جامعة عين شمس المصرية، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية.
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 
 
 

المراجع

[1] First International Symposium on Environmentally Conscious Design and Inverse Manufacturing, Mega Trends of Eco Design (Tokyo, 1999)

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.